أحمد مختار
إن الأمم لا تنهض إلا على أكتاف المعلمين، ونحن في السُّودان كسرنا أكتافهم، ثم سألناهم: لماذا لا تحملوا الوطن؟
لم يكن تخريب التّعليم في السُّودان بقصف وتدمير المدارس فحسب، بل كان بإذلال ممنهج للمعلم، حين حولناه من رسول إلى متسوّل، ومن صاحب رسالة، إلى نازح في الطُّرقات بلا رسالة،
اغتلناه بأربع رصاصات:
رصاصة الرّاتب، التي تمثّلت في التجويع الممنهج، فراتب المعلم في السُّودان صار أضحوكة، لا يكفي ترحيله إلى مدرسته لأسبوع واحد، دعك من ضروريات المأكل والمشرب والإيجار والعلاج ومستلزمات الحياة الضرورية لأبنائه، فكيف يعمل المعلم وابناءه،لا يملكون ثمن وجبة في المدرسة؟ وهل نلوم المعلم إذا عمل حمّالاً، أو بائعاً للطعمية بعد الدوام، أو سائق ركشة بالمساء؟ وماذا تبقى من هيبته بعد ذلك؟
والرصاصة الثانية التي وُجّهت للمعلم هى سلاح التشريد، فالحرب هجّرت آلاف المعلمين نازحين في مدارس الولايات، التي تُسمي آمنة حيث ظل المعلم يسكُن في الفصل الذي كان يُدرّس في مثله، أو في أطراف المدن المكتظّة، ولا غرابة في ذلك. معلمو دارفور وكردفان فقدوا بيوتهم، ونزحوا مع طُّلابهم وتلاميذهم، وبات من المألوف أن تجد معلماً يتقاسم مع تلميذه وجبة من منظمة إغاثة تطوعية، أوحصيرة النوم في الأرض ليلاً، فالفقر لايميّز بين ضحاياه.
أما الرصاصة الثالثة، فهي الحقوق الضائعة، حيث لا معاش، ولا علاج، ولا كرامة، ولا تأمين صحي، يمرض المعلم، وعليه أن يستدين قيمة الدواء! ولا ترقيات، ولا معاش محترم. والنقابات التي كانت تزعم تمثيله ظلّت أداة تُطبّل للنّظام الذي يذل المعلمين.
والمجتمع يشارك في الجريمة أي الرصاصة الرابعة، بصمته على هذا الجال وهل يتطلّع إلى المستقبل، وساهمت أجهزة الإعلام في هذا التّهميش. عبر المسلسلات التي صورته كدرويش، أو جشع، أو مسكين لا يعرف كيف ينتزع حقوقه، أما الدولة فهو في آخر أولوياتها، لأن الميزانية مخصصة للأمن والسّادة والسيادة،
وبذلك خسرنا القدوة ولم يعُد الطالب يحترم أستاذ، وما عاد يحلم أن يصير يوماً معلماً في مقبل حياته، وخسرنا الكفاءة، بهجرة العقول، لأن أفضل المعلمين يعملون اليوم في الخليج، والذين فضلوا البقاء هنا إما محبطون أو مجبورون على العمل إلى أن يجدوا البديل، وخسرنا المستقبل بفقدان 19 مليون تلميذ فرصة التّعليم بسبب الحرب.
والحقيقة المرّة، من الممكن أن نبني ألف مدرسة، ونطبع ملايين الكتب، لكن بدون معلّم مؤهل ومدرّب ومشبع بالوطنية والقيم وعزّة النّفس، لن يجني الوطن فائدة من التعليم والتّربية، وكرامة المعلم، والأستاذ الجامعي أولوية، في كل مشروع وطني ينشد المستقبل للأجيال القادمة
و لا حل إلا عبر صندوق وطني للمعلم، رأسماله من إنتاج الذهب، والبترول والسّمسم والصّمغ والضرائب ومن مساهمات المغتربين. وتخصيص مرتّب يحفظ كرامة المعلم ويضمن استقراره المهني والاجتماعي، وسن قانون يحميه من الموطفين والمسؤولين الاغبياء في مؤسسات الدولة ويجرّم إهانة المعلم، ويضمن علاجه ومعاشه، ويرد له الاعتبار في أجهزة الإعلام المختلفة، وفي المدرسة،و في المسجد، وفي البيت.
فالشّعب الذي لا يحترم الذي يُعلّمه، غير جدير بالحياة، ولن يتقدّم ولو امتلك جبالاً من ذهب.

Leave a Reply