محمد مدني.. شاعر الثورة وجسر الثقافة بين السودان وإريتريا

صحيفة الهدف

عبد المنعم مختار – حسين محمد حسين

يصعب الحديث عن التداخل الثقافي والأدبي بين السودان وإريتريا دون التوقّف عند تجربة الشاعر والمناضل محمد محمود الشيخ، المعروف باسم محمد مدني، الذي يمثّل نموذجًا فريدًا للمثقّف الذي جمع بين الكلمة والبندقية، وبين الانتماء الوطني والفضاء الثقافي المشترك بين الشعبين السوداني والإريتري.
وُلد محمد مدني عام 1955 بمنطقة حلحل في إريتريا، قبل أن تنتقل أسرته إلى مدينة ود مدني بالسودان، التي ارتبط بها وجدانيًا وثقافيًا حتى أصبحت جزءًا من اسمه الأدبي. وينتمي الشاعر إلى قبيلتي بني عامر والحباب، وهما من القبائل الحدودية المشتركة بين السودان وإريتريا، إلى جانب قبائل أخرى مثل الهدندوة والبازا والرشايدة والتقري، وهي مكونات اجتماعية أسهمت تاريخيًا في بناء جسور التواصل بين البلدين.
شهد السودان، ولا سيما مدن الشرق والخرطوم وود مدني، تفاعلًا واسعًا مع القضية الإريترية منذ اندلاع الثورة ضد الاحتلال الإثيوبي. ولم يكن الدعم سياسيًا وعسكريًا فقط، بل كان ثقافيًا وأدبيًا أيضًا. فقد احتضنت المدن السودانية شعراء وكتابًا وفنانين إريتريين، واحتفت بإبداعاتهم، ومن بينهم الشاعر الراحل محمد عثمان كجراي، والروائي حجي جابر، وعدد من الأصوات التي أسهمت في ترسيخ حضور الثقافة العربية في إريتريا.
ولم يقتصر الحضور الثقافي الإريتري في السودان على الشعر والكتابة فقط، بل امتد إلى المسرح والغناء، اللذين لعبا دورًا مهمًا في دعم الثورة الإريترية وتعريف السودانيين بقضيتها العادلة. فقد شهدت مدن السودان المختلفة عروضًا مسرحية وأمسيات غنائية قدمتها فرق فنية وثقافية إريترية، حملت رسائل النضال والتحرر، وأسهمت في جمع الدعم المعنوي والمادي للثورة. كما وجد الفنانون الإريتريون تفاعلًا كبيرًا من الجمهور السوداني الذي احتفى بإبداعاتهم، فغدت المسارح والمنتديات الثقافية فضاءات مشتركة للتعبير عن آمال الشعبين وتطلعاتهما إلى الحرية والكرامة.
وقد لعب الأدب والفن دورًا محوريًا في مسيرة الثورة الإريترية. فالكلمة كانت وسيلة للتعبئة وبث الوعي وتعزيز روح المقاومة، تمامًا كما كانت البندقية أداة للتحرير. وكان محمد مدني من أبرز الأصوات الشعرية التي رافقت الثورة، مقاتلًا وشاعرًا في آن واحد. كما أسهم في العمل الإعلامي والثقافي للثورة، وشارك في بناء جسور التواصل بين المبدعين السودانيين والإريتريين، مستفيدًا من علاقاته الواسعة في الأوساط الثقافية بالسودان.
وقد عبّر عن غضبه من الخيبات التي أعقبت الاستقلال بقوله:
“أنا غاضب يا رسول
فبعض الحكومات
تختار أن تشترينا بحسن الجوار
وبعض الرفاق يبيعوننا بالحوار.”
كما حمل شعره نزعة نقدية رافضة للاستبداد والانحراف عن أهداف الثورة.
وفي قصيدة أخرى وجّه نقدًا رمزيًا للاستبداد، قائلًا:
“وعباس… عباس
يا أيها الناس
عباس… عباس
صرتم قطيعًا
لهذا رعى.”
ولم يكن غضب محمد مدني موجهًا إلى واقع إريتريا وحده، بل كان تعبيرًا عن رؤية إنسانية أوسع تجاه السلطة والقهر في كل مكان. لذلك جاءت قصائده محملة بالتحذير من إعادة إنتاج الاستبداد حتى بعد انتصار الثورات، ومن أشهر ما يردده القراء من شعره:
“أدوزن أغنيتي التالية
وأرفض
أن نكتفي
بالرصيف
تابعوا ما شئتم
أو طاعوا من خفتم
فالزاحفون إلى الفجيعة
أنتم
فقط افهموا
أن
لا وثيقة أو وثاق
ولا حقيقة أو نفاق
يخفي عن الأطفال عورة
من دفنتم من رفاق.”
وتكشف هذه الأبيات عن وعي عميق بمفارقات التاريخ؛ فالثورات، في نظر الشاعر، لا تحقق أهدافها بمجرد إسقاط الطغاة، وإنما بترسيخ قيم الحرية والعدالة وصيانة كرامة الإنسان.
أما تجربة المنفى والاغتراب التي عاشها بعد مغادرته إريتريا، فقد انعكست بوضوح في قصائده، ومن ذلك قوله مخاطبًا ابنه يسار:
“من لنا غيرنا يا يسار
من لنا غير أن نحتمي بالجدار؟
ظهرنا للصقه
صدرنا نحو نار.”
لقد أثبتت التجربة الإريترية أن الثقافة ليست ترفًا، بل شريكًا أساسيًا في صناعة التاريخ. فالشعراء والكتاب والفنانون كانوا جزءًا من مشروع التحرر الوطني، وأسهموا في حفظ الذاكرة الجماعية وصياغة الوعي الوطني، تمامًا كما أسهم المقاتلون في ميادين القتال.
واليوم، وبعد عقود من النضال المشترك والتواصل الإنساني، يبقى الأدب والفن والثقافة من أهم الجسور التي تربط الشعبين السوداني والإريتري. فالعلاقات التي صنعتها الجغرافيا والتاريخ والوجدان المشترك تستطيع الثقافة أن تحافظ عليها وتطورها، لأن الكلمة الصادقة أكثر بقاءً من السياسة، ولأن المبدعين يظلون سفراء للمحبة والتفاهم بين الشعوب. وما أحوج السودان وإريتريا اليوم إلى استلهام هذا الإرث الثقافي المشترك لبناء مستقبل أكثر تعاونًا وتواصلًا، تُسهم فيه القصيدة والرواية والأغنية والمسرحية في ترسيخ قيم الحرية والإنسانية وحسن الجوار، وتؤكد أن ما جمعه التاريخ والثقافة لا يمكن أن تفرقه الحدود.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.