أ. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليس أخطر ما يواجهه السودان اليوم هو الحرب في حد ذاتها، فالحروب عرفتها أمم كثيرة عبر التاريخ، وبعضها كان أكثر دموية واتساعاً مما يشهده السودان الآن. وليست الكارثة الكبرى في حجم الدمار أو النزوح أو الخسائر الاقتصادية، على فداحتها جميعاً. إن الخطر الحقيقي يكمن في شيء أعمق من ذلك كله، أن يفقد السودانيون قدرتهم على رؤية ما يجمعهم وسط ضجيج ما يفرقهم، وأن تتحول الأزمة من امتحان عابر للدولة إلى أزمة دائمة في الوعي الوطني نفسه.
فالأمم لا تسقط يوم تهزم جيوشها، بل يوم تفقد إيمانها بذاتها. والدول لا تتفكك فقط عندما تخترق حدودها، وإنما عندما تخترق فكرتها الجامعة، ويصبح أبناؤها أكثر استعداداً للانتماء إلى مشاريع متنازعة من استعدادهم للانتماء إلى وطن واحد. والسودان اليوم يقف أمام لحظة من هذا النوع. لحظة لا تختبر قوة السلاح فقط، بل تختبر قوة الوعي. ولا تمتحن قدرة السياسيين وحدهم، بل تمتحن قدرة المجتمع كله على قراءة ما يجري حوله وما يمكن أن يجري بعد ذلك.
لقد اعتادت الأمم في التاريخ أن تواجه الكوارث الخارجية. لكن الامتحانات الأصعب كانت دائماً تلك التي تفرض عليها أن تسأل نفسها: من نحن؟ وماذا نريد؟ وإلى أين نتجه؟. السودان ليس مجرد دولة تمر بأزمة سياسية أو حرب أهلية أو ضائقة اقتصادية. السودان اليوم أمام امتحان وجودي يتعلق بتاريخه وأرضه وشعبه ومستقبله. فالدول لا تنهار فقط عندما تُهزم جيوشها، وإنما تنهار عندما تفقد نخبها القدرة على التفكير، ويفقد مجتمعها الثقة في نفسه، ويتحول مواطنوها من صناع للتاريخ إلى مجرد متفرجين عليه.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاستسلام لمشاعر الصدمة والإحباط، ولا الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو اجترار الأخطاء. المطلوب هو الانتقال من حالة رد الفعل إلى حالة الفعل، ومن موقع الضحية إلى موقع المسؤولية. فنحن بحاجة إلى وعي استراتيجي جديد. وعي يقرأ الأحداث ولا يكتفي بمشاهدة عناوينها. يقرأ الكلام وما وراء الكلام. يقرأ الصمت وما يخفيه الصمت. ويدرك أن الأمم التي لا تخطط لمستقبلها يصبح مستقبلها موضوعاً لتخطيط الآخرين.
ومن هنا فإن السؤال الذي يواجه السودان اليوم ليس سؤال الحرب وحدها، بل سؤال المعنى: ما السودان الذي نريد أن يبقى بعد أن تنتهي الحرب؟ وما الفكرة الوطنية القادرة على جمع السودانيين بعد كل هذا النزيف؟
لقد تحولت الأزمة السودانية خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح متعددة ومتناقضة. فهناك قوى إقليمية تنظر إلى السودان من زاوية أمنها القومي. وهناك قوى دولية تنظر إليه من زاوية الموقع الجغرافي والموارد والثروات. وهناك مشاريع سياسية مختلفة تحاول أن تجعل من السودان امتداداً لرؤيتها الخاصة. وفي خضم هذا التشابك المعقد أصبح الخطر الأكبر أن يتحول السودانيون أنفسهم إلى أدوات داخل صراعات لا يملكون قرارها الكامل.
وهنا تظهر إحدى الحقائق الكبرى في التاريخ السياسي للأمم: حين تعجز القوى الوطنية عن إنتاج مشروع جامع، تتكفل القوى الخارجية بإنتاج مشاريع بديلة عنها. ولذلك فإن معركة السودان الحقيقية ليست فقط معركة وقف الحرب، وإنما معركة استعادة القرار الوطني المستقل.
ومن أخطر الأوهام التي تقع فيها الأمم في لحظات الأزمات الاعتقاد بأن الزمن يعمل لصالحها تلقائياً. فالتاريخ لا يكافئ المنتظرين، وإنما يكافئ القادرين على المبادرة. والزمن في الفكر النهضوي العربي، كما في كتابات القائد المؤسس ميشيل عفلق، لم يكن مجرد إطار تمر فيه الأحداث، بل كان ميداناً للصراع بين الإرادات. فالأمم التي تدرك لحظتها التاريخية تستطيع أن تحول المحنة إلى بداية جديدة، أما الأمم التي تؤجل قراراتها المصيرية فإن الزمن نفسه يتحول إلى عامل استنزاف ضدها.
ولهذا فإن الحوار الحقيقي مع التاريخ لا يكون بانتظار الفرص، وإنما بصناعتها. فالفرص الكبرى لا تأتي جاهزة على أبواب الشعوب، بل تُنتزع انتزاعاً بالإرادة والوعي والعمل. والسودان اليوم لا يملك ترف الانتظار الطويل، لأن كل يوم إضافي من الحرب يبدد جزءاً من موارده، ويستنزف جزءاً من طاقاته البشرية، ويمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مستقبله. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للوعي الوطني ليست في فهم ما جرى فقط، بل في إدراك أن الزمن نفسه أصبح جزءاً من المعركة.
غير أن استعادة القرار الوطني لا تتحقق بالشعارات، ولا بمجرد التمسك بالمواقف القصوى. فالواقع السوداني اليوم يكشف أن جميع الأطراف دفعت أثماناً باهظة، وأن استمرار الصراع لا يعني سوى مزيد من الاستنزاف للدولة والمجتمع معاً. ولهذا يصبح البحث عن الحد الأدنى من نقاط الالتقاء الوطنية ضرورة وجودية لا خياراً سياسياً.
وفي أوقات الأزمات الكبرى لا تقاس الحكمة السياسية بعدد الشعارات التي ترفع، وإنما بقدرة العقل الوطني على ترتيب الأولويات وفهم الضرورات التاريخية. فليست كل القضايا، مهما كانت عادلة ومهمة، تحتل المرتبة نفسها في لحظة الخطر الوجودي. وعندما تصبح الدولة نفسها مهددة بالتفكك، ويتحول الموت إلى حدث يومي، ويواجه الوطن خطر الاستنزاف والانهيار، فإن الأولوية الوطنية العليا تصبح وقف الحرب وحماية الإنسان والحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها الأساسية. وهذا لا يعني التقليل من أهمية قضايا الديمقراطية أو العدالة أو الإصلاح السياسي أو المحاسبة الوطنية، فهذه كلها قضايا جوهرية لا يمكن بناء مستقبل السودان من دونها. لكن العقل الاستراتيجي يميز دائماً بين الهدف النهائي والمهمة العاجلة. فإطفاء الحريق يسبق إعادة تصميم المنزل. وإنقاذ الدولة يسبق التنافس على إدارتها.
وفي الوقت نفسه فإن وعي الضرورة لا يعني القبول بعودة القوى التي كانت سبباً في إشعال الأزمة أو الاستفادة منها سياسياً. فالحوار الوطني المطلوب لبناء المستقبل لا يمكن أن يكون على حساب المسؤولية التاريخية أو على حساب حق الشعب في حماية وطنه من تكرار المأساة. وإنما المقصود هو أن تدرك القوى الوطنية التي لم تكن جزءاً من صناعة الكارثة أن اللحظة الراهنة تتطلب قدراً أعلى من المسؤولية والتنازل المتبادل والتفكير في المشترك الوطني، لأن الأمم لا تخرج من الحروب الكبرى بالانتصارات الخطابية، وإنما بالخروج من دائرة الموت إلى أفق الدولة والاستقرار وإعادة البناء.
فالوطن لا يبنى على انتصار فريق وإلغاء الآخرين، بل على قدرة الجميع على اكتشاف المساحة المشتركة التي تسمح باستمرار الدولة وحماية المجتمع. إن السياسة في أزمنة الأزمات ليست فن الانتصار الكامل، بل فن المحافظة على ما يمكن إنقاذه. وكثير من الأمم التي نجحت في تجاوز حروبها الأهلية لم تصل إلى ذلك لأنها حسمت كل خلافاتها، وإنما لأنها أدركت أن بقاء الدولة أهم من انتصار أي طرف داخلها. ومن هنا يصبح التنازل الوطني الواعي فضيلة سياسية لا ضعفاً. فالتاريخ لا يخلّد الذين تمسكوا بمواقفهم حتى انهارت أوطانهم، بل يخلّد الذين امتلكوا شجاعة التراجع خطوة من أجل إنقاذ الوطن كله.
إن ما يجري في السودان لا يمكن عزله عن المشهد العربي الأوسع. فالأمة العربية تعيش منذ عقود سلسلة من الأزمات المتشابهة في أدواتها ونتائجها، حيث تتراجع الدولة الوطنية تحت ضغط الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية، وتتحول بعض الأقطار إلى ساحات صراع مفتوحة تتنافس فيها المشاريع الإقليمية والدولية. ومن هذه الزاوية لا تبدو الأزمة السودانية حدثاً معزولاً، بل حلقة من حلقات معركة أوسع تتعلق بمستقبل الدولة الوطنية العربية نفسها، وبقدرة الأمة على حماية وحدتها الاجتماعية واستقلال قرارها السياسي في مواجهة مشاريع التفكيك وإعادة التشكل.
وفي هذا السياق يكتسب البعد القومي العربي والجغرافي الافريقي أهمية خاصة. فالسودان ليس جزيرة معزولة عن محيطه، كما أن استقراره ليس شأناً سودانياً خالصاً. فموقعه الجغرافي، وتاريخه، وعمقه الثقافي والحضاري، يجعله جزءاً من معادلة الأمن القومي العربي بأكملها. وكل اهتزاز يصيب السودان ينعكس بدرجات متفاوتة على المنطقة العربية والافريقية، كما أن أي مشروع للنهوض السوداني لا يمكن عزله عن محيطه العربي والإفريقي.
لكن الفكر القومي، في جوهره، لا يدعو إلى ذوبان الخصوصيات الوطنية، بل إلى حمايتها ضمن إطار أوسع من التعاون والتكامل. فالسودان القوي يضيف إلى الأمة العربية والأمم الافريقية ، والأمة العربية المتماسكة تمنح السودان عمقاً استراتيجياً أكبر في مواجهة الضغوط الخارجية. ولذلك فإن القضية ليست اختياراً بين الوطنية والقومية، وإنما إدراك العلاقة الجدلية بينهما. فالوطنية الحقيقية تحمي الوطن من التفكك، والقومية الحقيقية تحميه من العزلة والتبعية.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من الاصطفافات الحادة، بل مزيداً من الوعي التاريخي. فالوعي هو الذي يسمح للوطن بأن يرى ما وراء اللحظة الراهنة، وأن يدرك أن الحروب تنتهي عاجلاً أم آجلاً، لكن الأوطان التي تهدم في النفوس قد تحتاج عقوداً طويلة لكي تبنى من جديد. ولهذا فإن المهمة الكبرى ليست فقط إنهاء الحرب، بل حماية الفكرة الوطنية نفسها من الانهيار. لأن الأوطان لا تعيش بالجغرافيا وحدها، وإنما تعيش بالإيمان المشترك بجدوى العيش معاً.
إن السودان لا يحتاج فقط إلى اتفاق يوقف الحرب، بل إلى مشروع وطني جامع يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين السياسة والتنمية. فالاتفاقات قد توقف القتال، لكنها لا تبني الأوطان ما لم تستند إلى رؤية مشتركة للمستقبل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في كيفية إنهاء الحرب فقط، وإنما في كيفية بناء السلام على أسس العدالة والمواطنة والتنمية والوحدة الوطنية.
لقد أثبت التاريخ أن الأمم الحية قد تتعثر، وقد تنكسر بعض أجنحتها، لكنها لا تموت ما دامت تحتفظ بإرادة النهوض. والسودان، رغم كل ما أصابه، ما زال يمتلك من الموارد والطاقات البشرية والتاريخ المشترك ما يؤهله لاستعادة عافيته. غير أن الطريق إلى ذلك يبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد، لا مستقبل للسودان إلا بالسودانيين جميعاً، ولا خلاص له عبر المشاريع الخارجية مهما تلونت شعاراتها، ولا نهضة له إلا بقدرته على إنتاج مشروع وطني جامع يجد فيه الجميع مكاناً تحت سقف وطن واحد.
فالسودان اليوم لا يواجه معركة على الأرض فقط، بل معركة على المعنى. ومعارك الأرض قد تُحسم بالقوة، أما معارك المعنى فلا يحسمها إلا الوعي. ولذلك فإن السؤال الذي سيحكم مستقبل السودان ليس من انتصر في الحرب، بل من انتصر لفكرة الوطن. لأن الأوطان لا تضيع حين تخسر معركة، وإنما تضيع حين تفقد الإيمان بنفسها ورسالتها التاريخية.

Leave a Reply