عضو مجلس السيادة الشرعي والقيادي بالتجمع الاتحادي محمد الفكي سليمان لـ”الهدف”:

صحيفة الهدف
  • الإسلاميون كانوا الأسرع في الدعوة للحرب واستطاعوا تفجيرها لإجهاض المسار المدني الانتقالي
  • البرهان أحدث بدعة في هيكل الجيش لضمان بقائه في السلطة وتحقيق حلمه بحكم البلاد عبر البندقية
  • تجربة وثيقة 2019 أثبتت استحالة الشراكة مع العسكر في جهاز واحد لرغبتهم الدائمة في الانفراد بالحكم
  • الاتفاق الإطاري صُمم لتلافي وقوع المواجهة العسكرية واستعادة المسار الديمقراطي ولم يعد بإنتاج الشراكة مطلقاً
  • فرص توحد السودان ما تزال قائمة وقوية تاريخياً ومصلحياً بمجرد وقف الحرب والانفتاح أمام العمل السياسي.
  • لا بديل للديمقراطية والفيدرالية إلا الديمقراطية، وفكرة حكم السودان بالحديد والنار والمركزية هي التي قادتنا إلى هذا الحال.

في هذا الحوار الشامل، يفتح عضو مجلس السيادة السوداني (الشرعي) والقيادي بالتجمع الاتحادي، الأستاذ محمد الفكي سليمان، ملفات الراهن السوداني المعقد لـ”الهدف” بكل صراحة ومكاشفة. يجيب الفكي على الاتهامات الموجهة للقوى المدنية بالتأخر في قراءة نذر المواجهة، ويكشف كواليس الأيام الأخيرة قبل انفجار الأوضاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، ودور عناصر النظام البائد في إشعال فتيل الأزمة، مقدماً رؤيته لمستقبل الوحدة الوطنية والمسار الديمقراطي في السودان.

حوار: يوسف الغوث

انتم متهمون كفاعلين مدنيين بأنكم تأخرتم في قراءة نذر الحرب حتى وقعت؛ هل كانت الحرب خياراً حتمياً أم كان بالإمكان تفاديها بـ “تنازلات مدنية” أكثر مرونة؟

نحن لم نتأخر في قراءة نذر الحرب، لقد استشعرنا ومنذ البداية خطورة الحرب وهذا الأمر وضح جلياً في خطابنا الذي كان قبل الانقلاب، وقد حذرنا من خطورة وجود جيشين بقياديتين متوازيتين، وليس تحت إمرة واحدة لأن القيادات العسكرية كانت مختلفة، كل قيادة تختلف عن الأخرى، وقد تحدثنا عن ضرورة دمج الجيوش. أما بعد الانقلاب، وبالرغم من أننا كنا خارج السلطة، لاحظنا أن الأوضاع سيئة بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع، وفي أوقات كثيرة كانوا لا يلتقون إلا بحضور المدنيين، فكان هذا الجو بالنسبة لنا جو حرب، لذلك كنا في سباق مع الزمن بضرورة الحل السياسي، ولكي تتجنب بلادنا المواجهة العسكرية، وفي ذلك كنا في غاية المرونة، ولكن كان الإسلاميون هم الأسرع في الدعوة للحرب، وذلك لوجودهم في القطاعات الأمنية، ولديهم خبرة عسكرية في هذا الأمر أكبر منا باعتبار أننا مدنيون، لذلك استطاع الإسلاميون تفجير الحرب وبسرعة كبيرة.

بصفتك عضواً في مجلس السيادة (الشرعي)، كيف تفسر التباين بين خطاب “الشرعية الدستورية” وواقع “شرعية السلاح” الذي يسيطر على الأرض اليوم؟

نعم هنالك تباين بين خطاب الشرعية الدستورية وخطاب السلاح، وهذا ناتج من طبيعة المؤسسة عسكرية كانت أم مدنية، فالعسكريون كخبراء في العنف هم أصحاب السيطرة الحربية، وفي مثل هذه الأوضاع غالباً ما تقل فعالية المدنيين، لأن الأرض التي يحصل فيها القتال غالباً ما تتم عبر العسكريين أما المدنيون فلهم دورهم في السياسة والإعلام، لكن هذا الأمر ليس محدداً أساسياً، وعليه يمكن القول إن دور المدنيين قل كثيراً وهذا أمر لا يمكن نكرانه، ورغم ذلك كنا نعمل بأدواتنا السياسية والإعلامية والدبلوماسية مع الفاعلين في الأرض ومع المجتمع الدولي لكي نحافظ على حياة المدنيين بقدر ما يمكن، وهذا الأمر سوف يقضي في النهاية إلى حل سياسي وللاستعاضة عن الحرب بالهدنة والحل السياسي، ولا بد أن يعود الناس إلى بيوتهم ويتم الاستعاضة عن الحرب بالعمل السياسي، وتقوم الجماهير بدورها المنوط بها، وهذا الأمر لا يعني بالضرورة غيابنا عن المشهد ولكن الأدوار الآن اختلفت.

القوى المدنية (المركزي، تقدم، صمود وغيرها) تبدو مشتتة أمام آلة الحرب؛ ما الذي يمنع “محمد الفكي” والتجمع الاتحادي من الانخراط في “جبهة عريضة” توحد الشارع السوداني خلف رؤية واحدة؟

القوى المدنية الآن في اجتماع مباشر وفي منابر متعددة، يعني نحن الآن موجودون في تحالفات، ولكن لدينا نقاشات مستمرة ومتواصلة مع قوى حية خارج هذا التحالف حتى تتفق معنا في هذا التحالف والذي يدعو إلى وقف الحرب ووحدة البلاد، والجيش المهني الواحد، استعادة المسار المدني الديمقراطي، وهذه هي العناوين العريضة. وبالتالي فإن النقاشات التي تمت في نيروبي بيننا كحزب التجمع الاتحادي وآخرين من صمود، أو من خارج صمود مثل حزب البعث العربي وحركة تحرير السودان قيادة عبد الواحد نور وعدد من الفاعلين المدنيين، هي عامل مهم ومؤشر على أن الناس يمكن أن تتواصل وتتفق على خطوط عريضة..

 كثير من الناس يسأل لماذا لم يتوحد المدنيون؟!! ونحن نقول ليس من الشرط أن يتوحد المدنيون في جسم واحد، ولكن المهم هو اتفاقهم على رؤية واحدة، والخطاب الذي كان يردده دوماً العسكر بأن المدنيين مختلفون، هذا طبيعي بالنسبة لنا لأن الحياة المدنية والسياسية قائمة على الاختلاف وهذا أمر طبيعي، ولكن الخطورة في اختلاف العسكريين، وما حدث من اختلافهم نتائجه واضحة الآن في بلادنا من حرب ودمار. أما بالنسبة للمدنيين فهناك دوماً مساحة للاختلاف والاتفاق وفق أدوات السياسة، وفي أي لحظة يتوحد فيها المدنيون فسوف ينفتح الملعب السياسي لكي يتحرك الجميع بأدوات السياسة.

هل اختلاف البرامج، أم اختلاف الأشخاص، أم أن الحرب نفسها تفرض البقاء بلا معارضة موحدة؟

أنا لا أقول أن المعارضة غير موحدة، يمكن أن يكون هنالك تأخير في عدم وجودها في جسم واحد ولكن هنالك اتفاق على القضايا الرئيسية والتي ذكرتها آنفاً، مثل وقف الحرب، جيش مهني واحد، إلخ. هنالك صعوبات أهمها أن السودانيين موجودون في منافي مختلفة، وهذا الأمر يعقد الحركة لذلك تعقد الاجتماعات في فترات متباعدة، وهنالك أكثر من 12 مليون شخص غادروا منازلهم، هنالك مصاعب عديدة، وهنالك بعض الدول تكون فيها صعوبة في الحراك السياسي، وهنالك دول فيها سهولة العمل السياسي، إذن هنالك عوامل تعمل على إبطاء هذا الأمر ولكن نحن متفائلون.

علاقتكم بالمؤسسة العسكرية مرت بمحطات “الشراكة” ثم “المواجهة”؛ ما هي الدروس المستفادة من “وثيقة 2019” التي تجعلكم ترفضون—أو تقبلون—أي شراكة مستقبلية؟

عندما تم إخراجنا بالانقلاب، قدمنا وثيقة كاملة حوت أكثر من 600 صفحة حول تقييم هذه التجربة في كل مستوياتها من السيادي وحتى الحرية والتغيير، وكانت جميعها تؤكد أنه لا يمكن أن تكون هنالك شراكة بين المدنيين والعسكر في جهاز واحد وذلك لرغبة العسكر بالانفراد بالحكم وفرض سيطرتهم، لذلك كانت فترة الفترة الانتقالية تشهد وبشكل يومي مواجهات مستمرة، لاحقاً ظهرت في الإعلام عندما حصل انسداد تام، ولكن كان الخلاف يومياً؛ المدنيون يستندون على الثورة والعسكر على القوة، وهذا الأمر خلق صعوبات كثيرة، لذلك كل اللاعبين المدنيين متفقون على إعادة بناء جيش مهني غير مؤدلج ويتفرغ لمهامه في حماية الأرض والدستور، مع وجود حكومة مدنية تجهز نفسها وتستعد لخوض الانتخابات.

متى أدركتم عدم استعداد العسكر تسليم السلطة لرئاسة المجلس للمكون المدني؟

بالنسبة لنا في لجنة التفكيك، كان واضحاً لنا أن العسكر لديهم مجهودات مستمرة لإفشال الفترة الانتقالية وذلك لأن الحزب المحلول كان يعقد اجتماعات تحت حماية الاستخبارات، وقد قمنا بقبض جزء كبير منهم، أيضاً كانت هنالك جهات ذات طبيعة شبه عسكرية مثل تمازج كانت تعقد اجتماعات تحت حماية الاستخبارات، وكان هذا الأمر جزءاً من المواجهات اليومية التي كانت تتم بيننا والعسكر، وحتى الدعم المالي المباشر لبعض المجموعات مثل الزحف الأخضر كان لدينا به معلومات، كل هذا الأمر كان يؤكد أن العسكر يرتبون لأمر ما.

أما النقطة الفاصلة، فهي خطاب العسكر والخاص بتقييم الحرية والتغيير في منتصف عام 2021، وبعدها تم القفز فوق الوثيقة الدستورية واتفاقية السلام بإدخال أشخاص مثل مناوي وجبريل في أكثر من موقع بعد خروجهم من الحرية والتغيير والذهاب للتفاوض بشكل منفرد وذلك لغرض تشتيت الانتباه، فهذه كلها مؤشرات لعدم تسليم السلطة للمدنيين، بتحريض من الإسلاميين وبعض الموقعين على اتفاق جوبا.

مع كل ما حدث من انقلاب والعمل على تعطيل الفترة الانتقالية .. لماذا اتجهتم للإطاري الذي يعيد إنتاج الشراكة؟

الإطاري لم يعد بإنتاج الشراكة مطلقاً، الإطاري كان حكومة مدنية كاملة مع عدم وجود العسكر على رئاسة الدولة، كما أنه كان مرناً وذلك لتجنب الحرب، ويكون هنالك منبر لمواصلة النقاشات للانتخابات.. لأننا لاحظنا أن هنالك شرخاً كبيراً بين قيادة الجيش والدعم، فلذلك الناس رأت أن تستمر حتى يتم الدمج تحت مؤسسة واحدة، مع ملاحظة أن هنالك كان طموحاً للعسكر وللإسلاميين الذين دفعوا في هذا الاتجاه، وهذا الأمر أدى في النهاية للحرب، أما الإطاري فقد قام لاستعادة السلطة والمسار المدني الديمقراطي وتلافي وقوع الحرب، وعليه فإن المرحلة القادمة تقتضي إبعاد العسكر عن المشهد السياسي ..

الراهن يقول أن البرهان شرع في تغييرات كبيرة على مستوى الجيش.. كيف تقرأ هذه التغييرات؟

ما قام به البرهان يعتبر بدعة ولا تتناسب مع التغييرات التاريخية للجيش، فهو يعدل الجيش وكأن الجيش حزب سياسي، وهذه أشياء مضرة للجيش، وهو يقوم بهذه التغييرات حتى يكون للجيش ثقله السياسي ويبقى هو قائداً للجيش ورئيساً للبلاد وفي سبيل تحقيق ذلك تجاوز كل الإشارات الحمراء وزج بالبلد في الحرب وزج بالجيش في هيكل إداري لا يعرفه، وذلك لتحقيق حلمه وحكم البلاد عبر البندقية.

هل تعتقد أن إجراءات البرهان تلك يمكنها أن تؤثر على كثافة وجود الإسلاميين في الجيش وسيطرتهم عليه؟

أظن أن البرهان تأخر كثيراً في اتخاذ قرار والإسلاميون تحكموا في مفاصل الدولة، وحتى إذا أراد اتخاذ قرار فلابد أن تكون لديه حسابات، نحن نبهناه قبل الحرب بضرورة إبعاد الإسلاميين، وكذلك بعد الحرب في أوقات كان المجتمع الدولي يطلب منه أن يسير في اتجاه السلام وفي وقت كان الإسلاميون يرفضون ذلك، ولكن إيقاف الحرب بالنسبة للبرهان سوف يبعده من الحكم لذلك واصل السير مع الإسلاميين، إذن في الحسابات المستمرة فإن البرهان يجد الإسلاميين الأقرب له لأنهم يدافعون عنه وبالمقابل هو بارك لهم إدارة الدولة، وهذا الأمر لن يحدث للبرهان في ظل وجود الثورة والحكم المدني وبالتالي فإن مصلحة البرهان تكون موجودة مع الإسلاميين.

كسياسي “اتحادي”، كيف تقرأ خطر “التشظي الجغرافي” للسودان اليوم، وهل نحن أمام سيناريو “ليبي” أم “يمني”، أم أن خصوصية الدولة السودانية قادرة على ابتكار مخرجها الخاص؟

افتكر أن فرص توحد السودان ما تزال موجودة إذا وقفت الحرب وقامت عملية سياسية، نعم هنالك حكومتان وليستا دولتين.. هنالك انقسام وجداني وجغرافي واجتماعي يتم تغذيته باستمرار من جهات أخرى ولكن حال وقف الحرب وانفتاح الخطاب العقلاني، فأمام السودانيين ما يوحدهم من تاريخ ومستقبل وطموحات ومصلحة، من مصلحة السودانيين أن يتوحدوا لأن مصلحة البلاد تقتضي التوحد مع وجود تاريخ واحد وتداخلات كثيرة، ولا يمكن أن يتم هذا الأمر إلا عبر وقف الحرب والانفتاح أمام العمل السياسي.

في لحظة صدق سياسي؛ ما هو القرار الذي اتخذه محمد الفكي في مجلس السيادة ويشعر اليوم بأنه كان “سوء تقدير” كلف البلاد غاليًا؟

أقول بكل صراحة لا يوجد أي قرار اتخذته وأنا نادم عليه أيام مجلس السيادة في الحكومة الانتقالية، والأيام أوضحت ذلك وبعد مرور أكثر من خمس سنوات، فما قام به العسكر لم يكن رد فعل لتعاملنا معهم بل كان نتيجة نيتهم المسبقة في حكم البلاد، ونحن كان لدينا تفويض من الشعب والثورة لإعادة الحكم في أقرب انتخابات مقبلة وقد دفعنا على المستوى الشخصي أثماناً باهظة وفادحة من تشرد وملاحقات وسجون وحرمان من كثير من الأشياء ولكن كان لابد من حدوث هذه المعركة لأنها فرضت علينا.

كيف تتعامل مع “خيبة أمل” جيل انتفاضة ديسمبر ذات الأفق الثوري الذي يرى أن النخب السياسية (مدنية وعسكرية) خذلت أحلامه في السودان الجديد؟

لا أقول إن هنالك خيبة أمل لأن طريق الثورة طويل، يمكن أن يخيب أملك إذا كنت تعتقد أن الوصول إلى الفترة الانتقالية هو انتصار، ولكني أعتقد أنها عتبة من عتبات الطريق وقد أُجهضت، ولكن الجماهير خرجت مرة أخرى للشوارع بعد الانقلاب، وهذه عتبة أخرى من عتبات المواجهة، واستطاعت الجماهير فرض الحل السياسي وهذه عتبة ثالثة ما نزال نتحرك نحوها، ولابد أن أؤكد أنه لا يستطيع أحد حكم السودانيين بالقوة لأنه أمر مستحيل، ولا يوجد هنالك أي مستقبل للحكم العسكري، ولا يوجد أي مفر للجميع إلا بالتوحد، هذه جميعاً مسلمات أدركها البعض وبثمن غالٍ، ولا بد أن تتوحد الدولة السودانية وبشروط جديدة.

هل ما تزال تؤمن بأن “الديمقراطية” ممكنة في بلد لا يزال السلاح فيه هو “اللغة الأسرع” للحوار؟

لا بديل للديمقراطية إلا الديمقراطية، ولن يُحكم السودان إلا بالديمقراطية، لأن السودان شعوب وثقافات ومجموعات اجتماعية وطموحات، وهو بلد قارة لا يمكن أن يُحكم بسلطة مركزية لذلك قامت الديمقراطية والفيدرالية وإعطاء الجماهير حقها في حكم نفسها وصلاحيات في قضايا التعليم والصحة والبرلمان والتنمية والتقسيم العادل للموارد، هذه هي عوامل تحقيق السلام، أما فكرة أنك تحكم البلاد عبر المركزية أو الحديد والنار فهو الذي قادنا إلى هذا الحال، والديمقراطية ليست ممكنة بل إلزامية، إذا كان في فترات سابقة بعض المدارس ترى إمكانية تأجيل الديمقراطية فالآن لا يمكن أن تُؤجَّل.

#محمد_الفكي #السودان #أخبار_السودان #مجلس_السيادة #التجمع_الاتحادي #الهدف_أخبار #الحوار_السياسي #حـ.رب_السودان #البرهان #الدعم_السريع #الإسلاميون #الانتقال_المدني #الديمقراطية #السودان_2026 #لا_للـحـرب #تفكيك_التمكين #الوحدة_الوطنية #البرهان #صحيفة_الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.