محمد شكري.. (وجوه) في مرايا السرد

صحيفة الهدف

محمد الربيع محمد صالح

عندما نشر الروائي المغربي الراحل محمد شكري روايتيه (الخبز الحافي) و(الشطار)، افتتح لحظة جديدة في الرواية العربية، كانت أشبه بصدمة فتحت عيون الرواة والقرّاء على كابوس أطلق شكري عفاريته، ليزيح ورقة التوت عن “حشمة السرد” الدارجة والمألوفة، حين جعل الجميع يتخبطون مع أبطاله في الحانات والأحياء الفقيرة، يتقدمهم الراوي في الواقع بلا قناع، وفي المجاز داخل العمل الروائي. في تماهٍ جارح وواضح وشرس، لا يقبل المساومة على الجرح ولا تغطية البؤس بأكاذيب الفن، فكانت نصوصه الروائية أقرب إلى الكناية عن الواقع منها إلى أقنعة المجاز.
إلا أن الجرعة العالية من “الفضيحة” و”التوثيق” للوقائع وأرشيف المصائر الخارجة على نواميس المجتمع، جاءت في صيغ فنية رفيعة، تجاوزت به محدودية الواقع والوقائع إلى رحابة الفن.
وفي روايته (وجوه)، الصادرة عن دار الساقي في لبنان عام 2005، واصل محمد شكري بناء نموذجه الروائي الذي يرتكز، بشكل أساسي، على السيرة الذاتية للكاتب، منظومةً في سلك الواقع، ومحمولةً على جماليات المكان (طنجة)، التي شهدت فقره وبؤسه وعلاقاته الإنسانية ومجده الأدبي، وألهمته الكتابة، فتحوّل إلى راوٍ وكشّاف لعلاماتها وأشواق أهلها وهواجس ليلها.
فشكري، في نموذجه السردي، أقرب ما يكون إلى الروائي الأيرلندي جيمس جويس، الذي يوثّق لأسئلة الفن والفنان والوجود من خلال نمو روح الفنان وعقله واستجاباته للزمان والمكان. فالمكان عند شكري هو (طنجة)، وعند جويس هو (دبلن).
وكلا الروائيين يعتمد تيار الوعي في بنائه الجمالي للعمل الروائي، حيث تنثال التفاصيل والحكايات على الورق كما تتداعى في ذهن المبدع، دون كوابح أو أقنعة أو خضوع لـ(التابو).
ومثلما نجد أسماء مثل أرسطو، ويوحنا المعمدان، وسبينوزا، تشكل جزءًا حيويًا من النسيج الروائي لرواية (صورة الفنان في شبابه) لجويس، نجد أسماء مثل جان جينيه، وديلاكروا، وإميل زولا، وستندال وآخرين، يتحركون بحيوية داخل النسيج الروائي عند محمد شكري في (وجوه).
والوجوه التي تعكسها بورتريهات فان غوخ وديلاكروا ودالي على الغلاف هي جزء أصيل من المشهد السردي في الرواية، إذ يصدر أبطالها عن علاقة حيوية مع هؤلاء الرموز من الكتّاب والتشكيليين. ولذلك استهل شكري روايته بمقطع مقتبس من رواية (اسم الوردة) لأمبرتو إيكو، جاء فيه: (قال جيوم لإدسو: لم نؤلّف الكتب لنؤمن بما جاء فيها، ولكن لنتأمّل. فأمام الكتاب يجب ألا نتساءل عما يقول، وإنما عما يريد أن يقول، وهي فكرة كانت واضحة جدًا عند مفسّري الكتب المقدسة القدامى.
يكشف المشهد الاستهلالي للرواية عن التماهي بين صوت المتحدث “الراوي” وشخصية الكاتب والفنان: “عندما تصبح التجربة أقوى من الندم، ينمحي الشعور بالذنب. لن أسعى في هذه التجربة إلى تبرئة نفسي أو إدانتها: أنا والآخرون. فبين الفرح المطلق والحزن المطلق أقف مثل دودة القز. آهٍ من الأجمل الذي أتمناه لك أو لي! قد يكون ما أتمناه لنفسي أقل جمالًا مما أتمناه لكل لعين مثلي. لن أخشى من الغد الكئيب اللعين، سواء كنت مع نفسي أو مع الشيطان. حتى ليل طنجة، الذي كان في الأمس القريب يحتفظ ببعض شبابه وشيء من روح جماله، أصبح اليوم هرمًا مترهلًا قبيحًا وملطّخًا بالبراز. صار وحشيًا ولم يعد يوحي بأي راحة أو اطمئنان. أنا أعرف أنه يتملّص من التهم الموجهة إليه وكل ما هو مشبوه فيه، وأعرف أنه أبو الجرائم وحليفها، ومع ذلك فلن أكون ضده مطلقًا. لن أتنكّر لعشرته القديمة، لأنني مدين له بالكثير في الزمن الذي كان فيه عضدي وحليفي، في زمن العيش القاسي المريب. لن أنكر جميله، لكنني لن أتواطأ معه اليوم في بشاعة جرائمه التي يغتال فيها الأبرياء ولم يتب عنها”.
وبعد ذلك يطلق الكاتب بطلة روايته (فاطي)، الساقية والنديمة والبغي التي تحفظ الأشعار، في فضاء الرواية، ليحدّد المرتكز السردي لعلاقته بهذه المرأة ذات التكوين المعقد: “لم تكن تمتلئ حانة غرناطة بالرواد إلا عندما بدأت فاطي تعمل فيها ساقية. لم يسبق لرواد هذه الحانة وغيرها من الحانات الممسوخة في طنجة أن خدمتهم، في لياقة وغنج، نديمة جميلة شقراء تستشهد في حديثها مع بعض الأميين بالأشعار العربية الكلاسيكية والحديثة بصوتها الناعم النغوم. صاح شرّيب معربد “مربوط” بها: إن عصر الجواري قد عاد، عاشت أمك يا فاطي!..
إن غيرها من النديمات والساقيات والبغايا يلفّقن حديثهنّ بماضيهنّ المليء بالحرمان والهجران، أو بالنميمة المستحبة والمستكرهة عن حياة الزبائن، ببلادة وابتذال. أما فاطي فتستمد ثروة حديثها وإغراءه من الكتب التي تقرؤها بنهم، وإن كانت لا تفهم الكثير منها، لكن طموحها كبير، وبها تقوّي شخصيتها كل يوم. وما يعرفه الفضوليون عنها في طنجة أنها جاءت من العرائش، وهم لا يقلّون عنهن نميمةً وبلاهةً وتفاهة”..

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.