شالو الهنا ورحلوا..

صحيفة الهدف

ندى أوشي

تمر في حياة الإنسان وجوه كثيرة؛ بعضها يعبر كما تعبر ظلال المسافرين على زجاج القطار، وبعضها يستقر في الداخل حتى يصعب التمييز بين ما تركته الأيام فينا وما تركه أولئك الذين مرّوا بها..
نعتاد وجودهم إلى درجة أن أصواتهم تصبح جزءًا من إيقاع أيامنا، وأن وجودهم يبدو أمرًا طبيعيًا كتعاقب الصباح والمساء. ثم يأتي الوقت الذي يكتشف فيه الإنسان أن أكثر الأشياء اعتيادًا هي أكثرها قابلية للفقد.
قال بورخيس ذات مرة إن الذاكرة ليست ما حدث لنا، بل ما قرّرنا أن نبقيه حيًا من الخراب. وكأنّ الإنسان لا يعيش حياته كاملة، بل يعيش اختياراته منها فقط، ويترك الباقي يتساقط بصمت في العتمة..
الوداع لا يحدث في اللحظة التي يغادر فيها الناس. يحدث لاحقًا، حين نلتفت لنروي خبرًا صغيرًا فنكتشف أن الشخص الذي اعتدنا إخباره لم يعد هناك.. يحدث عندما نسمع جملة كان يردّدها أحدهم، أو نمر بمكان احتفظ بملامحه بينما غابت ملامح أصحابه. عندها فقط يبدأ الغياب الحقيقي، لا بوصفه حدثًا وقع وانتهى، بل بوصفه فراغًا يتعلّم القلب الدوران حوله كل يوم.
وفي لحظات متأخرة من الوعي، نفهم ما أشار إليه ريلكه حين قال إن الفقد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلّل كضوء خافت يعيد ترتيب الداخل دون أن نشعر، حتى نصبح أشخاصًا آخرين دون أن نغادر أماكننا.
ومع مرور الوقت لا نستعيد الراحلين كما كانوا تمامًا. فالذاكرة ليست مرآة أمينة، بل فنّانة عجوز تعيد رسم الوجوه على مهل. تحذف بعض التفاصيل، وتخفّف من قسوة بعضها الآخر، وتترك ما كان أكثر التصاقًا بالروح. لذلك لا نتذكّر الحياة كما عشناها، بل كما ترسّبت في أعماقنا. وما نظنه ماضيًا بعيدًا قد يكون في الحقيقة حاضرًا يختبئ في مكان لا تصل إليه الساعات.
ولعل أكثر ما يربك الإنسان أن الأشياء التي بدت عادية في وقتها تصبح أثمن ما يملكه بعد سنوات. نتذكّر الأحاديث التي لم يكن لها موضوع محدّد، والضحكات التي لم نمنحها أهمية، واللقاءات التي غادرناها على عجل ظانين أنها ستتكّرر دائمًا. الزمن لا يسرق اللحظات الكبرى وحدها، بل يكشف متأخرًا قيمة التفاصيل الصغيرة التي مرّت أمامنا صامتة، ثم تحوّلت إلى كنوز لا يمكن استعادتها.
في الفلسفة القديمة كان أفلاطون يلمّح إلى أن الحب شكل من أشكال التذكّر، وكأننا لا نحب ما أمامنا فقط، بل نحب ما يوقظ فينا صورة غائبة كنا نظن أننا نسيناها، لكنها كانت مختبئة في عمقنا تنتظر لحظة استدعاء.
هناك لحظات يعود فيها الماضي دون استئذان. لا يعود في صورة ذكرى كاملة، بل في ومضة خاطفة؛ نبرة صوت تشبه شخصًا غاب، أو رائحة عابرة تفتح بابًا أغلق منذ سنوات، أو ضوء مساء يشبه مساءً قديمًا. فجأة يشعر المرء أن الزمن لم يمضِ كما كان يعتقد، وأن السنوات التي ظنها بعيدة ما زالت جالسة في مكان ما داخله، تنتظر إشارة صغيرة كي تستيقظ.
الحنين ليس رغبة في العودة إلى الماضي بقدر ما هو رغبة في استعادة الإنسان الذي كنّا عليه ونحن نعيش ذلك الماضي. فنحن لا نفتقد الأشخاص وحدهم، بل نفتقد النسخ القديمة من أنفسنا التي رحلت معهم. نفتقد ذلك القلب الذي كان يرى العالم بعين مختلفة، وذلك الأمل الذي كان يفتح الأبواب قبل أن يتعلّم الإنسان كم بابًا يمكن أن يبقى مغلقًا.
ربما كانت هذه هي الحكمة الصامتة التي يتركها الغياب خلفه. فهو يعلّمنا أن العمر لا يقاس بعدد السنوات، بل بعدد الوجوه التي تركت أثرًا في أرواحنا. وأن قيمة البشر لا تتجلى في المدة التي قضوها معنا، بل في المساحة التي شغلوها داخلنا. فهناك من يعبرون سنوات طويلة دون أن يتركوا أثرًا يذكر، وهناك من يكفي حضورهم القصير ليظل صداه ممتدًا ما بقي من العمر.
حين يهدأ ضجيج الأيام وتتراجع أسماء كثيرة إلى أطراف الذاكرة، يبقى القليل.. يبقى أولئك الذين غادروا لكنهم لم يرحلوا تمامًا. أولئك الذين ما زالت لهم مقاعد خفية في القلب، لا يراها أحد سوانا. وحين نظن أننا تجاوزناهم، نفاجأ بأنهم يظهرون في لحظة صمت عابرة، أو في دعاء غير مقصود، أو في ابتسامة تشبه ابتسامتهم.. عندها ندرك أن بعض الناس لا يهزمهم الزمن، لأنهم بعد أن غابوا عن حياتنا، انتقلوا إلى مكان أبعد من الغياب.. إلى الذاكرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.