عماد عبد الله
هو سيدي البجاوي الجميل: محمد عثمان محمد صالح سبدرات، الشهير بـ(كجراي). و”كجراي” بلغة البجا تعني: (المحارب). وما كان محاربًا ولا شيء.. كان فقط وديعًا مثل النسمة.
مولود في المدينة الساحرة القضارف سنة ١٩٢٨م. كان والده مؤسّسًا لأكبر خلوة في القضارف. وفي القضارف تلقّى تعليمه الأولي، ثم انتقل إلى كسلا للدراسة الوسطى. عمل معلّمًا، وترقّى في سلك التدريس إلى أن فُصل في عهد نميري، ثم أُعيد إلى عمله بعد فترة. وبعدها اعتُقل مرة أخرى في بدايات حكم الكيزان، وأُطلق سراحه بعد أن ضُيّق عليه، فذهب إلى إريتريا حديثة الاستقلال آنذاك، وعمل مديرًا لمدرسة الأمل النموذجية، وأشرف على الملف الأدبي في صحيفة (إريتريا الحديثة). ثم ترقّى في وزارة التعليم هناك حتى بلغ مرتبة موجّه تربوي، وظل في إريتريا إلى أن عاد إلى كسلا شيخًا مهدود الحيل.
نشر ديوانه الأول (الصمت والرماد) في بيروت سنة ١٩٦٤م، وظل ينشر قصائده بانتظام في (مجلة الدوحة)، ثم أصدر ديوانه (الليل عند غابة النيون) في أوائل الثمانينيات.
(كجراي).. سيد الدكان في حِلّة (مَهَلة) بالقضارف.. البجاوي البسيط، العميق، النقي. أولى قصائده نُشرت سنة ١٩٤٨م في مجلة كويتية..
سنة ٤٨! شيء عجيب.
عمي محمد.. سيد الدكان القش والبيت القطّية المنزوي على الحدود الشرقية، القريب من لسان أهله. سيد الدكان الذي حاربه الإنجليز أيام الاستعمار بسبب “طولة لسانه الوطني”، فحاربوه في رزقه ومعيشته وهو معلّم، ثم وهو “سيد دكان”، فأحرقوا دكانه وقطيّته وكل حِلّة (مهلة) عن آخرها. وجاء الحكم العسكري الأول و”كجراي” ما يزال في “طولة لسانه الوطني”، فحاربوه أيضًا وضيّقوا عليه الأمرّين. ثم جاءت العسكرتاريا النميرية، وبسبب لسانه الوطني كذلك، فعلوا فيه الأفاعيل.
قام عمي محمد البجاوي، سيد الدكان، حين ضاق به النظام وأغلق أمامه كل سبل العيش الكريم، فغادر البلاد ومضى إلى أهله البجا في إريتريا، وأقام بينهم حتى أثقل الشيب والوهن روحه القلقة، فعاد إلى السودان مهدود الروح، مصابًا بالسأم السوداني الكبير.
بعد كل ذلك.. تجاهلته هذه البلاد الجحود. تجاهلت ريادته الشعرية، بينما كانت تذكر، على استحياء، أنداده جيلي عبد الرحمن ومحيي الدين فارس ومحمد المهدي المجذوب وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد الفيتوري وغيرهم.
بلد عجيبة.. وكأن حكّامها ليسوا من طينة أهلها.
كان كجراي يزيّن الإصدارات العربية بشعره البديع المجنون، حتى حيّر القرّاء المسحورين بلغته الغريبة: من أي بلاد جاء هذا الشاعر؟ كثيرون ظنّوه شاعرًا عربيًا من بلاد الشام. وكما تجاهلت بلاده ريادته الشعرية؛ تجاهله أيضًا كثير من تلاميذه ومريديه العرب، تمامًا كما تجاهلوا الحركة الشعرية السودانية كلها. ولم يكن ذلك يعنيه كثيرًا؛ فـ”عمي محمد البجاوي سيد الدكان” لم يكن يطلب الأضواء ولا الضجيج. هدوؤه القنوع وبعده عن مطامع الدنيا جعلاه حالة إنسانية نادرة؛ يظهر فجأة مثل الضوء الساطع، يزيّن المطبوعات والدوريات بقصائده، ثم يوقّعها بتوقيع غامض: (م. ع. كجراي)، ويمضي.
العجيب في كجراي أنه، بذات الأستاذية الفريدة التي كان يطوّع بها اللسان العربي الفصيح، كان قادرًا أيضًا على أن يعجن العامية السودانية بعطر المحلب، فيكتب لـمحمد وردي رائعته: (ما في داعي تقولي ما في).. شيء عجيب، والله.
توفي في كسلا في أغسطس ٢٠٠٣م، وسط فوضى المتأسلمين الكيزان، وبهدوء يشبه شخصيته دُفن تحت جبال التاكا، في ذات الجغرافيا التي دُفنت فيها سيرته. له الرحمة.
…
)خصام).. غناها الجميل إبراهيم حسين
ﻳﺨَﺎﺻِﻢ ﻳﻮﻡ ويرجَع ﻳﻮﻡ
ﻭﻳﻌَﺬِّﺑﻨﺎ ﺑﻲ ﺭﻳﺪﻭ
ﻭﻳﺘﺤﺪَﺍﻧﺎ ﻳﻮﻡ ﻳﺰﻋَﻞ
تقول ﺃﻗﺪَﺍﺭﻧﺎ ﻓﻲ ﺇﻳﺪﻭ
نقول ﻳﺎﺭﻳﺘﻮ ﻟﻮ ﻳَﻌﺮﻑ
ﻋَﺬﺍﺏ ﺍﻟﺤُﺐ ﻭﺗﻨﻬﻴﺪﻭ
ﺑَﺪَﻝ ﻣﺎ ﻧِﺤﻨَﺎ ﺑﻨﻌَﺎﺗﺐ
ﺑِﻨَﻔﺮَﺡ ﻳﻮﻡ ﻳﻌَﺎﺗﺒﻨﺎ
ﻭﻧﺴﺄﻝ ﻋﻨّﻮ ﻛﺎﻥ ﻃﻮّﻝ
ﻭﻣﺎ هاميهو كان غِبنا
حَرام ترمينا للأيام
حَنانَك يا مُعذِبنا
نَحلّف قلبَك القاسي
بكُلِّ حَنان مَودَّتنا
بأفرَاحنا وبأشواقنا
وبى لَهفَة مَحبَّتنا
رِضينا هَوانّنا في حُبّك
حَرَام تِتنَاسى ريدَتنا
ﺧَﻼﺹ ﻳﺎ ﻗَﻠﺒﻲ ﻛﺎﻥ ﺧَﺎﺻَﻢ
ﺿَﻤﻴﺮﻭ بِعَاتبو ﺧَﻠِّﻴﻬﻮ
ﺗَﻤُﺮ ﺃﻳَﺎﻡ ﻭﻳَﻨﺴَﻰ ﻏُﺮﻭﺭﻭ
ﻭﻳَﻠﻘَﻰ ﻫَﻮﺍﻧﺎ ﺭﺍﺟﻴﻬﻮ

Leave a Reply