المونديال: العرس الذي يجمع العالم ويكشف غياب السودان المؤلم

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار

بالتأكيد، فإن بطولة كأس العالم ليست مجرّد منافسة رياضية لتحديد أفضل منتخب في العالم فحسب، بل هي حدث إنساني وثقافي وحضاري تتجاوز آثاره حدود المستطيل الأخضر. فكل أربع سنوات يتحول المونديال إلى مساحة عالمية تلتقي فيها الشعوب والثقافات واللغات المختلفة تحت راية واحدة عنوانها الشغف بكرة القدم.
وعلى اختلاف الألسن والعادات والتقاليد، تظل كرة القدم اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع دون حاجة إلى مترجم. ففي تسعين دقيقة تتوحد مشاعر الملايين بين فرح وترقب وقلق وأمل، وتصبح الكرة جسرًا للتواصل بين البشر مهما تباعدت أوطانهم واختلفت معتقداتهم.
وإذا كانت المباريات هي الوجه الظاهر للبطولة، فإن خلف كل لاعب قصّة كفاح تستحق أن تُروى. فكم من نجم خرج من أحياء فقيرة أو قرى نائية ليصل إلى أكبر مسرح رياضي في العالم، حاملًا أحلام أسرته ووطنه. لذلك لا يقتصر المونديال على تسجيل الأهداف وصناعة الانتصارات، بل يقدم دروسًا ملهمة في الإرادة والصبر والإيمان بالقدرة على تجاوز المستحيل.
لقد أنجبت بطولات كأس العالم شخصيات تحوّلت إلى أيقونات خالدة في الوجدان الإنساني، فتجاوزت شهرتها حدود الرياضة لتصبح جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية. فمن يستطيع أن ينسى أسطورة الأرجنتين مارداونا الذي ألهم الملايين بموهبته الاستثنائية، أو مواطنه ميسي الذي جسّد معنى الإصرار حتى بلغ قمة المجد العالمي؟ كما بقي اسم باولو روسيi محفورًا في ذاكرة البطولة بعد تألقه اللافت في مونديال 1982، شأنه شأن بيليه وبيكنباور وزيدان الذين صنعوا لحظات لا تزال حاضرة في ذاكرة الأجيال. وعلى مقاعد التدريب برزت أسماء صنعت أمجاد منتخباتها، بينما أضفت أصوات المعلقين الرياضيين في مختلف أنحاء العالم نكهة خاصة على المباريات، فتحوّلت بعض العبارات والتعليقات إلى جزء من ذاكرة الجماهير، تمامًا كما تحولت هتافات المشجعين وقرع الطبول والأغنيات الوطنية والأمواج البشرية في المدرجات إلى ملامح ثقافية مميزة لكل أمة مشاركة.
كما يمثّل المونديال نموذجًا راقيًا للتنافس بين الدول. فبدلًا من الصراعات والخلافات، تتواجه الأمم في ميادين الرياضة وفق قواعد عادلة وروح رياضية عالية، لتؤكد أن المنافسة يمكن أن تكون وسيلة للتقارب لا للتنافر، وأن الاحترام المتبادل هو أساس الحضارة الإنسانية.
ومن الزوايا الثقافية المهمة في البطولة أنها تتحوّل إلى معرض عالمي للثقافات والحضارات. فمن خلال الأزياء التقليدية التي يرتديها المشجعون، والأعلام التي تزيّن المدرجات، والأهازيج والأغنيات والرقصات الشعبية وطرق الاحتفال بالنصر وتقبّل الهزيمة، تقدم كل دولة جانبًا من هويتها الثقافية أمام العالم. وحتى المظهر العام للمشجعين وطبيعة تفاعلهم يعكسان قيمًا اجتماعية وثقافية متجذّرة في مجتمعاتهم.
ولم تعد المدرجات مجرد أماكن للمشاهدة، بل أصبحت مسرحًا عالميًا للتعبير الثقافي؛ حيث اشتهرت الجماهير البرازيلية بإيقاعات السامبا، والأرجنتينية بأهازيجها الحماسية المتواصلة، والمكسيكية بالموجات البشرية، والمغربية والعربية بأهازيجها الجماعية وأعلامها الزاهية، فيما عكست الجماهير اليابانية قيمًا حضارية لافتة من خلال تنظيف المدرجات بعد المباريات، في صورة جسدت احترام المكان والمسؤولية الجماعية.
ويلعب البلد المنظّم دورًا محوريًا في إبراز حضارته وثقافته من خلال حسن التنظيم والاستقبال والبنية التحتية والفعاليات المصاحبة، ليصبح المونديال نافذة عالمية للتعريف بتاريخ الأمم ومنجزاتها وقدرتها على إدارة حدث كوني بهذا الحجم. كما أن مستوى التنظيم ورقي التنافس واحترام القوانين والانضباط داخل الملاعب وخارجها يقدّم للعالم صورة حيّة عن تطور المجتمعات وقدرتها على إدارة الاختلاف في إطار من الاحترام والتعاون.
كما تحظى البطولة باهتمام إعلامي استثنائي يجعلها من أكثر الأحداث متابعة على مستوى العالم. وتستغل الجماهير هذه المنصة الضخمة لطرح قضايا شعوبها والتعبير عن تطلعاتها عبر اللافتات والملصقات والشعارات والصور التي تحمل رسائل إنسانية واجتماعية وثقافية تتجاوز حدود الرياضة. وكثيرًا ما تحولت المدرجات إلى مساحة للتضامن مع القضايا العادلة والدعوة إلى السلام ومناهضة العنصرية والتمييز، مما يؤكد أن كرة القدم ليست معزولة عن هموم الإنسان وتطلعاته.
وفي النهاية، يبقى المونديال مناسبة للاحتفاء بالإنسان قبل الكرة، وبالتنوّع قبل المنافسة. غير أن هذا المشهد العالمي يوقظ في نفوسنا حسرة غياب السودان عن هذه المحافل الكبرى، حيث كان يمكن أن يكون حاضرًا بثقافته المتنوعة وتراثه الغني وإنسانه المبدع.
إن الوصول إلى المونديال ليس حلمًا مستحيلًا، لكنه يتطلّب تخطيطًا علميًا، وإدارة رياضية رشيدة، واهتمامًا حقيقيًا بالناشئين والبنية التحتية. فالشعوب لا تحجز مكانها في ذاكرة العالم بالأمنيات وحدها، وإنما بالعمل الجاد والاستثمار في الإنسان.
ولعل الأمل يبقى قائمًا في أن يأتي يوم نرى فيه علم السودان يرفرف بين أعلام العالم، حاملًا رسالة شعب يستحق أن يكون جزءًا من هذا العرس الإنساني الكبير.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.