الدولارُ في السودان أصبح مقياساً يومياً لحجمِ الخللِ الذي أصاب الاقتصادَ والدولةَ والمجتمعَ معاً. فكلُّ قفزةٍ جديدةٍ في سعرِهِ لا تعني فقط تراجعَ قيمةِ الجنيهِ، وإنما تعني تآكلَ القدرةِ الشرائيةِ للمواطنِ، وارتفاعَ تكلفةِ الغذاءِ والدواءِ والنقلِ والتعليمِ، واتساعَ دائرةِ الفقرِ وعدمِ اليقينِ.
في الظروفِ الطبيعيةِ، تتحركُ أسعارُ العملاتِ صعوداً وهبوطاً وفقَ مؤشراتِ الإنتاجِ والتجارةِ والاستثمارِ. أما في زمنِ الحـ.ربِ، فإنَّ الدولارَ يتحولُ إلى مرآةٍ تعكسُ مستوى الاستقرارِ السياسيِّ والأمنيِّ والثقةَ في المستقبلِ. وكلما طالت الحـ.ربُ، تراجعتِ الثقةُ، وازدادَ الطلبُ على العملاتِ الأجنبيةِ باعتبارها ملاذاً آمناً، بينما يتراجعُ الطلبُ على العملةِ الوطنيةِ التي فقدتِ الدولةُ قدرتها على حمايتها.
فالحـ.ربُ أوقفتِ الصادراتِ الزراعيةَ التي كانت تمثلُ شرياناً رئيسياً للعملةِ الصعبةِ، وأغلقتِ المصانعَ التي كانت تنتجُ بدائلَ للاستيرادِ، وشلَّت حركةَ النقلِ والتجارةِ، وأغرقتِ البلادَ في حالةٍ من عدمِ اليقينِ دفعتِ المضاربينَ والمستثمرينَ إلى التحوطِ بالدولارِ.
إنَّ أخطرَ ما في ارتفاعِ الدولارِ ليس أثرَهُ الماليَّ المباشرَ، بل أثرَهُ النفسيَّ والاجتماعيَّ. فحين يفقدُ المواطنُ ثقتَهُ في عملةِ بلادِهِ، تبدأُ عمليةٌ صامتةٌ لتآكلِ الثقةِ في الاقتصادِ كلِّهِ، ثم في مؤسساتِ الدولةِ نفسِها. وهنا تتحولُ الأزمةُ من أزمةِ سعرِ صرفٍ إلى أزمةِ عقدٍ اجتماعيٍّ بين الدولةِ والمجتمعِ.
فعلى الموظفِ ثابتِ الراتبِ، الذي لم يتغير دخلُهُ منذ عامين، أن يدفعَ اليومَ ثلاثةَ أضعافِ ما كان يدفعُهُ لشراءِ نفسِ السلعِ. وعلى المعيلِ الوحيدِ لأسرتِهِ أن يختارَ بين دواءِ طفلِهِ وخبزِ أسرتِهِ. وعلى صاحبِ المتجرِ الصغيرِ أن يوازنَ بين تكلفةِ الاستيرادِ وسعرِ البيعِ في سوقٍ فقدَ القدرةَ على الشراءِ.
لقد أثبتتِ التجاربُ العالميةُ أنَّ العملاتِ لا تُحمى بالشعاراتِ ولا بالقراراتِ الإداريةِ وحدها، بل بالإنتاجِ والاستقرارِ والثقةِ. ولذلك فإنَّ السؤالَ الحقيقيَّ ليس: إلى أيِّ رقمٍ سيصلُ الدولارُ؟ بل: كيف يمكنُ للسودانِ أن يستعيدَ شروطَ الاقتصادِ الطبيعيِّ الذي يجعلُ الجنيهَ معبراً عن قوةِ الاقتصادِ لا عن ضعفِ الحـ.ربِ؟
وفي النهايةِ، فإنَّ الدولارَ ليس سببَ الأزمةِ بقدرِ ما هو أحدُ أعراضِها. أما المرضُ الحقيقيُّ فهو استمرارُ الحـ.ربِ واستنزافُ المواردِ وتعطيلُ الإنتاجِ وتفككُ مؤسساتِ الدولةِ. ولهذا فإنَّ أيَّ حديثٍ جادٍ عن استقرارِ سعرِ الصرفِ يبدأُ من استقرارِ الوطنِ نفسِهِ. فحين تتعافى الدولةُ، يتعافى الاقتصادُ، وحين يتعافى الاقتصادُ، يستعيدُ الجنيهُ شيئاً من قيمتِهِ، ويستعيدُ المواطنُ شيئاً من طمأنينتِهِ.

Leave a Reply