
مجدي علي
يمثّل الفنان التشكيلي السوري إبراهيم الحسون تجربة تتجاوز حدود السيرة الفنية التقليدية، لتقترب من مفهوم “الذاكرة البصرية” بوصفها مشروعًا مفتوحًا على الزمن والمكان والتحوّلات. فليس الحسون مجرد فنان يشتغل على اللون والخامة، بل هو باحث في أثر البيئة على التخييل، وفي كيفية تحوّل الذاكرة إلى مادة تشكيلية قابلة لإعادة البناء داخل اللوحة.
ولد الحسون في ريف حلب عام 1972، وتكوّنت بداياته الأولى في سياق بصري شديد الصلة بالأرض: الطين، الضوء القاسي، تفاصيل الحياة اليومية البسيطة. هذه العناصر لم تبق خارج عمله الفني، بل تحوّلت تدريجيًا إلى طبقات داخل تجربته التشكيلية، حتى صار استحضارها يتم عبر اللون لا عبر الشكل المباشر، وعبر الإيحاء لا عبر السرد.
تلقّى الحسون تكوينه الأكاديمي في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، حيث تخرّج عام 1995 في قسم التصوير الزيتي، ثم أكمل دبلوم الدراسات العليا في التخصص ذاته عام 1996. لكن هذا المسار الأكاديمي لم يكن انتقالًا من “التقليد” إلى “الحرية” بالمعنى المباشر، بل كان تأسيسًا لوعي بصري قادر على تفكيك القواعد وإعادة تركيبها داخل تجربة شخصية لاحقة.
عمل لاحقًا في التدريس الفني في حلب، وهو ما أضاف إلى تجربته بعدًا آخر، إذ لم يعد الفنان منفصلًا عن أسئلة الجيل الجديد، بل جزءًا من حركة تعليمية تضع الفن في مواجهة الواقع، لا في عزلة الجماليات المغلقة. ثم جاءت محطة الاغتراب في إسطنبول لتفتح طبقة جديدة من التجربة، حيث يتجاور أثر المكان الأول مع صدمات المنفى البصري، ومع الاحتكاك المباشر بمدارس تشكيلية مختلفة. هذا التوتر بين “الأصل” و”المنفى” يبدو حاضرًا في أعماله بوصفه طاقة داخلية لا تهدأ.
لا يقوم أسلوب الحسون على تمثيل الواقع، بل على تفكيكه. فالتجريد لديه ليس قطيعة مع العالم، بل طريقة أخرى لقراءته. تتراجع الأشكال لصالح البنية، وتتحوّل العناصر الطبيعية إلى مساحات لونية متداخلة، لا تبحث عن التشابه بل عن الأثر. هنا يصبح اللون كائنًا مستقلًا، لا يصف الشيء بل يستدعيه بطريقة غير مباشرة.
تقوم تجربته على اشتغال واضح بالوسائط المتعدّدة، حيث لا تُعامل الخامة بوصفها سطحًا محايدًا، بل بوصفها جزءًا من المعنى. فتداخل المواد داخل اللوحة ليس تقنية شكلية، بل محاولة لخلق طبقات حسية تقرّب العمل من ملمس الحياة نفسها، لا من صورتها.
في أعماله، لا يوجد استقرار بصري نهائي. اللون يتغيّر في علاقته بالضوء، والخط يتحول من حدود إلى احتمال، والمساحة تظل مفتوحة على قراءة متعدّدة. لهذا تبدو اللوحة لديه كأنها لحظة غير مكتملة، أو أثر لشيء يحدث أثناء النظر، لا قبله.
هذا الحس يتجلى بوضوح في معرضه (مدن الطين.. ثوب أمي) (القاهرة 2023)، حيث لا تُستعاد البيئة الريفية بوصفها ذكرى نوستالجية، بل بوصفها بنية تشكيلية كاملة. الطين هنا ليس مادة، بل لغة، والبيوت ليست أشكالًا، بل ذاكرة تتكثّف داخل اللون. أما “ثوب الأم” فهو ليس رمزًا مباشرًا، بل أثر حميم يتحوّل إلى بنية بصرية تحمل معنى الانتماء دون أن تشرحه.
وفي معرضه (بي..) (دمشق 2026)، تتخذ التجربة مسارًا أكثر تقشّفًا، حيث يقترب العمل من حالة التأمّل البصري الصافي، وكأنّ الفنان يعيد اختبار علاقته بالمشهد بعد كل هذا التراكم من التجارب. هنا تصبح اللوحة أقرب إلى سؤال مفتوح منها إلى إجابة.
ما يلفت الانتباه في تجربة الحسون ليس فقط تطوّرها التقني، بل قدرتها على تحويل الذاكرة إلى مادة حيّة. فاللوحة ليست إعادة إنتاج للماضي، بل إعادة مساءلة له. ولذلك لا تظهر في أعماله إجابات نهائية، بل حالات من الانفتاح المستمر، حيث يظل المعنى في حالة تشكّل.
حتى في أعماله التي تبدو أكثر تجريدًا، يظل هناك أثر للعالم: ظلّ مكان، إشارة جسد، أو بقايا مشهد لم يكتمل. لكن هذه العناصر لا تُقدَّم بوصفها موضوعًا، بل بوصفها أثرًا بعيدًا داخل بنية اللون.
إبراهيم الحسون، الذي أقام عشرات المعارض الفردية، وشارك في العديد من المعارض الجماعية في مختلف أنحاء العالم، وحاز جوائز محلية ودولية، وتقتني أعماله مجموعات خاصة في عدد كبير من الدول العربية والأجنبية، لا ينتمي إلى جيل يكتفي بتمثيل الواقع، بل إلى جيل يعيد مساءلته عبر أدوات بصرية مفتوحة على الاحتمال والتجريب.
فالفن عند الحسون ليس تثبيتًا للحظة بقدر ما هو تفكيك لها، وليس تسجيلًا للذاكرة كما هي، بل إعادة تشكيل مستمرة لها داخل فضاء اللون والخامة والتحول. ومن هنا تتجاوز تجربته حدود المحاكاة، لتقترب من فعلٍ بصري يعيد إنتاج العالم لا بوصفه صورة نهائية، بل بوصفه سؤالًا مفتوحًا على الدوام.

Leave a Reply