التشكيلي عماد جواد.. “الواقعية المشحونة بالإحساس”

صحيفة الهدف

مجدي علي
في الفن التشكيلي، لا تبدو الواقعية مجرد نقلٍ فوتوغرافي للمشهد، بل تتحوّل، لدى بعض الفنانين، إلى وسيلة لاستنطاق الذاكرة، وإعادة بناء العالم عبر اللون والخط والضوء. ومن بين هؤلاء يبرز الفنان التشكيلي العراقي عماد جواد طعمية، المعروف بالاسم الفني عماد الساعدي، الذي استطاع أن يصنع لنفسه تجربة خاصة تمزج بين الحس الانطباعي، والدقّة الواقعية، والروح الشرقية المشبعة بالتفاصيل.

 
ولد عماد جواد في بغداد عام 1973، ويشغل حاليًا منصب عضو في الهيئة الإدارية في الجمعية العراقية للتصوير، ومسؤول الدورات فيها بصفة مصوّر تلفزيوني. كما حصل على عدد من شهادات المشاركة في محافل فوتوغرافية، وكتب شكر من الجامعة العراقية في مجال التصوير، إلى جانب إقامته دورات متعدّدة في فن التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، ما يعكس اشتغاله المهني في الصورة البصرية، وليس فقط في التشكيل.
هذا التداخل بين الرسم والتصوير منح تجربته قدرة واضحة على التعامل مع المشهد بوصفه “لقطة” قابلة لإعادة التكوين، حيث لا يرسم الأشياء كأشكال جامدة، بل ككائنات بصرية تتحرك داخل فضاء اللوحة عبر الضوء والظل واللون. ومن هنا يمكن فهم حضوره الفني بوصفه امتدادًا لعلاقة وثيقة بين العين الكاميرا واليد الرسّامة.
من يتأمّل أعماله يلاحظ أن الواقعية لديه ليست استنساخًا مباشرًا للطبيعة، بل محاولة للإمساك بما هو أعمق من ظاهرها؛ أي الخطوط غير المرئية التي تحدث عنها في رؤيته، والتي يسعى إلى كشفها داخل البناء التشكيلي. لذلك تبدو شخوصه ومشاهدُه اليومية وكأنها مأخوذة من لحظة واقفة بين الماضي والحاضر، لكنها تظل نابضة بالحركة.
ويظهر في أعماله حضور قوي للبيئة العراقية بمفرداتها اليومية: الأسواق، الوجوه، الحركة الشعبية، الأزياء التقليدية، والملامح الاجتماعية التي تعكس حياة الناس. وهذه العناصر لا تُقدَّم بوصفها موضوعات توثيقية فقط، بل تتحول إلى بنية دلالية داخل اللوحة، حيث يصبح المشهد اليومي مساحة للتأمل في الزمن والإنسان والذاكرة.
كما تتجلى في تجربته صلة واضحة بفضاءات المدن ذات الطابع التراثي والحركي، ومنها كربلاء، ليس بوصفها موضوعًا مباشرًا دائمًا، بل بوصفها جزءًا من البيئة البصرية التي تتشكّل فيها أعماله، خاصة في ما يتعلق بكثافة المشهد الإنساني، وتعدد التفاصيل، وثراء الحركة اليومية، وهي عناصر تنسجم مع اهتمامه العام بتوثيق الواقع وتحويله إلى صورة تشكيلية.
وتقوم تجربة عماد الساعدي على توازن لافت بين الانطباعية والواقعية؛ فهو ينطلق من المشهد الواقعي، لكنه يعيد صياغته عبر اللون وضربات الفرشاة وحس الضوء، ليخلق حالة بصرية معلقة بين التوثيق والتأويل. لذلك تبدو لوحاته أقرب إلى “الواقعية المشحونة بالإحساس”، حيث لا يكتفي المتلقي برؤية المكان، بل يشعر به أيضًا.
إن اشتغاله في التصوير التلفزيوني والفوتوغرافي ينعكس بوضوح على بنية لوحاته، إذ يظهر الحس السينمائي في توزيع الكتل البصرية، والتقاط اللحظة، وبناء العمق داخل المشهد. ومع ذلك، لا تقع أعماله في أسر الصورة الفوتوغرافية، بل تتجاوزها نحو إعادة إنتاج المشهد بلغة تشكيلية أكثر حرية ودفئًا.
وإلى جانب تجربته الفنية، يساهم الفنان في الحراك الثقافي من خلال الدورات التدريبية في مجال التصوير الفوتوغرافي والتلفزيوني، إضافة إلى مشاركاته في المعارض والمحافل الفنية، وحصوله على شهادات تقدير وكتب شكر، ما يعكس حضوره داخل الوسط الفني بوصفه فنانًا وممارسًا ومؤطرًا في الوقت نفسه.
إن تجربة عماد الساعدي تكشف عن مشروع بصري يقوم على فكرة أساسية: أن اللوحة ليست إعادة إنتاج للعالم، بل إعادة اكتشاف له. ومن هنا تأتي أهمية أعماله، بوصفها محاولة مستمرة لالتقاط روح المكان والإنسان، وتحويل التفاصيل اليومية إلى ذاكرة بصرية مفتوحة على التأويل والجمال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.