فض الاعتصام… الجرح الذي لم يندمل

صحيفة الهدف

د. محمد عبد الله

تمر علينا اليوم الذكرى السابعة لجريمة فض اعتصام القيادة العامة في الثالث من يونيو 2019، تلك الليلة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة السودانية بكل ما حملته من ألم وأسئلة لم تجد إجاباتها حتى الآن. سبع سنوات مضت، لكن الجرح ما زال مفتوحاً؛ لأن الحقيقة لم تُستكمل فصولها، ولأن العدالة التي انتظرها السودانيون لم تصل بعد إلى غاياتها المنشودة.

لم يكن الاعتصام مجرد تجمع سياسي عابر، بل كان التعبير الأبرز عن أحلام جيل كامل خرج مطالباً بالحرية والسلام والعدالة بعد عقود طويلة من الاستبداد. ولذلك جاء فضه بالقوة حدثاً مفصلياً في تاريخ السودان الحديث، لا بسبب عدد الضحايا والانتهاكات التي رافقته فحسب، وإنما لأنه شكل نقطة انعطاف حادة في مسار الانتقال السياسي الذي كان السودانيون يأملون أن يقود بلادهم إلى عهد جديد.

ومن بين التصريحات التي ظلت عالقة في الأذهان، ذلك التصريح الشهير للفريق شمس الدين كباشي، الذي قال فيه إن القوات كانت تستهدف منطقة (كولومبيا)، ثم ختم حديثه بالعبارة التي تحولت إلى عنوان للجدل والغضب: (حدث ما حدث). وقد اعتبر كثيرون هذا التصريح إقراراً بوجود عملية أمنية انتهت إلى نتائج كارثية تجاوزت ما أُعلن عنها من أهداف. فحتى في أكثر الأوضاع الأمنية تعقيداً، كان من الممكن التعامل مع أي تحديات قائمة بوسائل أقل عنفاً وأكثر احتراماً لحق المعتصمين السلميين في التعبير والتجمع.

وفي الاتجاه نفسه، جاءت إفادات الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مقابلة مع صحيفة (الإندبندنت) في مايو 2020، حين وصف ما جرى بأنه (انقلاب مكتمل الأركان)، وقال إنه اعتقل نحو مائتي فرد من قواته ينتمون إلى النظام السابق والحركة الإسلامية، بينهم ضباط برتب رفيعة. كما نفى مسؤوليته عن عملية الفض، مؤكداً أنه كان معارضاً لها منذ البداية.

لكن ما يضاعف من مرارة الذكرى أن السنوات التي أعقبت المجزرة لم تشهد إعلان نتائج نهائية وحاسمة للتحقيقات على النحو الذي يحقق العدالة لأسر الضحايا ولالشعب السوداني. فقد تحدثت تقارير وشهادات عديدة عن انتهاكات جسيمة شملت القـ.ـتل والتعذيب والعنف الجنسي والإخفاء القسري وإلقاء الجثث في النيل، ومع ذلك ظل ملف العدالة معلقاً، الأمر الذي عمّق الشكوك وأضعف الثقة في قدرة المؤسسات الرسمية على محاسبة المسؤولين ومساءلتهم.

لقد كشف فض الاعتصام عن أزمة أعمق من مجرد خلاف سياسي عابر؛ فقد أظهر هشاشة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، ورسّخ لدى قطاعات واسعة من السودانيين قناعة بأن بناء دولة القانون لا يمكن أن يتحقق من دون خضوع جميع مؤسسات الدولة للمساءلة والرقابة الديمقراطية. ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد الحديث عن الانتقال الديمقراطي في السودان ممكناً من دون استحضار تلك اللحظة الفاصلة التي أعادت طرح الأسئلة الكبرى حول السلطة والعدالة وحدود استخدام القوة في مواجهة المواطنين.

وربما كان أهم ما تكشفه الذكرى اليوم أن الزمن لم ينجح في إطفاء جذوة المطالبة بالحقيقة. فالشعوب قد تنشغل بأعبائها اليومية، وقد تثقلها الأزمات والحـ.ـروب، لكنها لا تنسى محطاتها المفصلية بسهولة. ولهذا فإن إحياء ذكرى الشهداء لا ينبغي أن يُفهم بوصفه استدعاءً للماضي، بل باعتباره تأكيداً متجدداً على أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن حقوق الضحايا تظل قائمة ما دامت الحقيقة لم تُكشف كاملة وما دامت المساءلة لم تتحقق.

لقد أراد السودانيون من ثورتهم أن تفتح باباً نحو المستقبل، لكن مجزرة فض الاعتصام بقيت تذكيراً دائماً بكلفة هذا الطريق وصعوبته. وبينما تتجدد الذكرى عاماً بعد عام، يبقى الوفاء الحقيقي للشهداء في الإصرار على بناء وطن لا تتكرر فيه مثل هذه المآسي، وطن تحكمه المؤسسات والقانون، ويكون فيه الحق في الحياة والكرامة والحرية مصوناً لا يُنتزع بالقوة.

رحم الله شهداء السودان، وألهم أسرهم الصبر، وجعل من ذكراهم دافعاً متجدداً للتمسك بقيم الحرية والسلام والعدالة التي خرجوا من أجلها، ودفعوا أثمن الأثمان في سبيلها.

#صحيفة_الهدف #السودان #مجزرة_فض_الاعتصام #حدث_ما_حدث #3_يونيو #شهداء_القيادة_العامة #العدالة_الانتقالية #الوعي_الثوري #تفكيك_التمكين #الردة_مستحيلة #ثورة_ديسمبر #لا_للحرب #الخرطوم #حقوق_الشهداء #د_محمد_عبدالله #أمة_عربية_واحدة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.