أسماء وظلال: هنري رياض سكلا: شيخ الورّاقين القانونيين والهِمّة في المعرفة والتنوير

صحيفة الهدف

د.أبوذر الغفاري بشير
لا أعرف في تاريخ المهن القانونية في السودان شخصًا بلغ إنتاجه المعرفي وتنوعه المدى الذي وصل إليه القاضي هنري رياض سكلا. فقد تعدّدت مؤلفاته حتى بلغت مائة كتاب، وتوزّعت على فضاءات عديدة، بما في ذلك الترجمة والأدب والتوثيق القضائي والتاريخ وعلوم الاجتماع والسياسة، فضلًا عن إسهامه في إرساء مبادئ قضائية ضمن القضايا التي أصدر فيها أحكامًا. وحق له أن ينال لقب شيخ الورّاقين القانونيين وأن يكون مثالًا للقانوني الذي التزم جانب الصرامة في حياته وبذل وقته في سبيل التنوير المعرفي.
النشأة والعمل المهني
يعود تاريخ ميلاد هنري رياض إلى فبراير عام 1927 بمدينة تندلتي بولاية النيل الأبيض، وعاش بها فترة الطفولة والصبا قبل أن ينتقل مع أسرته إلى مدينة أم درمان عام 1940. وقد أتاحت له هذه الفترة أن يبدأ تعليمه بالخلوة، على النسق الذي كان يسير عليه غمار الصبيان في ذلك الوقت، قبل أن يتلقى تعليمه الأوسط بمدرسة الأقباط بأم درمان، ثم تعليمه العالي بالكلية القبطية بنين بالخرطوم، ثم يحصل على الشهادة التوجيهية من مصر عام 1945.
أشار هنري رياض إلى أثر فترة الخلوة عليه في تعليقه على قصيدة الخلوة للشاعر التجاني يوسف بشير في الكتاب الذي أصدره عنه، فأورد أبيات التجاني:
ضمَّخت ثوبه الدواة وروت
رأسه من عبيرها الفياح
ثورة صوّرت خوافي ما بين
حنايا صبينا من رياح
ورمى نظرة إلى شيخه الجبّار
مستبطنًا خفي المناحي
نظرة فسرت منازع عينيه
ونمَّت عما به من جراح
حبذا خلوة الصبي ومرحى
بالصبا الغضّ من ليالٍ وضاح
وعلّق هنري رياض على هذه الأبيات بقوله: “ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن كل من قرأ في الخلوة أو الكُتّاب يجد في قصيدة الخلوة مرآة لنفسه أيام دراسته الأولى”. وهو هنا يقصد نفسه في المقام الأول. وبالطبع تركت فترة الخلوة أثرها عليه طوال حياته، وعلى وجه الخصوص بصماتها في اهتمامه باللغة العربية، التي أحبها وبرع فيها وفتن بآدابها وعلى وجه الخصوص الشعر السوداني. فخصص عددًا من كتبه لشعراء سودانيين، وقد دخل مسابقة في اللغة العربية أُعلن عنها في القاهرة، فكان من المتفوقين، إذ أحرز الترتيب الثاني، مما مهد له الالتحاق بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، حيث حصل منها على ليسانس الحقوق.
اجتاز هنري رياض امتحان المعادلة عام 1952، ثم انخرط في العمل بالمحاماة في عام 1953، وأخيرًا التحق بالسلطة القضائية عام 1972، وبقي فيها إلى أن أُحيل إلى المعاش عام 1990. فكان قدومه إلى السلطة القضائية قاضيًا ناضجًا بعد أن تمرس في مجال المحاماة وخبر مجالاتها العملية.
اقترن هنري برفيقة حياته القاضية السيدة كرم شفيق، وكانت خير عون له في نشاطه المهني والمعرفي، واشتركت معه في إعداد وترجمة عدد من الكتب، من بينها إعداد (الموسوعة المختصرة لأحكام القتل) (1900 – 1980)، وترجمة كتاب (قانون بيع البضائع) الذي ألّفه باتريك عطية، وترجمة كتاب وصية مسز جرير للقاضي الأمريكي ديفيد بيك، وظهر اسمها مشاركة في عدد من الكتب الأخرى مع هنري رياض.
لهنري رياض شقيق آخر عمل مستشارًا بوزارة العدل هو السيد إدوارد رياض، وقد تدرج في المناصب حتى أصبح المحامي العام لحكومة السودان، كما تولى في بعض الفترات منصب وكيل وزارة العدل. ولم تخطئه عدوى هنري رياض في الكتابة والتأليف، فأصدر عدة مؤلفات قانونية منها نماذج من فتاوى ديوان النائب العام.
نماذج من القواعد القانونية التي ساهم هنري رياض في إرسائها
ساهم مولانا هنري أثناء عمله في المحكمة العليا في إرساء عدة أحكام قضائية عكست شخصيته الميّالة إلى الاستهداء بروح القانون واتباع القواعد الحرّة للعدالة دون التقيّد بحرفية النصوص المتشدّدة، ومن ذلك:
– حكمه في قضية خضر أحمد محمد حامد ضد محمد بخيت وآخر، إذ قرر أنه يجوز لملاك أغلبية الأنصبة في العقار المملوك على الشيوع استرداد حيازته من المستأجر دون أن يكون للأخير حق الاعتراض، وإن كان هناك شريك آخر لم يُضم في الدعوى ما دام هذا الشريك قد سكت عن المعارضة الصريحة.
– في قضية ورثة سليمان موسى ضد ورثة سليمان موسى، حيث ثار الجدل حول المادة 559/7 من قانون المعاملات المدنية لسنة 1984، والتي نصت على أنه: “عندما تكون الدولة مالكة العين تكون صاحبة مصلحة في أي نزاع بشأن المنفعة وطرفًا فيه”. وقد استنبط مولانا هنري من هذه المادة أن ضم الحكومة طرفًا في الدعوى يكون لازمًا إذا تبين أن مصلحة الحكومة قد تتأثر بالحكم، أو أن الفصل العادل في الدعوى يتطلب ضمها، حتى ولو لم تُثر مسألة ضم الحكومة في المراحل الأولى من الدعوى.
– قضى في سابقة سعد النور إبراهيم ضد خليل محمد صالح، أن من حق المالك استرداد نصف تكاليف الحائط المشترك والفاصل من الجار الملاصق، وذلك استنادًا إلى السوابق القضائية ومبادئ الشريعة الإسلامية والعرف والوجدان السليم.
– كما قضى في قضية نعيمة إلياس فحام ضد بشير إلياس فحام، أن المشرّع وازن بين مصلحة المالك الذي زال اسمه من السجل بسبب أو لآخر، وبين مصلحة من تعامل مع المالك المسجل الذي يبين اسمه في سجل الأراضي، فآثر حماية المشتري حسن النية ضمانًا وتقديسًا لما ورد في سجلات الأراضي.
– في جانب الإثبات، أرسى مبدأ خاصًا ببينة الصغير، وذلك في قضية حكومة السودان ضد يوسف عبد الله محمد، ومفاده أن تأييد بينة الصغير لا نص عليه في القانون ولا الفقه، لكنه احتياط جاء وليد أحكام القضاء، وهو أمر لازم لتلك البينة سواء قدمها الصغير مع اليمين أو بدون يمين. وليس من اللازم أن يكون التأييد ببينة أخرى مباشرة، بل يمكن للمحكمة أن تأخذ بكافة الأدلة القانونية مثل القرائن والشهادة النقلية المقبولة في بعض الأحيان، مثل شكوى المجني عليه في جرائم الجنس، وغير ذلك من الملابسات متى كان ذلك متفقًا مع حكم العقل والمنطق.
في قضية زينب طلبة سليمان وآخرين ضد محمد الحسن سليمان موسى أرسى قاعدة أساسية، وهي أن الإجارة بالإرث تنتقل إلى أفراد أسرة المستأجر التعاقدي أو القانوني الذين كانوا يقيمون معه أثناء حياته، سواء كانوا قصرًا أم راشدين، وتزول الحماية عن الراشدين برحيلهم عن العقار.
في قضية مجلس بلدي أم درمان أسس قاعدة عامة مفادها أن قبول الإيجاب بشرط لأغراض التعاقد لا يتم به العقد، بل يعتبر إيجابًا جديدًا. كما أن القانون يتطلب وصول القبول إلى علم الموجب، ولكن التنفيذ الاختياري للإيجاب قد يقوم مقام القبول فيعتبر قبولًا ضمنيًا لا يحتاج إلى إعلان صريح، وينفذ به العقد.
رأي هنري في الحكم بإعدام الأستاذ محمود محمد طه
مثّلت قضية إعدام الأستاذ محمود محمد طه علامة فارقة في تاريخ القضاء السوداني، وقرّرت فيها الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بطلان الحكم بإعدام الأستاذ محمود لإهدار حقوقه الدستورية التي كفلها له الدستور في المحاكمة العادلة والإجراءات السليمة. ويعد الحكم انتصارًا للقضاء السوداني لمبدأ سيادة الدستور والحريات الأساسية.
تبنى هنري رياض موقفًا مخالفًا لرأي الأغلبية في الدائرة، أسّسه على ثلاث مسائل إجرائية، يمكن تلخيصها في أن يكون لرافع الدعوى صفة في طلب الحماية القضائية في مواجهة أشخاص هم بالضرورة أطراف في الدعوى، بينما المحكمة الجنائية التي أصدرت الحكم ومحكمة الاستئناف الجنائية المؤيدة له لم تكونا طرفين في الدعوى. كما أن الحكم الذي يصدر يمكن الاعتراض عليه وفق آليات الطعن على الأحكام، وليس بموجب دعوى دستورية. وأن دعوى حماية الحق الدستوري التي تقوم على الخطأ في تطبيق القانون أو كيد القضاة أو جهلهم لا تعد صالحة للفصل دستوريًا، وإنما يمكن تحريك الإجراءات الجنائية في مواجهة القضاة.
من ناحية عملية، فقد ثبت أن التوجّه الذي أشار إليه مولانا هنري لم يجد قبولًا لدى المحاكم في الممارسة العملية؛ فقد تم فتح بلاغ ضد القاضي المكاشفي طه الكباشي بسبب حكمه في قضية محاسب وادي سيدنا، على أساس أنه أضاف تهمًا خلاف التي حُدّدت في البلاغ، وبسوء نية حكم عليه بالقطع، واعتمد على آراء ضعيفة في الفقه الإسلامي. إلا أن المحكمة العليا رفضت السير في إجراءات البلاغ، وذلك استنادًا إلى حصانة القاضي عند مباشرته أعمالًا قضائية بصفته محكمة أو عضوًا في محكمة.
الكسب في مجال الترجمة والتأليف
شغف هنري رياض بالمعرفة وإنتاجها وإعادة نشرها. ويحكي عنه مولانا عادل سمير أنه كثيرًا ما كان يرتاد الشارع الشمالي لمسجد الخرطوم الكبير، حيث أكشاك مكتبات باعة الكتب القديمة والمستعملة التي تضم أحيانًا كنوزًا من المعارف. ولم يكن يستنكف أن يجلس معهم على الأرض وينقّب في الكتب المعروضة حتى يعثر على ضالته من الكتب المفيدة.
تعددت اجتهادات مولانا هنري في مجال التأليف والترجمة حتى بلغت في مجموعها ما يقارب مائة كتاب. وأكثر ما عُرف به ترجمة كتب مميّزة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وكان هذا نشاطه الأهم، فقد دأب على ترجمة أمهات القانون باللغة الإنجليزية وطرحها إلى قراء العربية. ومن هذه الكتب: كتاب بروفسير فاسديف عن (قانون الإثبات السوداني)، وهو كتاب ضخم تضمن السوابق القضائية الأساسية وتحليلها بمستوى عالٍ من الدقة والمهنية، وأصبح مرجعًا أساسيًا لمن جاء بعده. كتاب شيشر وفايفوت عن (العقد في القانون الإنجليزي)، وهو كتاب مرجعي جامع لأحكام العقد، وقد تولى ترجمته منجّمًا إلى سبعة أجزاء، ثم جمع الأجزاء في كتاب واحد مكتمل. كتاب (ترشيد الفكر القانوني) للورد ديننغ، وهو من كتب فقه القانون لمفكّر قانوني مميز أسهم في تطوير قواعد القانون الإنجليزي. كتاب (فلسفة القانون) للفقيه الإنجليزي دياس، وقد تناول فيه أشهر مذاهب فلسفة القانون، بما في ذلك الفلسفة الوضعية والنظرية البحتة والنظرية التاريخية.
كما اهتم مولانا هنري بتجميع السوابق القضائية وإتاحتها للقانونيين، منها:
– أحكام الزواج والطلاق (أحكام بالنقض والتأييد).
– موسوعة الأحكام الدستورية.
– الموسوعة المختصرة لأحكام القتل في القانون السوداني.
– أشهر المحاكمات السياسية.
وله أيضًا عدد من الكتب في مجال الشعر العربي، منها كتابان عن الشاعر التجاني يوسف بشير والشاعر توفيق صالح جبريل، ظهرت فيهما مقدراته في النقد والتوثيق الأدبي وانتماؤه العميق الجذور إلى التراب الوطني.
صرامة الالتزام المهني
عاش هنري رياض ملتزمًا بواجباته كقاضٍ وقد اجتهد أن تكون صورة القاضي هي الأساس الذي يبدو به للناس، ووصفه بعض الذين عاصروه بأنه كان “منظرًا مألوفًا يوميًا في مباني المحكمة العليا؛ إذ كان يأتي مولانا هنري رياض حاملًا ترمس شاي وحافظة مياه صغيرة، ويدخل مكتبه فلا يخرج منه، ولا يظهر في بهو مباني المحكمة العليا ولا في مكاتبها أو ممراتها، بل يظل داخل مكتبه حتى نهاية ساعات العمل، ثم يخرج إلى بيته في الخرطوم شرق. حتى إن كثيرًا من المحامين لم يشاهدوا هنري رياض وجهًا لوجه إلا بعد إحالته إلى المعاش”.
يذكر مولانا عادل سمير أنه عقب إعلان قوانين سبتمبر 1983 ثارت موجة لمبايعة جعفر نميري إمامًا، واشتركت في هذه البيعة كافة الطوائف بما في ذلك المسيحيين. وعندما دُعي القضاة للبيعة اتخذ هنري رياض الموقف الرافض للاشتراك فيها وفضّل الانحياز لمقتضيات عمله المهني بدلًا عن المشاركة ذات الدوافع السياسية.
زهده وبُعده عن الظهور
رغم الوزن الكبير الذي تمتع به هنري رياض والكسب الأكاديمي والقانوني الذي حققه خلال مراحل حياته المهنية، إلا أنه ظل متواريًا عن الأنظار، زاهدًا في التعريف بنفسه. ويبدو ذلك في أن كل الكتب التي أصدرها رغم كثرتها لم تحمل سيرة ذاتية له أو تشير إلى أعماله، وكأنها تقول إن المعرفة تتحدث عن نفسها وليس عن أصحابها.
أقام بعض الزملاء ليلة احتفالية بمناسبة صدور كتابي (أسس قانون الشركات)، الذي أهديته لاثنين ممن لعبوا دورًا في حياتي المهنية: أحدهما د.محمد طه أبو سمرة، شيخي في قانون العقود بكلية القانون بجامعة الخرطوم، وثانيهما هنري رياض سكلا، بسبب إنتاجه المعرفي الثر الذي لا بد أن يمر به كل متعلّم في حقل القانون أو مشتغل بالمهن القانونية. وحضر تلك الاحتفالية شقيقه إدوارد رياض، فذكر أن هنري كان في معيّة أمه في رحلة بعربته في شوارع الخرطوم، فانتبهت الأم إلى مشهد بعض العمارات المشرئبة والأبنية العالية، وأبدت أسفها لأن هنري، رغم علمه وطول عمله بالمهن القانونية، لم يمتلك في الدنيا مثل هذه المباني، بينما حصل عليها آخرون أقل حظًا في التعليم. فقال لها مواسيًا: “يكفيني من العمارات ما كتبته من مؤلفات، فهي ليست أقل فائدة”.
انتقل هنري رياض إلى الرحاب العليّة عام 1995 بعد حياة ذاخرة في مجال التحصيل والتنوير العلمي، وأرسى نموذجًا للقاضي المتمكن برقم قياسي من الإنجازات المعرفية يصعب كسره.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.