مجدي علي
في الخامس عشر من مايو من كل عام، يستعيد الفلسطينيون والعرب ذكرى النكبة؛ تلك اللحظة التي انكسرت فيها فلسطين تحت وطأة الاقتلاع والتهجير سنة 1948، بالتزامن مع إعلان قيام ما يُسمّى بدولة “إسرائيل” وانتهاء الانتداب البريطاني على الأرض الفلسطينية..
لكنّ النكبة، بعد كل هذه العقود، لم تَعُد مجرّد ذكرى تاريخية، بل صارت جرحًا مفتوحًا في الوعي العربي، وندبةً طويلة في ذاكرة شعبٍ لم يُغادر وطنه حتى وهو بعيدٌ عنه.
في هذا اليوم، لا يعود الفلسطيني إلى التاريخ، بل يعود التاريخ إليه..
يفتح جرحه القديم على بيتٍ هُدم منذ ثمانية وسبعين عامًا، لكنه ما زال مأهولًا بالخُطى ورائحة الخبز وأصوات الأمهات.
ليست النكبة حدثًا مضى، بل إقامةٌ طويلة داخل الفقد، منذ خرج الناس من قراهم ومدنهم حاملين مفاتيح بيوتهم، وهم يظنّون أنّ الغياب لن يطول أكثر من ليلة. لكنّ الليل طال حتى صار عمرًا كاملًا.
في نكبة 1948، هُجِّر أكثر من سبعمائة ألف فلسطيني، ودُمِّرت مئات القرى والبلدات، وتحولت أسماء مثل يافا وحيفا واللد ودير ياسين إلى مرادفاتٍ للمنفى والاقتلاع. ومنذ ذلك الوقت، لم يَعُد الوطن مكانًا فقط، بل ذاكرةً تسكن اللغة.
كان البيت هناك، كاملًا، ثم صار فكرةً وذكرى.
كان الناس في أماكنهم، ثم صاروا في الطريق نفسه إلى ما لا اسم له.
لم يكن الخروج عبورًا عابرًا، بل اقتلاعًا من المعنى قبل المكان. ومنذ تلك اللحظة، لم يَعُد الفلسطيني يبحث عن وطنٍ فقط، بل عن طريقةٍ لكي يمنع الوطن من الموت داخله.
وحين عجزت السياسة عن ترميم ما تهدَّم، حمل الأدب هذا العبء الثقيل.
تحوَّلت القصيدة إلى مأوى، والأغنية إلى ذاكرة، والرواية إلى محاولةٍ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعنى.. هكذا وُلد الأدب الفلسطيني من قلب الفقد، بوصفه ضرورةً من ضرورات البقاء.
لم يكن الشعر الفلسطيني تمرينًا على البلاغة، بل محاولةً لترميم العالم بالكلمات بعدما تهشَّم بالحرب والاقتلاع. وحين كتب الشعراء اسم (فلسطين)، لم يكتبوها خريطةً فقط، بل أمًّا بعيدة، وخبزًا يابسًا يأكله المنفيُّ كي لا ينسى طعم الطفولة.
في القصيدة الفلسطينية، لا يظهر الزيتون مجرّد شجرة، بل سلالةً من الصبر. ولا يبدو البرتقال ثمرة، بل فردوسًا صغيرًا اقتُلِع من الساحل وترك رائحته معلَّقةً في الهواء.. حتى القرى المدمَّرة لم تمت تمامًا، لأنّ الشعر أعاد بناءها حجرًا حجرًا، وجعل أسماءها تمشي بين الناس كأنها لم تُغادر الخرائط أبدًا.. هكذا تحوَّلت اللغة إلى وطنٍ بديل.
كل قصيدة كانت محاولةً لتأجيل السقوط النهائي في العدم. وكل أغنية كانت طريقًا سرِّيَّة يعود عبرها اللاجئون إلى بلادهم وهم جالسون في المنافي البعيدة.
حين غنّى الفلسطيني، لم يكن يُغنّي للحب فقط، بل كان ينادي مدنه بأسمائها كي لا تبهت. كان يخاف على يافا من النسيان، وعلى حيفا من الصمت، وعلى القدس من أن تتحوَّل إلى خبرٍ سياسي بارد.
لذلك بقيت القصيدة والأغنية الفلسطينية كلها مشبّعةً برائحة التراب، كأنّ الصوت نفسه قادمٌ من تلال الجليل أو من بحر غزّة.
في الفن التشكيلي، لم يرسم الفلسطيني الأشياء كما هي، بل كما يخاف أن يفقدها. المرأة في اللوحة الفلسطينية ليست امرأةً فقط؛ إنها الأرض حين ترتدي ثوبًا مُطرَّزًا. والمفتاح ليس معدنًا صدئًا؛ إنّه الفكرة الأخيرة التي بقيت للاجئ كي يُثبت أنّ البيت كان موجودًا يومًا ما. أمّا الصبّار، الذي نما على أنقاض القرى، فقد صار شاهدًا أخضر على مجزرةٍ طويلة، وعلى قدرة الحياة أن تخرج حتى من الخراب.
لم يكن الأدب الفلسطيني مجرّد أدب مقاومة، بل أدب نجاة.. نجاة الروح من المحو، ونجاة الذاكرة من التآكل، ونجاة الإنسان من التحوُّل إلى رقمٍ في نشرات الأخبار.
لقد فهم الفلسطيني مبكرًا أنّ الاحتلال لا يسرق الأرض وحدها، بل يسرق الرواية أيضًا. لذلك كتب كثيرًا، وغنّى كثيرًا، ورسم كثيرًا، كأنّ الإبداع شكلٌ آخر من أشكال الدفاع عن الوجود.
فالذين فقدوا القرى، بنوا في اللغة قرًى لا تُقصَف، والذين ضاعت مفاتيح بيوتهم في المنافي، فتحوا بالكلمات أبوابًا أخرى للعودة.
في كل ذكرى للنكبة، لا يبدو الأدب والفن الفلسطيني أرشيفًا للحزن فقط، بل أرشيفًا للحياة أيضًا. فالفلسطيني، رغم كل هذا الخراب، لم يتوقَّف عن كتابة الحب، وعن تعليم أطفاله أسماء القرى التي لم يروها قط. كأنّ المعنى العميق لفلسطين ليس أن تملك الأرض فقط، بل أن تبقى قادرًا على تخيُّلها، وعلى حمايتها داخل القلب من الموت.
لكنّ هذا الجرح لم يبقَ جرح الفلسطيني وحده. منذ النكبة في مايو 1948، صار وجعًا عربيًا طويلًا.
وما حدث ويحدث في السودان يجعلنا نُدرك أنّ مرارة الفقد ليست ألمًا يُطاق.
الحرب هناك أيضًا لم تسرق البيوت وحدها، بل سرقت الطمأنينة نفسها، ودفعت الناس إلى المنافي والنزوح، وإلى حمل حياتهم على عجل كما لو أنّهم يهربون من انهيار العالم.
صحيح أنّ التاريخ مختلف، وأنّ الأسباب ليست واحدة، لكنّ طعم الاقتلاع واحد، وطعم المنفى لا يختلف..
الفقد مُرّ، والمنفى أكثر مرارةً ممّا تستطيع اللغة أن تقوله..
وربما كان السؤال الأكثر قسوة بعد كل هذه العقود من الدم والتيه: إلى متى تظل هذه الأمّة تمشي بين هزائمها كأنّها قدرٌ أبدي؟
الأمم لا تموت حين تُهزم فقط، بل حين تعتاد هزيمتها، وحين يصبح الخراب جزءًا مألوفًا من يومها العادي.
لهذا لا تبدو النكبة، بعد ثمانية وسبعين عامًا، مأساة فلسطين وحدها، بل مرآةً لوهدةٍ عربية طويلة، لم تستفق منها أرواحنا بعد..

Leave a Reply