⭕ الحل يكمن في دعم الجامعة لإعادة البناء وتوفير إسناد نفسي بواسطة طلاب كلية الآداب – قسم علم النفس ومركز دراسات السلام والتنمية بجامعة كردفان
⭕ “سوق عكاظ” صنع مساحات للإبداع والمنافسة واكتشاف المواهب وغيرها
⭕ استهداف الحركة الطلابية كان في جوهره استهدافاً لروح الجامعة نفسها، لا لتنظيمات وأجسام نقابية وثقافية بعينها
⭕ توسع التعليم الخاص والأجنبي بصورة كبيرة جعل فرص التعليم الجيد مرتبطة بالمقدرة المادية أكثر من الاستحقاق، وحرب أبريل عمّقت الجراح أكثر نتيجة تداعياتها
⭕ الحرب مرحلة وستنتهي يوماً ما، فلا تجعلوا اليأس يتسرب إلى دواخلكم، طالما أن التفاؤل مظهر بسيط من مظاهر الإيمان، كما قرأت ذات يوم في “سبيل البعث الأصيل”
—
يُطل علينا الباشمهندس عبدالله “ديفيد” عبر “ملف الحركة والتجربة الطلابية” صادحاً، وهو يُعد من الذين يُعوَّل عليهم في استنهاض السودان ونهضته، واستنهاض الشريحة الأكثر وعياً لبعث ملامح هذه النهضة. ويُعد الباشمهندس ديفيد أحد أبرز الأصوات الشبابية الطلابية اللامعة، إذ تنبض كتاباته ومداخلاته ونقاشاته بعمقٍ يقارع السائد، وتلامس الضمير وتلاطف العقل. كما يحظى بحضور اجتماعي وعلمي وثقافي وفكري معتبر وسط مجايليه والطلاب بمجمع خور طقت وجامعة كردفان طيلة عشر سنوات من الدراسة، وصولاً إلى التخرج في 2 مايو 2026م.
____
حوار: محمد حماد عبدالمنعم
___
⚫ بعد مضي ثلاثة أعوام ونصف على حرب 15 أبريل 2023م، كيف ترى آثار الحرب وتداعياتها (المادية، والاجتماعية، والنفسية، والأكاديمية) على جامعة كردفان والطلاب وأسرهم؟ وما هي الحلول؟
تركت الحرب آثاراً كبيرة على جامعة كردفان وطلابها وأسرهم؛ تمثلت في أضرار مادية عطّلت البيئة التعليمية في بدايات الحرب، خصوصاً مجمع خور طقت وما تعرض له من تدمير للمعامل والمكاتب وتخريب للقاعات. وآثاراً اجتماعية أثقلت كاهل أسر الطلاب السودانيين بالنزوح وعدم الاستقرار، وأفرزت ضغوطاً نفسية خلّفت حالات القلق والخوف، بجانب تحديات أكاديمية بسبب الانقطاع عن الدراسة وتأخر المسيرة التعليمية.
والحل يكمن في دعم الجامعة لإعادة البناء، وتوفير إسناد نفسي بواسطة طلاب كلية الآداب – قسم علم النفس ومركز دراسات السلام بجامعة كردفان مثلاً. بجانب الدعم المادي للطلاب بشكل عام، والطلاب المتعففين والمتضررين من آثار الحرب المباشرة على وجه الخصوص. بالإضافة إلى تطوير وسائل تعليم مرنة، مع تعزيز روح التكافل بين الطلاب عبر خلق مبادرات شبابية طلابية داخل الجامعة تعيد للحياة الجامعية حيويتها.
⚫ سجّل التاريخ لجامعة كردفان ومجمع خور طقت أبرز المحطات، فكانت (الأسر الطلابية – ومنتدى هندسة الأسبوعي – وسوق عكاظ – وأسبوع المهندس). هل غياب هذه “الأنشطة الحيوية” ترك آثاراً مباشرة على الطلاب والجامعة؟
نعم، غياب هذه الأنشطة ترك أثراً بالغاً وواضحاً، لعدة أسباب جوهرية، لأنها لم تكن مجرد “فعاليات ترفيهية للطلاب”، بل كانت جزءاً من روح الجامعة وصناعة شخصية الطلاب وصقلها.
– فالأسر الطلابية كانت تبني الانتماء، وتربط النسيج الاجتماعي، وتحل مشاكل الطلاب بتواصلها الدائم معهم، وكانت حلقة الوصل بين الإدارة والطلاب.
– أما منتدى المهندس الأسبوعي فكان يغذي الحوار العلمي والأكاديمي، بينما صنع “سوق عكاظ”مساحات للإبداع والمنافسة واكتشاف المواهب، وغيرها مثل ترابط طلاب جامعة كردفان بمجمعات الكليات الأخرى.
ومع توقف هذه الفعاليات، خسر الطلاب كثيراً من فرص التفاعل، مما أضعف البيئة الجامعية في جانبها “الثقافي والاجتماعي وحتى السياسي”، وبذلك تراجع أو كاد يختفي الحراك الذي كان يمنح الجامعة معناها الحقيقي.
⚫ التعليم حق مستحق وواجب “مجاني وديمقراطي”. كيف يمكن استعادة هذا الحق في خضم الهروب إلى خيار الهجرة، وبين سندان الفقر ومطرقة الضغوط الحياتية؟
بالنسبة لي، أرى أن استعادة حق التعليم تكون عندما نعيد للتعليم قيمته الحقيقية، وذلك بدعم حقيقي للطلاب، مثلاً: “تخفيض الرسوم الدراسية، توفير بيئة تعليم مناسبة ومميزة، تحفيز وتشجيع الطلاب” عشان يتمسكوا بالدراسة بدل ما يفتشوا عن الهروب ويسافروا للخارج. لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالعلم والمعرفة.
⚫ هل تعرض التعليم ومؤسساته في السودان للتخريب في المناهج وتقلص الحكومي وتوسع الخاص والأجنبي؟
نعم، التعليم في بلادنا تعرّض لخيبات كبيرة: من ضعف في المناهج، وتراجع الدعم الحكومي، مقابل توسّع التعليم الخاص والأجنبي بصورة كبيرة، مما جعل فرص التعليم الجيد مرتبطة بالمقدرة المادية أكثر من الاستحقاق. وحرب 15 أبريل 2023م عمّقت الجراح أكثر؛ نتيجة تداعياتها التي خرّبت البنية التعليمية، وعطّلت الدراسة في فترة بشكل كامل، ودفعت آلاف الطلاب للنزوح والانقطاع، في وقت كان فيه التعليم الحكومي أصلاً ضعيفاً. فزاد اعتماد الطلاب السودانيين على البدائل الخاصة والهجرة، وأصبح التعليم في السودان بين نار الحرب وثقل الواقع الاقتصادي.
⚫ لماذا ظلت “الحركة الطلابية” مستهدفة، وليست كردفان استثناءً؟
ظلت الحركة الطلابية مستهدفة طيلة تاريخها لأنها كانت دائماً منارة للوعي وصوتاً ينتزع الحقوق. وفي جامعة كردفان، هناك منابر مثل: الأسر النقابية، منتدى سوق عكاظ في مجمع خور طقت، وأسبوع المهندس في كلية الهندسة، وأيضاً أركان الحوار والنقاش السياسي، التي صنعت مساحة حرة للنقاش والحوار وصناعة القيادة، وتعلم العمل النقابي وتكوين وصقل شخصية طالب جامعة كردفان. بالتالي، فإن استهداف الحركة الطلابية كان في جوهره استهدافاً لروح الجامعة نفسها، لا لتنظيمات وأجسام نقابية وثقافية بعينها. والحركة الطلابية كانت حية وواعية، وذلك يتجلى في «التنظّم، وطرح الأسئلة، والنقد المستمر، والمطالبة بالحقوق.» وهذا في نظر أي جهة مسؤولة يُعتبر تهديداً، لذلك كانت وما زالت تتم محاربتها بشتى السبل والوسائل.
⚫ كيف يمكن استعادة أدوار “الحركة الطلابية” في التعبير والتنظيم.. إلخ، وفي جامعة كردفان من أجل الغاية الكبرى وهي انتخاب اتحاد طلاب جامعة كردفان عبر الطرق المعروفة لذلك؟
في هذه الفترة الحرجة بالذات، القصة دي صعبة نتيجة لكبت الحريات. ولكن استعادة “أدوار الحركة الطلابية” تكون أولاً بالعودة إلى استعادة المساحات الحرة للحوار والنقاش والتنظيم، وقيام اتحاد منتخب بإرادة الطلاب عبر التمثيل النسبي من كل كليات الجامعة والكتل التنظيمية. وإذا تم ذلك، سترجع “الحركة الطلابية” صوت الحق لكل الطلاب، وستكون منظمة وفائقة الدقة، وقادرة على أن تدافع عن حقوق الطلاب وتقود التغيير داخل الجامعة وخارجها، كما عهدناها سابقاً.
⚫ صف لنا مجمع خور طقت، وما الذي ميّزه؟ وكيف ترى دور “مهندس خور طقت” في دعم وإعادة إعمار البلاد بعد الحرب؟
بالنسبة لي، “مجمع خور طقت” ليس مجرد مؤسسة تعليمية، بل هو رمزٌ راسخ في ذاكرة السودان، ومنارة خرّجت أجيالاً حملت العلم والانضباط وروح المسؤولية. ما يميزه أنه يصقل الشخصية ويجعلها طاغية حضوراً. مثلاً: طالب طقت تجده مميزاً على المستوى الأكاديمي، ومغروساً فيه قيم القيادة، والتعاون، والأخلاق الفاضلة، وبناء الشخصية والروح الثورية. وبذلك، فهو لا يمنح الشهادة الجامعية فحسب، بل الأجيال تتوارث هذه الصفات الفاضلة جيلاً بعد جيل، وهذا نجده منعكساً في تكاتف الطلاب على مستوى المطالب الحقوقية والإجتماعية. أما *”مهندس خور طقت”*، فأراه اليوم في قلب معركة البناء القادمة بمهارته الفنية، وعقله المنظم، وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص حقيقية، عبر رؤيته الثاقبة التي تربط بين الإعمار والتنمية المستدامة. وبعد الحرب، السودان لن يحتاج إلى إعادة بناء الجدران وحدها، بل إلى إعادة بناء المؤسسات، والبنية التحتية، والثقة في المستقبل. وهنا يجب أن يبرز دور مهندس خور طقت كقائدٍ في “التخطيط، والتنفيذ، والابتكار”. خصوصاً في هذه المرحلة الحرجة، المطلوب منه أن يكون جزءاً أساسياً من “نهضة السودان” عبر تطبيق علمه وإعمال عقله، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى رؤية، وإخلاص، وعمل محض يبني وطناً يليق بشعبنا. وباختصار شديد، بالنسبة لي، “مجمع كليات خور طقت” هو الوطن المصغر لطلابه وخريجيه، ويتجسد ذلك في قناعتهم بأن أي تجربة تُسقط على الواقع ستكون سديدة طالما أنها وليدة طقت. فطلاب تلك البقعة هم من صميم تاريخها العريض ومبانيها القديمة، لذلك تجد الوعي ممتداً من جذور الجذور. وهم كذلك بذرة الوعي عندما يخرجون للمجتمع. ومن واجبنا ومسؤوليتنا، واستناداً على ما تعلمناه في تلك البقعة، سنكون عضداً لهذه البلاد، وسنكون مهندسين وأدباء وعلماء كما علمتنا طقت.
⚫ أخيراً: ما هي رسالتك للطلاب السودانيين في ظل هذه الحرب، وعالم رقمي سريع ومتغير، صار يعرّف التعليم تعريفاً مختلفاً عما سبق؟
رسالتي للطلاب السودانيين: إن هذه الحرب وما فاقمته من ظروف صعبة، لا تجعلوها عائقاً أمام طموحكم أو سبباً للاستسلام واليأس. صحيح الواقع مرير وصعب للغاية، لكن التعليم هو الطريق الذي نفهم به الحاضر، ونستشرف ونفتح به أبواب المستقبل. والعالم تغير وتطور جداً، والتعليم الآن ليس مربوطاً بمدرسة أو جامعة فقط. اليوم أي زول ممكن يتعلم من أي مكان إذا كانت لديه رغبة وإصرار وعزيمة. عشان كده حاولوا تستفيدوا من العالم الرقمي بصورة مفيدة، وركّزوا على تطوير نفسكم في المهارات البتنفعكم لقدام، سواء كانت «لغات، تقنية، برمجة، تصميم» أو أي مجال بتحبوه وشايفين نفسكم ممكن تبدعوا فيه. النجاح وتحقيق الأهداف والغايات يحتاج صبراً واجتهاداً ومثابرة، ويأتي كل ذلك بالإصرار وخطوة تلو خطوة.
وفي وسط كل هذه التغيرات والظروف، خلوكم متمسكين بقيمكم السودانية الجميلة: عزوا من قيم الاحترام المتبادل، والتعاون، والتضامن، والصبر. لأن بلدنا محتاجة جيلاً متقد الفكر والثقافة، أي “واعٍ، ومتعلم، ومثقف”، عشان يقدر يبني ويستشرف مستقبلاً أفضل ويصنع فرقاً حقياً. والحرب مرحلة، وفي يوم ما حتنتهي. والمؤمنون بحتمية ذلك، لا تجعلوا اليأس يتسرب إلى دواخلكم، طالما أن التفاؤل مظهر بسيط من مظاهر الإيمان، كما قرأت ذات يوم عن ذلك في سبيل البعث الأصيل.

Leave a Reply