راما عبد الله
تُمثل الشاعرة والكاتبة الإريترية فاطمة موسى إحدى الأصوات النسائية البارزة في المشهد الثقافي الإريتري المعاصر، حيث تتقاطع في تجربتها الكتابة مع المنفى، والذاكرة مع الهوية، والموقف الثقافي مع الفعل الحقوقي.
هي كاتبة وأديبة إريترية من مواليد إريتريا، حصلت على بكالوريوس في علوم الحاسب الآلي من جامعة موناش في ملبورن بأستراليا، ومتزوّجة وأم لثلاثة أبناء. عاشت شغف الكتابة منذ سن مبكرة، إذ بدأت كتابة النثر والخواطر وهي في الرابعة عشرة من عمرها.
تنقّلت فاطمة بين عدة فضاءات جغرافية، وعاشت في ألمانيا قرابة 22 عامًا، حيث انخرطت في العمل التطوّعي والاجتماعي، وبرزت كناشطة في قضايا المرأة واللاجئين، وكانت عضوة في اتحاد المرأة الإريترية بأوروبا، وعضوة في المنظمة الإفريقية الألمانية، كما ساهمت في تأسيس مبادرات نسائية في المهجر، من بينها Eritrean Women’s Hub في ملبورن.
وصدر لها عمل شعري بعنوان (هجرة البلانفورد)، وهي أيضًا عضوة مؤسّسة ونائبة سابقة لرئيس اتحاد الكتّاب الإريتريين في المهجر في دورته الأولى، وتنشر كتاباتها في صحف عربية وإفريقية، مع حضور لافت على المنصّات الرقمية. كما كانت عضوة سابقة في منظمة Greenpeaceفي دلالة على امتداد اهتمامها إلى القضايا الإنسانية والبيئية.
المشهد الثقافي الإريتري: من الذاكرة الشفوية إلى النص المكتوب
في إحدى حواراتها المنشورة، تقدّم فاطمة موسى رؤية شاملة للمشهد الثقافي الإريتري، مؤكّدة أن الثقافة هناك لم تبدأ من النص المكتوب، بل من الفلكلور الشفهي الذي شكّل الوعي الجمعي عبر الأجيال.
فالشعر الشفهي، كما تقول، كان يتناقل عبر الجدّات، ويُغنّى بأصوات الربابة، محمّلًا بقصص الكفاح والحنين والبطولة. ومع بدايات الحركة الوطنية ضد الاستعمار الإثيوبي، بدأ الأدب الإريتري يتخذ شكلًا مكتوبًا، ليظهر جيل من المؤسّسين منهم محمد عثمان كجراي، وأحمد سعد، ومحمد سعيد ناود، وزينب ياسين، الذين ربطوا الكتابة بالثورة والهوية.
وترى أن هذا التحوّل جعل الأدب الإريتري يولد من رحم الصراع، محمّلًا منذ البداية بأسئلة الحرّية والوجود.
أدب الثورة والمنفى
تؤكّد فاطمة موسى أن الأدب الإريتري ارتبط طويلًا بثيمة الثورة، لكنه لم يكن خطابًا سياسيًا مباشرًا فقط، بل حمل أيضًا طاقة جمالية وإنسانية.
وتستحضر أسماء مثل: حجي جابر، حامد الناظر، أبو بكر حامد كهّال، عبد القادر مسلّم، محمد موسكر. وترى أن أدب المنفى أضاف بعدًا جديدًا للتجربة، حيث تحوّلت الهجرة القسرية إلى مصدر للكتابة، وظهرت نصوص تتناول الذاكرة، والمعسكرات، والحنين، والانكسار الإنساني.
ومع ذلك، تؤكّد أن النص الإريتري ظل محافظًا على قيمه الجمالية، حيث يمتزج فيه الحنين بالرومانسية، والواقعية بالسرد التوثيقي.
المرأة الإريترية حضور
تمنح فاطمة موسى مساحة مركزية لدور المرأة الإريترية، معتبرة أنها كانت شريكًا حقيقيًا في النضال الثقافي والسياسي. فقد شاركت المرأة في الثورة، وفي التنظيم، وفي الإعلام، وأسهمت في بناء الوعي، كما واصلت حضورها بعد الاستقلال عبر العمل الثقافي والاجتماعي في الداخل والمهجر.
وتشير إلى عدد من الأسماء النسائية في الأدب والإعلام والعمل الحقوقي، مؤكّدة أن المرأة الإريترية اليوم أصبحت فاعلًا أساسيًا في قضايا اللاجئين وحقوق الإنسان والعمل التطوعي في الشتات.
المثقف بين الالتزام والحياد
في رؤيتها الفكرية، ترفض فاطمة موسى الحياد الثقافي السلبي، وترى أن المثقّف الحقيقي يجب أن يكون صاحب موقف، لا مجرد مراقب. وتؤكد أن “الجماهير بحاجة إلى قناديل تُضيء الطريق وتنتشل الشعب من حالة الإحباط والتخبّط”. كما تنتقد حالة الانقسام داخل المعارضة الإريترية في الخارج، معتبرة أن غياب الخطاب الموحّد أفقدها تأثيرها، في وقت تتفاقم فيه قضايا اللاجئين، والتجنيد الإجباري، والانتهاكات الحقوقية.
وترى أن تقاطع الثقافة والسياسة يصبح ضرورة، لا خيارًا، حين يتعلق الأمر بالإنسان وكرامته.
الكتابة بوصفها نجاة وتجربة وجودية
تكتب فاطمة موسى القصيدة النثرية والقصة القصيرة، وتشتغل على ثيمات الحب، والمنفى، والحنين، والمرأة، والوجود الإنساني.
وتؤكّد أن علاقتها بالكتابة بدأت في سن الرابعة عشرة، لكنها تعمّقت في سياق الهجرة الطويلة بين القارات، حيث تحوّلت الكتابة إلى وسيلة لحفظ الذات من التلاشي. وقد شكّل حادث غرق مهاجرين إريتريين عام 2013 نقطة تحوّل، أعادتها إلى الكتابة بوصفها فعلًا أخلاقيًا وإنسانيًا تجاه المأساة.
(هجرة البلانفورد) بين الرمز والذاكرة
في قراءة نقدية لديوان (هجرة البلانفورد)، يُنظر إلى تجربة فاطمة موسى بوصفها كتابة مشبّعة بالرمز والوجدان، حيث يتحوّل طائر البلانفورد إلى استعارة للهجرة الإريترية، بما تحمله من تعب وقلق وجودي. ويشير الناقد إلى أن الديوان يشتغل على ثيمات: الحنين، الغربة، الوجع الجمعي، والأسئلة الوجودية.
كما يبرز البعد الموسيقي في النص، حيث تميل الشاعرة إلى بناء إيقاع داخلي قريب من الغناء الشعبي، مع لغة تجمع بين البساطة والحمولة الرمزية.
وتظهر في نصوصها ثنائية واضحة بين “الوطن المفقود” و”الوطن البديل” وهي ثنائية تعكس تجربة “الجيل الثاني من المنفى”، الذي عاش بين ذاكرة الوطن وحياة الشتات.
ويُلاحظ أيضًا أن خطابها الشعري لا ينفصل عن موقفها الإنساني، حيث تتداخل القصيدة مع خطاب حقوقي واجتماعي واضح، يجعل من الكتابة امتدادًا للفعل الإنساني.
كتابة تضيء العتمة
تتأسّس تجربة فاطمة موسى على فكرة مركزية مفادها أن الكتابة ليست ترفًا جماليًا، بل موقف من العالم. فهي تكتب من موقع المنفى، لكنها لا تستسلم له، وتستحضر الوطن بوصفه ذاكرة حيّة لا تغيب، وتمنح الصوت لمن لا صوت لهم.
وفي هذا السياق، تتحوّل الكتابة عندها إلى “قناديل” فعلًا، لا استعارة فقط، قناديل تحاول أن تضيء طريقًا طويلًا بين الألم والأمل، وبين الغياب ومحاولة الاستعادة المستمرة للمعنى.

Leave a Reply