عماد محمد بابكر
“هناك خلف تلك الجبال البعيدة التي استنفدت طاقته وهو يتسلّق بعضها ويلتف خلف الآخر، تقع إريتريا. ليس ثمة حنين داخله على الإطلاق. كان الحنين يتساقط من روحه مع كل خطوة يخطوها في الاتجاه المقابل. كان يتطهّر بالبعد عن الوادي الأزرق، يُفرغ رصيده من القهر في محاولة العودة إلى روحه قبل أن تلتصق بها النتوءات والندوب”. (حجي جابر/ رغوة سوداء).
بجيل قادر من الروائيين بدأ جمهور السرد التعرّف على الرواية الإريترية التي أثبتت علو كعبها، وخصوصيتها قبل ذلك، ما منحها بعدًا آخر عند المتلقي، ولئن كان الانتشار الكبير حديثًا فإن الرواية الإريترية ليست كذلك.
(ناود) و(رحلة شتاء).. أحاديث البدايات
لا يختلف النقاد والباحثون في أن (رحلة شتاء) أو (صالح) والصادرة عام 1978 هي أول رواية إريترية كتبت باللغة العربية. (رحلة شتاء) كتبها محمد سعيد ناود (1926 – 2010)، والذي يعد من أهم الشخصيات الثقافية في إريتريا لإسهامه الكبير المتنوّع في السرد والشعر والفكر والتاريخ، إضافة لمسيرته النضالية الطويلة، فالرجل من مؤسّسي حركة تحرير إريتريا.
لكن الرواية الإريترية كُتبت بأكثر من لغة، فإضافة للعربية، التي هي مدار التقرير، هناك ما كتب بالتغرينية، وبالرغم من كونهما اللغتين الأساسيتين لكتابة الرواية فإن هناك لغات محلية أخرى. مع تذكر أن بعض أهل الرواية في إريتريا اختاروا الكتابة بلغات أوروبية.
وبالبحث في عموم ما كتب يفيدنا الباحث والقاص الإريتري المقيم في ألمانيا أحمد شيكاي بالقول، “عرفت إريتريا الرواية بشكلها الحديث، والمكتوب بالعربية مع رواية (رحلة شتاء) أو (صالح)، ثم رواية (نوراي) للروائي والقاص أحمد عمر شيخ، ورواية (رائحة السلاح) لأبي بكر كهال. لكن أول رواية إريترية كتبت كانت بالتغرينية واسمها (المجنّد) لقبري يسوس هيلو في عام 1927، وترجمها للإنجليزية البروفيسور قرماي نجاش في عام 1950”. ويضيف شيكاي: “كما أن هناك روائيين إريتريين كتبوا بلغات غير إريترية كالإنجليزية والإيطالية”.
تعدّد اللغات.. اتفاق مواجد واختلاف مزايا
على تعدّد اللغات التي كتبت بها الرواية الإريترية فإن همومها تبقى متشابهة، وتكاد لا تختلف فيما تتناول من قضايا وموضوعات، رغم بعض الفروقات الأخرى التي صنعتها هذه التعدّدية، فكما سبق فإن الرواية المكتوبة بالتغرينية كانت الأقدم، إلا أن الرواية المكتوبة بالعربية الأكثر انتظامًا. وهذا ما يؤكّده الباحث أحمد شيكاي في إفادته المتصلة “يمكن القول إن الانتظام والاشتغال على الرواية الإريترية، وكثافة الإصدار يظهر بشكل واضح في الرواية المكتوبة بالعربية”.
اختلاف لغات كتابة الرواية الإريترية أثّر بطبيعة الحال على الجمهور حتى كاد يصير لكل لغة جمهورها، وفي ذلك يذهب القاصّ والروائي الإريتري المقيم بهولندا مصطفى محمد محمود إلى صعوبة المقارنة بين قرّاء الرواية الإريترية المكتوبة باللغة العربية، ونظيراتها المكتوبة بلغات إريترية أخرى، ويضيف مصطفى “قراء الإبداع العربي أكثر انتشارًا في المهاجر، ويقلون في الداخل الإريتري مقارنة بقراء التغرينية ومنتوجهم الإبداعي”.
ولعل سبب قلّتهم في الداخل موصول بما تواجهه العربية بشكل عام في إريتريا من عوائق عديدة ألقت بظلالها على الإبداع الكتابي الإريتري المكتوب بالعربية. وهذا ما أشار إليه الروائي الإريتري حجّي جابر “برأيي أنّ الرواية العربية الإريترية تواجه أكثر من عائق كونها رواية منافٍ بالدرجة الأساس، فلا تستطيع التمدّد للوطن الأم الذي قرّر قادته مواجهة العربية وكل ما يمت لها بصلة، كما تتحرك ببطء في محيطها العربي كونها تنتمي إلى طرف مُقصى ومعتم”.
من الاستعمار إلى التحرّر في صفحات الرواية
المتابع للرواية الإريترية يجدها ضاجة بقضايا الوطن، وفي مقدمتها الحرب الحاضرة بقوة في المتون، وربما ظهرت في بعض الأحايين في العناوين قبل الإبحار في الرواية. ولعل الارتباط القوي بين بدايات الرواية العربية الإريترية وتنامي الحس الوطني، والتزامن مع حركة التحرّر من أسباب ذلك.
كما أن عددًا من الروائيين الرواد كانوا مناضلين وثوارًا، وهذا ما لاحظه النقاد وتوقف عنده الصحفي أحمد شيكاي، وتحديدًا عند الرواية الأولى (رحلة شتاء) ومؤلفها (ناود) حيث يقول: “محمد سعيد ناود بجانب أنه روائي فهو مؤرّخ، ويشغل التأريخ مساحة كبيرة من اهتمامه، ويضاف إليه أن الرواية هي سيرة ذاتية ممزوجة بالتاريخية”.
ويرصد حجّي جابر مسار الرواية الإريترية المتتبع لأوضاع الوطن: “تسير الرواية الإريترية جنبًا إلى جنب مع الأحوال التي تمر بها البلاد، فحين كان الشاغل هو الاستقلال عالجت الرواية ذلك الهاجس، وحين جاءت الدولة لكن مع خيبة أمل كبيرة انبرى الكتاب لهذه الفكرة، ثم تطرّقت لأوضاع المنافي”.
ويضيف حجّي معلقًا: “هذا أمر جيد من ناحية التصاق الكتابة بهموم الكاتب الأساسية، لكنه من جهة أخرى يُقيّد عموم التجربة ويخفّض من المدى الذي يمكن الوصول إليه. أظن أن هذا رهن فترة التخلُّق، وأن الرواية الإريترية ستتخلّص من عبء مواكبة الوطن إلى فضاء الفن الذي لا يُلغي أو يتصادم مع قضايا البلاد”.
الخروج من القمقم
مع التقارب العالمي بين الروائي والمؤلّف وظهور أصوات قوية فنيًا، بدأت الرواية الإريترية تخرج من الحيز الضيق، وتحوّلت من رواية يعرفها المهتمون فقط لرواية صاحبة جمهور. ساعد في ذلك حصول عدد من كُتّابها على جوائز مهمة، أمثال حجّي جابر الذي فازت روايته (سمراويت) بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2012، كما حصلت روايته (رغوة سوداء) على جائزة كتارا 2019. ويرى جابر أن الرواية الإريترية غدت معروفة في أوساط القرّاء العرب، وحازت جوائز، وتثير فضولًا متزايدًا.
ويرى حجّي أن الرواية الإريترية تحتاج الكثير إلا أنه متفائل في ما يخص مستقبلها، إذ يراها مقبلة على فترات ازدهار، وأن الأمر رهن الوقت والمثابرة آخر المطاف.
تفاؤل حجي المشوب بعلّة حاجة الرواية الإريترية للكثير يشاركه فيه أدباء ومهتمون، ومن هذا الكثير الذي تحتاجه ما يقلق الغالبية حركة النقد التي لا يرونها قريبة من الإبداع و”الثيمات” والموضوعات.
من جهته، يذهب شيكاي في محاولة تشخيص بعض ما يعتري الرواية الإريترية بالقول إن “الاشتغال على “ثيمات” محدّدة منحصرة ما بين تأريخ الحروب والهجرة واللجوء والحنين في مرات قليلة وحركة النقد”، ويضيف شيكاي “الإريتريون يكتبون للآخر، ومع أهمية هذا الأمر، فإن وجود كتابة داخلية مهم أيضًا، لأنها قد تساعد في توطين الكتابة الإبداعية، وتساهم في خلق واقع ثقافي داخلي بمحددات داخلية، عكس الكتابة من الداخل للخارج، وهذا ما يسير عليه الجميع الآن، بما فيهم الشابات والشباب الذين لم يكونوا جزءًا من تجربة التأريخ في حروبها وسلامها”.
البحث عن قارئ
ربما تنعم الرواية الإريترية المكتوبة باللغة العربية بفضاء أوسع من نظيراتها المكتوبة بلغات إريترية أخرى، لكثرة عدد الناطقين باللغة العربية في العالم أولًا، وليسر الترجمة من العربية للغات عالمية أخرى، مما يمنح الرواية الإريترية حظها في الانتشار ومخاطبة الآخر الذي هو جزء من القضية في بعض الأحيان، إضافة لأغراض الترجمة المعروفة.
وربما كانت رواية (تيتانيكات إفريقية) – نسبة إلى سفينة تيتانيك – لأبي بكر كهال مثالًا جيدًا، والتي تعتبرها مترجمتها الأديبة السودانية إشراقة مصطفى من أكثر الروايات العربية التي تناولت قضايا الهجرة القسرية، وبرع فيها أبو بكر كهال بتناوله لهذه القضية الشائكة.
وتوضح إشراقة أنها من المتابعين للرواية الإريترية والأدب الإريتري بشكل عام، وأضافت “الوعي المعرفي المستنير للروائي أبي بكر كهال كان دافعًا أساسيًا لأن أقوم بترجمة هذه الرواية بالتعاون مع الشاعر والمترجم النمساوي كورت سفاتيك، وكم دارت حوارات بيننا أثناء الترجمة”.
وعلى جمال وخصوصية الرواية الإريترية لكن الواضح أنها لم تحظ بعد بقراءات تناسب جودتها وجمالها مع اعترافنا بتمدّدها عربيا مع شيء من العالمية، خاصة مع وجود عدد من روائييها بأوروبا.
صاحب (رغوة سوداء) يختم إفادته بالقول: “وبودي لفت الانتباه إلى ضرورة ألا يكون سقف الكتّاب الإريتريين هو الاقتراب من قرّاء العربية، رفع هذا السقف سيشمل هذا المبتغى ويذهب بالرواية العربية الإريترية لآفاق أبعد”.

Leave a Reply