سعيد خطيبي
روائي وكاتب من الجزائر
يطلّ صوت خالد حاج إبراهيم مثل موج يوقظ الليل، ينزلق في الأسماع، ومن الوهلة الأولى يتوهّج العقل في مسايرة الإيقاع، ففي عمق صوته تسكن حكايات من شأنها أن تداوي الألم، أو ترفع من هرمون الأفراح، بل هو صوت يرافق من انكسرت آمالهم ومن خاب سعيهم، وكذلك يرافق من يعلون من سقف الابتهاج، أولئك الذين يبادرون إلى الحياة من غير ضرر.
عندما يهمّ خالد بالغناء فإن صوته لا يتراجع، بل ينطلق إلى الأمام، مثل رصاصة تسير في خطّ لا رجعة فيه، يراوح بين شجن تارة، وتارة أخرى في انشراح، يروي في ألحانه كلمات العابرين، أولئك الذين خاضوا طريقًا لا يعرفون أين تودي بهم، وكذلك المقيمون على التّخوم، الذين يفضّلون المكوث في المكان قبل أن يبرحوا إلى وجهة غير معلومة.
يرخي كلمات الأغاني ثم يشدّها، يقتبس من قصائد الأولين، من شعراء ملأت أناشيدهم الأزقة والحارات، من سجلات شعراء عاشوا حياة من الصعلكة والاستقرار، خبروا تجارب ومشاق العيش، على غرار مصطفى بن إبراهيم وعبد القادر خالدي، لأن الشعر نبض الموسيقى، هو التربة التي تنبت فيها شجرة الفنّ. الشعر مهد، ومن دون الشعراء لم يكن من المحتمل أن يولد صوت خالد حاج إبراهيم، ولا غيره من أجيال أغنية الرّاي، الذين استنبطوا من الكلمة قصيدة، ومن القصيدة أغنية، ومن الأغنية حكاية، ومن الحياة شيّدوا سقفًا لهم وللآخرين، سقفًا يحتمي إليه خالد أو الشاب خالد، كما يطلقون عليه، وهو يصدح بالحبّ والشجن والحنين والهجر والغفران والصمت والعرفان، ممسكًا بحبل يطول من وهران، التي وُلد وكبر فيها، إلى بقاع العالم الأربع.
عندما يقف قبالة الميكروفون تتسع عيناه وتصغر الدنيا في نظره، وترتجف يده ارتجافة قصيرة ثم تعود إلى مكانها. إنها يد ترتجف في خشوع ساعة الغناء، وليست رهبة من جمهور.
يستقيم في وقفته وهو يصوّب عينيه في اتجاه واحد من غير أن يرمش، أو ينحرف ببصره يمينًا أو شمالًا. ينثر كلماته مثل راهب يرتّل الصلاة. ففي الغناء خشوع في احترام الكلمات واحترام من يصغي إليها. ثم ينقضي زمن طفيف من الأداء قبل أن تنفرج شفتاه، فالابتسامة واحدة من صنائع هذا الرجل. هل يوجد أحد لا تسرّه ابتسامة خالد؟ يمكن أن نقابله ومن غير مقدمات يشرع في الابتسام، كما يمكن أن نروي له حدثًا بسيطًا، وهو حدث لا يُضحك ولا يُبكي، لكن خالد يردّ عليه بابتسامة مجلجلة. يولد الإنسان بشفتين ويزرع فيهما خالد حاج إبراهيم الابتسام من دون سؤال. وهذا لا يعني أن حياة خالد يسيرة، وأنه يعيش في ترف ونعيم، بل الابتسام من خصال من يحمل على عاتقه ربوة من الهموم، لأن من يضحك ليس من اتّسع حاله، بل من ضاقت السبل في وجهه.
إن الابتسام وقاية من كدر العيش ومن طول حبل القنوط. فعندما نصّب الشاب خالد نفسه ملكًا في بلاد موسيقى الرّاي، كان يعلم أن عليه أن يعثر على حيطان يتكئ عليها من ضاقت أمورهم، حيطان لأولئك الذين يرجون منه طمأنينة، وأن يرفع من معنوياتهم. وذلك ما قام به هذا المغنّي، عندما جعل من سيرة حياته نصبًا يتظلّل تحته من خابت به الظنون، أولئك الذين خذلهم الحال ولم يفلتوا من ضيق العيش. جعل من صوته صدى لمشقتهم في الحياة، يروي هشاشتهم وصبرهم، يبحث عن مسلك يعيد لهم جدوى الابتسام في زمن علا فيه الشحوب على الوجوه.
غياب يزيده حضورًا
منذ سنين يغيب صوت الشاب خالد، ولا نعرف سوى صدى كلماته من أغانٍ قديمة تأتي من زمن بعيد. لم نسمع له عملًا جديدًا، ولم يصدر ألبومًا، ولم نره في حفل في الجزائر، وهو الذي تعوّدت عليه مسارح البلاد وقاعاتها. لا نراه على شاشة التلفزيون، رغم كثرة الشاشات، ولا نطالع صورته في الصحف، وكأنه قد انطفأ أو يعيش خلف ستار. والحقيقة ليست كذلك، لأن خالد حاج إبراهيم يمكن أن يحضر في مناسبات لا يتوقّعها أحد، في فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، يشتكي مما بلغته الأحوال أو يوزّع ابتسامات. يظهر على مدرجات ملعب يشاهد مباراة، أو في شارع أو في البيت، يظهر في صيغته الأولى كـمواطن، كإنسان عادي لا نجمًا. هل اعتزل الفنّ؟ يبدو الوقت مبكرًا على الاعتزال، وهو الذي حلم بحياة تشبه حياة شارل أزنافور، الذي لم ينقطع عن الغناء إلى غاية التسعين من العمر.
إنّه غياب يزيد صاحبه حضورًا. يتوارى عن الأبصار لكن أغانيه القديمة لا تزال تطنّ في الآذان، وصورته تراود الأذهان، بشاربه الكثّ الداكن وضحكته التي تجلجل في المكان. عندما يختفي مغنّ ويغيب صوته الذي رافق أجيالًا، فمن المنطقي أن يشتعل السؤال: أين هو؟ لماذا بلع لسانه؟ لكن يبدو أن ذاكرة الناس قد أصابها عطب، أو تميل إلى المحو، وقد يكون لغيابه أسباب أخرى لم تطلع إلى السطح. لكنه غياب ثقيل جعل موسيقى الرّاي في الجزائر تراوح مكانها، لا تتقدّم إلى الأمام. وعندما يُمحى صوت مثل صوت الشاب خالد يعود الزمن إلى الوراء، في استحضار سنوات النجم في شبابه، عندما كانت أغانيه ترافق الأعراس والسهرات.
تعوّد المستمعون على أن يغيب بضعة أشهر ثم يعود، لكن هذه المرّة طال صمته، وبات الناس يعودون إلى أعماله القديمة لاستعادته، منتظرين عودته مرّة أخرى، أن يحمل عملًا جديدًا يبدّد قتامة الصمت الطويل.
* روائي وكاتب من الجزائر

Leave a Reply