لم أعد تلك الأنثى التي يمكن كسرها

صحيفة الهدف

بشرى نصير

بينما كنتُ واقفةً تحت عباءة الليل، أراقبُ النجوم التي تبدو وكأنها تعزف لحنًا أزليًا من الصمت، وجدتُ نفسي غارقةً في مراقبة حركة عقارب الساعة، التي لم تكن تحسب الوقت فحسب، بل كانت تُعيد عرض شريط حياتي على جدران الذاكرة. في تلك اللحظة، لم تعد النجوم مجرد أجرام سماوية، بل صارت شهودًا على تحولٍ جذري في كياني؛ حيث امتزجت مرارة الماضي بصلابة الحاضر في مشهدٍ واحد، مُعلنةً ولادة امرأةٍ لم تعد تكتفي بالنظر إلى الحياة، بل بدأت بصياغة تفاصيلها بيدين من حديد.
ابتسمتُ لنفسي، ليس لأنني كنتُ سعيدة، بل لأنني أدركتُ بوضوحٍ مؤلم حجم السذاجة التي كنتُ عليها. لقد كنتُ أصدق كل كلمة معسولة تخرج من أفواه أولئك “الوحوش” الذين تنكّروا في هيئة بشر، واثقةً أن الدنيا ما تزال بخير، وأن القلوب البيضاء محميةٌ بقوانين الفطرة. كان عالمي آنذاك هشًا، تتلاطمه الكلمات كما يتلاطم القارب في بحرٍ هائج؛ فكلمةٌ ترفعني إلى السماء، وكلمةٌ تذروني في مهب الريح. كنتُ أظن أن الطيبة ضعف، ولم أدرك إلا متأخرةً أن الطيبة في عالمٍ قاسٍ تحتاج إلى حكمةٍ تحميها، وإلى حصونٍ من الوعي تصدّ عنها نيران الغدر.
في لحظةٍ من تلك الليلة، توقفتُ عن الهروب من حقيقة أن “غلطة الشاطر بألف”. لم أعد أكترث إن كانت جراحي لا تزال تنزف أو قد اندملت، فما أدركتهُ كان أعمق من مجرد التئام الجسد؛ لقد اكتشفتُ أن شخصيتي قد وُلدت من جديد في المسافة الفاصلة بين الأمس واليوم.
لم أعد تلك الفتاة التي تُستدر عواطفها بالوعود الزائفة، بل أصبحتُ امرأةً صاغها الألمُ لتكون أكثر ذكاءً، وأشدّ بأسًا، وأكثر قدرةً على قراءة ما وراء الأقنعة. لقد تعلمتُ أن الصمت لا يعني الضعف، بل هو مأوى الأقوياء الذين يراقبون المشهد من بعيد قبل أن يتخذوا قرارهم المصيري.
أصبحتُ اليوم أتحرّك نحو أهدافي بهدوءٍ يشبه برودة الجليد، بعيدًا عن صخب الاندفاع أو هشاشة التردّد. لقد أدركتُ أن هذه الدنيا لا ترحم الطيبين الذين يظلون أسرى لطيبتهم المفرطة، لذا اخترتُ أن أكون حارسةً لنفسي، مدركةً أن لا أحد سيحب لك الخير كما تحبينه أنتِ. إنَّ هذه القوة لم تأتِ من فراغ، بل من قناعةٍ راسخة بأن الانكسار ما هو إلا جزءٌ من عملية (إعادة الضبط)؛ فكما أن السهم يحتاج لأن يرجع إلى الوراء بضع خطوات لكي يندفع بكل قوته نحو الهدف، هكذا كانت نكساتي؛ تراجعٌ استراتيجي لاكتساب قوةٍ أكبر للانطلاق نحو الغايات التي رسمتها بوعيٍ جديد.
اليوم، لا مكان في حياتي للضعف الذي يجعل صاحبه يرتعد كفأرٍ أمام ظلّه. لقد اخترتُ نهج الأسود؛ هيبةٌ تفرض نفسها، ووقارٌ لا يحتاج إلى استجداء الاهتمام، وسيرٌ واثقٌ نحو الطموح. لقد أدركتُ الدرس الأخير في مدرستهم القاسية: لا تتوقفي عن النهوض مهما تكرر السقوط، فالقوة الحقيقية ليست في ألا تنكسري، بل في أن تظلي واقفةً -بكل اعتزاز- فوق أطلال انكساراتكِ القديمة.
والآن، ومع كل فجرٍ جديد، لم أعد أبحث عن السكينة في وعود الآخرين، بل أجدها في صدى خطواتي، وفي تلك النار التي لا تخبو في عيني، وفي إيماني العميق بأنني – وحدي – من يمتلك مفاتيح مستقبلي، وسأفتح الأبواب التي ظنّوا يومًا أنها ستظل موصدةً في وجهي.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.