لا مكان للمؤتمر الوطني

صحيفة الهدف

أمجد السيد

تتزايد في الآونة الأخيرة الأصوات التي تدعو إلى إشراك المؤتمر الوطني في أي عملية سياسية قادمة، مبررة ذلك بضرورات الواقع أو التخوف من تداعيات استبعاده. غير أن هذه الدعوات تتجاهل حقائق أساسية ارتبطت بتاريخ الحزب وتجربته في الحكم، كما تتجاهل الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب السوداني خلال العقود الماضية.

فالمؤتمر الوطني لم يصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع أو التنافس الديمقراطي، وإنما جاء إلى الحكم عبر انقلاب عسكري أطاح بالنظام الديمقراطي القائم، ثم شرع في إقصاء الأحزاب السياسية والقوى المدنية من الحياة العامة. ولم يقتصر هذا الإقصاء على المجال السياسي وحده، بل امتد إلى الخدمة المدنية والقوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة المختلفة، حيث تم إحلال معايير الولاء السياسي محل الكفاءة والاستحقاق، الأمر الذي ألحق أضراراً كبيرة ببنية الدولة السودانية ومؤسساتها.

وخلال سنوات حكمه الطويلة، واجه المؤتمر الوطني احتجاجات ومقاومة شعبية متواصلة، قابلها بالاعتقالات والقمع والتضييق وانتهاكات حقوق الإنسان. واستمر هذا النهج حتى اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة التي شارك فيها السودانيون من مختلف الفئات والاتجاهات، وقدموا خلالها مئات الشهداء والجرحى من أجل إنهاء الحكم الشمولي وفتح الطريق أمام التحول الديمقراطي.

وبعد سقوط النظام، لم تتوقف محاولات إعاقة مسار الثورة والانتقال الديمقراطي، إذ ظلت عناصر النظام السابق وشبكات نفوذه حاضرة في العديد من مؤسسات الدولة، مستفيدة من مواقعها وقدراتها الاقتصادية وعلاقاتها الواسعة للتأثير على المشهد السياسي. كما لعبت الأموال والنفوذ الاقتصادي دوراً في تمويل حملات سياسية وإعلامية استهدفت إضعاف قوى الثورة والتشكيك في مشروع الانتقال المدني، وصولاً إلى خلق المناخ الذي مهد لانقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، والذي أعاد البلاد إلى دائرة الانسداد السياسي وأجهض آمال السودانيين في استكمال التحول الديمقراطي.

كما وقف المؤتمر الوطني وأنصاره في مواجهة كل الجهود الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الأزمة وتعيد السلطة إلى مسارها المدني، وكان من أبرز ذلك معارضتهم للاتفاق الإطاري وتحشيدهم المستمر ضده، بل وظهور أصوات مرتبطة بهم بصورة علنية وهي تلوح بالحرب وتهدد بإفشال أي ترتيبات سياسية لا تضمن عودتهم إلى المشهد.

ثم جاءت الحرب لتدفع السودان إلى واحدة من أكبر الكوارث في تاريخه الحديث، حيث قُتل الآلاف، وتشرد الملايين بين نازح ولاجئ، وفقد المواطنون ممتلكاتهم ومدخراتهم ومصادر رزقهم، بينما تعرضت البنية التحتية ومؤسسات الدولة لدمار واسع ما تزال البلاد تدفع ثمنه حتى اليوم.

في ظل هذه الوقائع، تبدو الدعوات المطالبة بإشراك المؤتمر الوطني وكأنها محاولة لتجاوز مسؤولية سياسية وتاريخية لا يمكن تجاهلها. فالسودانيون الذين خرجوا مطالبين بالتغيير وقدموا التضحيات الجسام من أجل الحرية والسلام والعدالة لا يمكن مطالبتهم بالقبول بإعادة إنتاج التجربة نفسها التي ثاروا ضدها.

إن بناء مستقبل السودان يتطلب استخلاص الدروس من الماضي وعدم تكرار الأخطاء التي قادت البلاد إلى الاستبداد والانقسام والحروب. ولذلك فإن الطريق نحو السلام والاستقرار والديمقراطية لا يمر عبر إعادة المؤتمر الوطني إلى المشهد السياسي، وإنما عبر تأسيس مشروع وطني جديد يقوم على المواطنة والعدالة والديمقراطية وسيادة القانون، ويعبر عن تطلعات السودانيين الذين ما زالوا يحلمون بوطن يسع الجميع ويطوي صفحة الأزمات التي أنهكت البلاد لعقود طويلة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.