حجي جابر
روائي وكاتب من ارتيريا
صحوتُ في الوقت، لكن متأخرًا عن أقراني أربعة أعوامٍ وعشرة أيام. هل نمتُ أصلًا؟ أتناولُ إفطاري وعيني على الحقيبة الجلدية الفارغة في زاوية الغرفة. كنتُ قد غفوتُ وهي إلى جانبي، لكن أمي لا يُعجبها ذلك. أرتدي ملابسي، تعقد أمي أزرار “الثوب” بصعوبة، لفرط ما كنتُ أميل بجسدي لأتجاوزها وأُبقي عيني على زاوية الغرفة. تنزل لتشدَّ وثاق حذائي الأبيض، فأعتدل في وقفتي، وقد أصبحتْ الحقيبة في مرمى بصري دون عناء. يُخلى بيني وبينها أخيرًا، فأضمها، ويبدأ المشوار.
كان يمكن لذلك الصباح أن يكون كباقي الصباحات، خاصة وأن تلك التفاصيل جرتْ مرارًا، لولا أنه انتهى بأن امتلأت الحقيبة الجلدية بالكتب أخيرًا.
في النزلة اليمانية، الحي الجنوبي في مدينة جدة، قضيتُ طفولتي المبكرة. هناك تفتح وجداني على جرح الحقيبة الجلدية الفارغة، وهو الجرح الذي حملته معي كل هذه السنوات دون أن يفقد حضوره.
تعود الحكاية إلى منتصف السبعينيات، الفترة التي غادرتُ فيها إريتريا، مصوّع تحديدًا، تحت قصف الطائرات الكوبية واليمنية الجنوبية التي جاءتْ لنجدة إثيوبيا في مواجهتنا نحن العُزّل. قطعتُ البحر الأحمر طفلًا برفقة والدي، على قارب متهالك إلى ضفته الأخرى. كنا محظوظين في الوصول، فيما تاهتْ مراكب أخرى، ولم نعد نعرف عن مصيرها شيئًا.
كان يمكن لذلك الوصول أن يُنهي معاناتنا تمامًا، لولا أن ازدحام اللاجئين على نقطة التسجيل في المرفأ، واستعجالهم ولوج العالم الجديد، أسقط اسمي من كشوفات الوافدين، فدخلتُ دون أن يُقيَّد ذلك رسميًّا. لا أعلم إن كان والداي قد انتبها لذلك حينها. ما أعلمه أنه ما كان ليخطر ببالهما أن تاريخًا من العذاب سيلحق بتلك اللحظة الفائتة.
نشأتُ في النزلة اليمانية دون أوراق ثبوتية. لم أكن أفهم حينها ما علاقة ذلك بتحديد حركتي، وبالحسابات الكثيرة التي كانت تسبق أي مشوار يتطلب وجودي. ما فهمته أنني كنتُ عرضةً لـ”رجال الجوازات” في أي لحظة.
حين بلغتُ السادسة، ظهرتْ مشكلة أخرى؛ فقد تبخّرتْ فرحتي بالحقيبة الجلدية الجديدة، والثوب الأبيض، والحذاء اللامع، حين لم تقبل كل مدارس النزلة اليمانية تسجيلي لديها لأنني لا أملك “إقامة”. أتذكّر كيف طفتُ برفقة أمي بمدرسة سعيد بن جبير، وزيد بن حارثة، وسلمان الفارسي، وعدد آخر من المدارس المسماة بأسماء الصحابة والتابعين. لم يقبلني أحد. الآن أنتبه للمفارقة الطريفة؛ يا الله! حتى مدرسة بلال بن رباح، الذي سبقني من بلادي إلى هذه البلاد، لم تفعل شيئًا مختلفًا.
قاومتْ أمي بأن جعلتْ أول أسبوعين في كل فصل دراسي موسمًا لإزعاج مدراء تلك المدارس بشكل يومي؛ تُلبسني ثوبي الأبيض، وحذائي اللامع، وتعلّق الحقيبة الجلدية الفارغة على ظهري، وتُقسِّم المدارس على أيام الأسبوع، فينال كل مدير يومين أو ثلاثة من الكلام نفسه: لماذا لا تُسجِّل ابني؟ ذنبه في رقبتك. هل يُرضيك ألا يتعلّم كبقية أقرانه؟ وكنا نسمع في البداية كلامًا لطيفًا واعتذارات منمّقة، قبل أن تشتد اللهجة وننتهي إلى طردنا أو تجاهلنا في أفضل الأحوال، خاصة أن ذلك استمر أربعة أعوام، وفي كل عام فصلين، وفي كل فصل أسبوعين.
أما أنا فكانتْ طريقة مقاومتي مختلفة؛ إذ ما إن ينتهي تطوافنا اليومي، حتى أكمنُ لأصحابي في البيت، أطالع من النافذة، حتى إذا بدأتْ طلائعهم الراجعة من المدارس في الظهور، خرجتُ مسرعًا مرتديًا الثوب نفسه، ومتظاهرًا بأني عائد مثلهم للتو. نلعب ساعة تحت لهيب الظهيرة ثم نتفرّق عائدين إلى البيوت. في تلك الساعة، أكون قد مارستُ كل أنواع الأكاذيب والحيل حتى لا ينكشف أمري؛ فأنا أدرس في زيد بن حارثة أمام من يدرس في سعيد بن جبير، أو العكس، وفي سلمان الفارسي أمام من يدرس في إحدى تلك المدرستين.
أتذكّر كيف أمعنتُ في التظاهر مرةً بأن خرجتُ بحقيبتي ووضعتها جانبًا أسوةً بالذين يلعبون قبل عودتهم إلى البيت، لكني قضيتُ الساعة مرعوبًا من فكرة أن يكتشف أحدهم أنها فارغة. لذا لم أعد إلى تلك المجازفة مطلقًا. ومع هذا فلم أكن ناجيًا على الدوام؛ سُئلتُ مرة: كم حصّة لديكم؟ حاولتُ تجنب الإجابة، لكن صاحبها كان شديد الإصرار بحيث أوقف اللعب واسترعى انتباه البقية. مشكلتي الوحيدة مع هذا السؤال كانت أنني لا أعرف معنى “حصة”. وحين لم أجد بدًّا من الإجابة اخترتُ الرقم ثلاثة، وهنا بدا غريبًا كيف أن الجميع يدرسون ست حصص ما عداي. لا أعلم ما إذا كانت تلك هي البداية التي تشكّل فيها شغفي بالسرد واختلاق الحكايات. أقول هذا حتى أخفّف من إحساسي بالذنب أو الحرج، من أن تكون آثامي مبكرة إلى هذا الحد!
بعد مرور عامين، حدث ما اعتقدنا أنه نهاية عذابنا، حين دلّتنا جارة إلى مدرسة مسائية صادف أن مديرها أحد أقربائها، لأكتشف أنها مدرسة لمحو الأمية، أصغر مرتاديها في الثلاثين!
لم يمنع ذلك أن تملأ البهجة بيتنا، فقد امتلأت الحقيبة الجلدية بالكتب أخيرًا. لم نتوقف كثيرًا عند اشتراط المدير أن نجلب الإقامة في غضون شهر، وإلا سيضطر إلى طردي. لا أعلم من أين جاءتْ أمي بكل تلك الثقة وهي تحلفُ له أن الإقامة ستكون على مكتبه قبل ذلك. أما أنا فقد دخلتُ في لعبة جديدة ودورة كذب مرهقة؛ فالتلميذ النهاري الذي يُشارك العائدين ألعابهم، لا ينبغي أن يُرى في المساء وهو يحمل حقيبته صوب مدرسة أخرى. لذا كنتُ أتسلّل ركضًا بين الشوارع والأزقة، أقصد أطولها وتلك التي يغلبُ على ظني خلوها، مع ما يُثيره ذلك من خوف وهلع، خاصة في طريق العودة حين يتأخر الوقت.
ورغم ذلك، لم أفقد يومًا لذة حملي حقيبة ظهر ثقيلة، لا أكف عن تعديل ميلانها وأنا أركض. أسترجع كل ذلك، وأنا أفكّر كيف نُسجتْ علاقتي بشوارع النزلة اليمانية التي تعرّفتُ إليها باكرًا، وأنا أجرب طريقًا جديدًا كلما دفعني القلق إلى ذلك.
في نهاية الشهر، استدعاني المدير ليُبلغني قرار طردي. أتذكر تمامًا كيف كنتُ ساهيًا عن كلامه المتوقع، ومنتظرًا أن يصرفني بحقيبتي الممتلئة، غير أنه طلب إفراغها. وكم كانت المهمة عسيرة. ليته فعل ذلك بنفسه، عوضًا عن أن يجعلني أؤذي نفسي إلى ذلك الحد.
في طريق العودة كنتُ غاضبًا لدرجة أنني سرتُ في الشوارع الرئيسية، وبكل البطء اللازم ليراني أصحابي. لكنني وصلتُ إلى البيت دون أن يلمحني أحد. هل كان كل ذلك الركض والتخفّي عبثًا؟
ما لم أنتبه إليه إلا متأخرًا، أن ذلك الشهر المسائي كان بمثابة تأهيل حتى أكذب في النهار بكل الصدق الممكن. فقد أصبحتُ أعرف معنى سبورة، وطبشور، وفسحة، ومقصف، وقبل كل ذلك، معنى “حصة”. أصبحتُ ممتلئًا بذخيرة تجعلني أستمر في اختلاق حكايات لنهارٍ كامل دون قلق.
حتى أمي، منحها ذلك الشهر الليلي يقينًا بأنها باتتْ قريبة من مرادها أكثر من أي وقت مضى، فعادتْ أكثر شراسة في إزعاجها الصباحي لمدراء المدارس.
حين تحقّقتْ الغاية أخيرًا، بعد أربعة أعوام وعشرة أيام، أصبحتُ أطول الطلاب في الصف الأول بمدرسة سعيد بن جبير. بدا كأن كل الأحلام تحقّقتْ دفعة واحدة، فقد أصبحتُ أغادر وحدي كل صباح إلى مدرستي بحقيبة جلدية ممتلئة، وأعود برفقة أصحابي الجدد، لكن الأصغر سنًّا هذه المرة، لنلعب ساعة في ظهيرة لاهبة.
أما أمي، فمنذ اليوم الأول، ما إن أودعتني فصلي، ذهبتْ من فورها والتحقتْ بمدرسة لمحو الأمية. أصبحنا نجتاز السنوات معًا حتى تخرّجنا في الابتدائية معًا.
كل تلك الأحداث تتداعى إلى ذهني مرة واحدة حين أمر بالنزلة اليمانية. لا أعرف كيف كنتُ سأبدو لو لم أجرّب ذلك الشكل من الحياة. من أنا دون ما طبعه ذلك الحي الجنوبي فيَّ؟ تلك الشوارع؟ كل ذلك الكذب والاحتيال؟ وتلك الحقيبة الجلدية، التي لم تُغادر الحي أيضًا؛ من محلاته اشترتها أمي، وفيه تخلصتْ منها حين اهترأتْ ولم تعد تقوى على حمل الكتب، بعد أن كانت تلك الكتب حلمنا المشترك، كل ليلة، طوال أربعة أعوام وعشرة أيام.
حين أصدرتُ روايتي الأولى سمراويت، مررتُ على هذه الحكاية سريعًا، ثم ندمتُ أني لم أقل كل شيء حينها. الغريب أنني هنا أيضًا، لم أقل كل شيء!

Leave a Reply