د.حنان الهادي
في الأيام الماضية انشغل كثير من السودانيين بنتائج المنتخب السوداني النسائي لكرة القدم بعد الهزائم الثقيلة التي تعرّض لها أمام بعض المنتخبات المشاركة. وكما يحدث عادة، انقسمت ردود الأفعال بين الغضب والسخرية واللوم والبحث عن المسؤول. لكن إذا ابتعدنا قليلًا عن لوحة النتائج، سنكتشف أن القصة أكبر من مباراة، وأعمق من عدد الأهداف التي دخلت المرمى.
في الرياضة، كما في الحياة، لا تبدأ الرحلة يوم المنافسة. الطريق إلى الملعب أطول مما نعتقد. فالمنتخبات لا تُصنع في المعسكرات القصيرة، ولا في أيام البطولة، بل تُبنى عبر سنوات من الفرص والتشجيع والتدريب والتقبّل المجتمعي. ولهذا لا تعكس المباراة مستوى اللاعبات وحدهّن، بل تعكس البيئة التي خرجن منها أيضًا.
والحقيقة أن كرة القدم لم تكن يومًا مجرد لعبة. فمنذ ظهور الفرق النسائية الأولى في أوروبا قبل أكثر من قرن، ظلت الرياضة تعكس علاقة المجتمع بالمرأة ودورها ومساحتها في الحياة العامة.
واليوم، عندما نشاهد منتخبات نسائية قوية تملأ الملاعب وتجذب ملايين المتابعين حول العالم، قد ننسى أن كثيرًا من هذه التجارب بدأت بأسئلة تشبه أسئلتنا الحالية: هل كرة القدم مناسبة للفتيات؟ هل يمكن للمرأة أن تصبح لاعبة محترفة؟ وهل يستحق الأمر كل هذا الجهد أصلًا؟
لم تولد كرة القدم النسائية قوية ومقبولة كما نراها اليوم. بل مرّت في كثير من الدول بمراحل طويلة من الرفض والتشكيك والسخرية أحيانًا، لكن الزمن أثبت أن السؤال لم يكن ما إذا كانت النساء قادرات على لعب كرة القدم، بل ما إذا كانت المجتمعات مستعدة لمنحهن الفرصة.
ولهذا فإن المباراة لا تعكس فقط مستوى المهارة الرياضية، بل تعكس أحيانًا حجم المساحة التي منحها المجتمع للفتيات كي يحلمن ويجربن ويخطئن ويتعلمن. فاللاعبة التي تدخل الملعب تحمل معها أكثر من حذاء رياضي وقميص منتخب. تحمل سنوات من التشجيع أو الإحباط، من الدعم أو المقاومة، ومن الفرص أو الحرمان.
أذكر هنا تجربة شخصية جعلتني أفهم هذه القضية بطريقة مختلفة. عندما عدت إلى السودان قبل أكثر من 10 سنوات، كان ابني شغوفًا بكرة القدم فالتحق بأكاديمية رياضية مميّزة تمتلك ملاعب جيدة ومدربين مؤهلين. وبعد فترة أرادت أخته، وكان عمرها نحو سبع سنوات، أن تلعب هي الأخرى .لم تكن تحلم بالاحتراف ولم تكن تفكّر في المنتخب الوطني. كانت فقط طفلة تريد أن تركض خلف الكرة مثل أخيها.
في البداية بدا الأمر طبيعيًا. الأطفال يلعبون والمدربون يشجعونهم والأكاديمية ترحّب بالجميع. لكن المفاجأة جاءت من خارج الملعب.
في أحد الأيام تقدّم نحوي أحد أولياء الأمور، وهو شخص لا أعرفه ولا يعرف أسرتنا، ليحدّثني مطولًا عن أن كرة القدم ليست الرياضة المناسبة للبنات، وأنه من الأفضل أن أبحث لابنتي عن نشاط آخر. لم يكن الرجل عدائيًا ولم يكن يقصد الإساءة، بل كان مقتنعًا تمامًا أنه يقدم نصيحة مفيدة وأن الأمر يستحق تدخّله!
وهنا نفهم شيئًا مهمًا: حتى عندما تسمح الأسرة للبنت بأن تلعب، قد تجد نفسها مضطرة لتبرير هذا القرار أمام المجتمع.
بعد فترة فقدت ابنتي حماسها للعبة ولا أعرف حتى اليوم إن كانت قد سمعت التعليقات نفسها، أو شعرت بالنظرات ذاتها، أو التقطت الإشارات التي يلتقطها الأطفال أسرع مما نتوقع. لكنني أدركت أن الطريق إلى المنتخب الوطني قد يصبح طويلًا جدًا إذا كانت الطفلة مضطرة أولًا إلى الدفاع عن حقّها في اللعب.
ولهذا أتساءل اليوم: ماذا نعرف نحن عن اللاعبات اللواتي يمثلن السودان؟ نحن نعرف عدد الأهداف التي دخلت مرماهنّ، لكننا لا نعرف عدد العقبات التي تجاوزنها للوصول إلى الملعب! لا نعرف كم واحدة احتاجت إلى إقناع أسرتها. ولا كم واحدة واجهت تعليقات ساخرة من محيطها! ولا كم واحدة تدرّبت في ظروف لا يمكن مقارنتها بما هو متاح لغيرها! ولا كم واحدة جاءت من مدينة تأثّرت بالحرب أو النزوح أو توقف النشاط الرياضي! ولا كم واحدة ظلت لسنوات تدافع عن حقّها في ممارسة لعبة ما زال بعض الناس يناقشون أصلًا ما إذا كانت مناسبة للنساء أم لا.
أحيانًا ننظر إلى المشاركة الرياضية باعتبارها أمرًا عاديًا، لكن بالنسبة لبعض الفتيات قد تكون مجرد المشاركة نفسها رحلة طويلة من الإصرار والصبر والمقاومة .ولهذا فإن وجود منتخب نسائي سوداني على أرض الملعب قد يكون في حد ذاته قصّة تستحق أن تُروى.
إن كرة القدم نفسها مليئة بنتائج صادمة. ففي كأس العالم 2014 خسرت البرازيل، صاحبة أحد أعظم التواريخ الكروية في العالم، أمام ألمانيا بنتيجة 7-1 على أرضها وبين جماهيرها.
وشهدت كرة القدم النسائية عبر العقود نتائج ثقيلة عديدة لمنتخبات أصبحت لاحقًا من بين الأفضل عالميًا. فالهزيمة الكبيرة قد تكون مؤلمة، لكنها ليست دائمًا نهاية القصة. وأحيانًا تكون مجرد فصل من فصول التعلم والنمو. فالرياضة، مثل التعليم والتنمية، عملية تراكمية طويلة. والفريق الذي نراه اليوم ليس إلا انعكاسًا لما حدث خلال سنوات سبقت المباراة.
ثم تأتي ظروف السودان الاستثنائية خلال السنوات الأخيرة. فالحرب لا تدمّر المباني فقط، بل تقطع مسارات التطور الطبيعية في التعليم والثقافة والرياضة، وتؤخّر أحلام أجيال كاملة. وفي الوقت الذي كانت فيه بعض المنتخبات تبني دورياتها وتوسّع أكاديمياتها وتخوض معسكراتها التدريبية، كان السودان يواجه تحديات أكثر أساسية تتعلق بالأمن والنزوح واستمرار الحياة نفسها.
ومع ذلك، خرجت فتيات حملن اسم السودان على صدورهن ودخلن الملعب. وربما يستحق ذلك بعض التقدير قبل إطلاق الأحكام. ويجدر بنا أيضًا أن نتذكّر أن الرياضة ليست مجرد منصّة لقياس الفائز والخاسر. ففي بعض الأحيان تكون المشاركة نفسها خطوة تاريخية. فالمنتخب الذي يشارك اليوم، حتى وهو يخسر، قد يفتح الطريق لطفلة تشاهد المباراة من منزلها، أو من مدرسة، أو من معسكر نزوح، فتقرّر أن تحمل الكرة غدًا.
وما يبدو لنا اليوم نتيجة قاسية، قد يكون بالنسبة إلى جيل آخر نقطة البداية. لهذا لا ينبغي أن يكون السؤال اليوم: كم هدفًا استقبلنا؟ بل: كيف نصنع بيئة تمنح الطفلة السودانية التي تحب الكرة فرصة عادلة لتلعبها؟
لأن الفرق الكبيرة لا تبدأ من المنتخب بل من طفلة تركض خلف كرة في ساحة مدرسة، ومن أسرة تشجّعها، ومن مجتمع لا يستهجن حلمها. وعندما تتوافر هذه الشروط، تتحسّن النتائج تلقائيًا. أما عندما نختزل القصة كلها في لوحة النتائج، فإننا نرى الأهداف التي دخلت المرمى، ولا نرى السنوات الطويلة التي سبقتها.
ربما لم تكن أكبر خسارة أن يدخل مرمى السودان سبعة عشر هدفًا. الخسارة الحقيقية ستكون إذا جعلتنا السخرية نفقد سنوات أخرى من بناء كرة القدم النسائية السودانية. فبعض المباريات تبدأ قبل صافرة البداية بسنوات طويلة، وبعض الانتصارات أيضًا.

Leave a Reply