حاجه فضل كرنديس
في وقتٍ بلغت فيه المأساة السودانية ذروتها، وتحولت فيه الأرض التي أنبتت ثورة ديسمبر المجيدة إلى ساحة لأكبر أزمة نزوح بشري في العالم المعاصر، يبرق الآن من وسط هذا الركام وميض أمل يرفض الانطفاء. إن البيان الختامي لقوى إعلان المبادئ السوداني (سما) نحو بناء وطن جديد، المنعقد بنيروبي في مايو 22 – 23، 2026، لا يمثل مجرد بيان سياسي عابر، بل هو وثيقة تاريخية وتحول نوعي شجاع لانتشال السودان من هاوية التفتت والدمار.
لقد جاء هذا اللقاء ليؤكد للقاصي والداني أن المركب السوداني لن يغرق، وأن الإرادة الوطنية قادرة على صياغة مشروع بديل يتجاوز منطق البنادق والمساومات الفوقية ليضع الحجر الأساس لدولة المواطنة والعدالة.
الأهمية القصوى لهذا الاجتماع تكمن في تجاوزه لمربع التشخيص والبكاء على الأطلال، والانتقال الفوري إلى مربع (مأسسة الحل)؛ إن إجازة وتوقيع القوى المجتمعة على ميثاق قوى إعلان المبادئ وخارطة طريق وقف وإنهاء الـ ح.رب تعكس نضجاً سياسياً استثنائياً، حيث لم تعد الحلول تُطرح كشعارات، بل جرى صياغتها في شكل التزامات وبنود استراتيجية صارمة جرى الاتفاق عليها بالإجماع.
مرتكزات ومسارات وثيقة نيروبي:
-
أولاً: التطوير الهيكلي للمبادئ: اعتماد وتطوير إعلان مبادئ نيروبي (ديسمبر 2025) ليصبح ميثاقاً وطنياً شاملاً يربط قضايا الهوية الوطنية بإصلاح الدولة وإعادة هيكلتها.
-
ثانياً: التزامن في مسارات الإنهاء: التوقيع على آلية تنفيذية تدمج ثلاثة مسارات متزامنة لا تنفصل (العملية الإنسانية العاجلة ورفع الحصار عن المدن، ووقف إطلاق النار المؤقت ثم النهائي، وبدء العملية السياسية المدنية).
-
ثالثاً: تفكيك واجهات العهد البائد: حيث تم الاتفاق الصارم على عدم مكافأة أو إشراك المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية وواجهاتهما في أي عملية سياسية مستقبلية، ومحاسبتهم سياسياً وجنائياً على إشعال الـ ح.رب وتدمير مقدرات البلاد.
-
رابعاً: توحيد المنابر الدولية: وذلك بالرفض المطلق لمنهج تسوّق الشتات والمنابر المتعددة، والاتفاق على حصر الوساطة الخارجية في منبر واحد موحد يستند إلى خارطة طريق الرباعية الصادرة في سبتمبر 2025.
لقد أصابت قوى إعلان المبادئ السودانية (سما) كبد الحقيقة عندما وضعت شرط المصداقية والملكية الوطنية الخالصة كركيزة أساسية لأي عملية سياسية مقبلة؛ فالأزمة السودانية لم تعد تحتمل التسويات الفوقية الهشة أو المصالحات الزائفة التي تُقسّم كعكة السلطة بين أمراء الـ ح.رب. وقد علم الجميع بعد تجربة الـ ح.رب المدمرة هذه، أن أي عملية سياسية لا تفضي إلى جيش وطني واحد وموحد تذوب فيه كافة المليشيات، ولا تحاسب من أشعلوا هذه الـ ح.رب هي عملية محكوم عليها بالفشل ولن تنتج سوى ح.رب أخرى.
لذا، نصّت البنود الموقعة بوضوح على أن المخرج النهائي للاستقرار مشروط بإقرار دستور انتقالي جديد، وتأسيس اتفاق سلام نهائي شامل، وبناء منظومة أمنية وعسكرية وطنية موحدة ومحترفة، تخضع للسلطة المدنية وتنهي للأبد عهد تعدد الجيوش ومراكز القوى المسلحة.
الحفاظ على وحدة الأرض هو الرد الحاسم على دعاة التشظي
في ظل تصاعد خطابات الكراهية والنعرات القبلية والمناطقية الخبيثة التي يوظفها أطراف الصراع لتفتيت النسيج الاجتماعي، جاء موقف القوى المجتمعة حاسماً ومزلزلاً في بنوده؛ وحدة السودان شعباً وأرضاً وسيادةً كاملة على مجاله الجوي والبحري وموارده وثرواته هي ثابت راسخ لا تجوز المساومة عليه ولا يقبل المناورة.
لقد أثبت الموقعون وعياً عميقاً بدرس التاريخ القاسي المتمثل في خسارة جنوب السودان، موجهين صفعة قوية لكل المشاريع التفكيكية، ومؤكدين أن التنوع الإثني والثقافي هو كنز تاريخي تتباهى به الأجيال، وأن تجريم خطاب الكراهية وملاحقة مروجيه قضائياً وقانونياً بات ضرورة لحماية الأمن القومي السوداني.
الجبهة المدنية العريضة فرض عين والكتلة الثالثة
إن توصيف العمل المدني المشترك في هذه المرحلة بـ (فرض العين) هو أدق تعبير عن فداحة الموقف؛ فالوطن يحترق، والخلافات النخبوية الفرعية ترف لا يملكه أحد، ولترجمة هذا الفرض إلى واقع تم التوقيع على بنود تخص آليات التوسع الجماهيري:
-
بناء الكتلة الثالثة: تدشين جبهة مدنية واسعة ومقاومة سلمية لمناهضة الـ ح.رب تلاحق أطراف الصراع سياسياً وإعلامياً ودبلوماسياً.
-
الانفتاح والتكامل: التأكيد على أن القوى الموقعة ليست نادياً سياسياً مغلقاً بل هي مظلة مرنة استعرضت بالفعل طلبات الانضمام الجديدة عبر لجانها التحضيرية وفق معايير واضحة تضمن استمرار روح ثورة ديسمبر.
-
تفعيل الدبلوماسية الشعبية: توجيه نداءات واضحة للقوى الإقليمية والدولية للوقوف مع خيارات الشعب السوداني ودعم صموده الإنساني بدلاً من الانجرار خلف شرعنة سلطات الأمر الواقع الناتجة عن فوهات البنادق.
إن قوى إعلان المبادئ السوداني (سما) ببيانها وبنودها الموقعة في مايو 2026، لا تقدم مجرد بديل سياسي بل تهدي الشعب السوداني والمجتمع الدولي وثيقة إنقاذ ناضجة ومحترمة وقابلة للتطبيق. لقد كُتِبت هذه البنود بمداد من المسؤولية الوطنية التاريخية لتقول للجميع إن السودان لن يموت، وأن فجر الحرية والسلام والعدالة — رغم عتمة المدافع والمسيرات — قد باتت له منارة تهدي السائرين نحو وطن جديد يستحقه هذا الشعب العظيم.

Leave a Reply