التدمير الثقافي الناتج عن الحرب

صحيفة الهدف

أحمد محمود

عبر مسارات هذه الحرب، انشغل الناس بالتدمير الذي طال البنيات التحتية والمرافق العامة والمشاريع الاقتصادية المهمة. وقد حجب هذا التدمير المادي طبيعة التدمير الثقافي الذي لحق بالسودان. إذ يمكن إعادة بناء ما دمرته الحرب ماديًا، لكن الأمر في ما يتعلق بالثقافة أكثر تعقيدًا، لأنه مرتبط بالذاكرة؛ تلك الذاكرة التي تدمرها الحرب الإنسان باستمرار، ومن ثم تدمر ثقافته التي تحفظ هذه الذاكرة.
ومن أسوأ أنواع هذا التدمير الثقافي الضرر الذي لحق بالمتاحف في السودان، حيث تشير التقارير إلى نهب المتحف القومي، الذي كان يحتوي على أهم المقتنيات التاريخية منذ العصور السودانية القديمة وحتى فترة الممالك الإسلامية. وكان المتحف، قبل الحرب، يضم مقتنيات أثرية من مختلف أنحاء السودان، شملت صالاته الداخلية العديد من هذه المقتنيات الحجرية والجلدية والبرونزية والحديدية والخشبية وغيرها. كما احتوى فناء المتحف على معابد ومدافن وتماثيل مختلفة (ويكيبيديا).
وفي الواقع، لا يعلم أحد ما الذي حدث للمتحف القومي، ولا أين ذهبت مقتنياته، وكذلك الحال بالنسبة لمتاحف أخرى مثل متحف الخليفة، الذي عُرضت صور من داخله عكست حجم التدمير الذي طال هذا التراث، عبر نهب محتوياته التي تجسّد تاريخ الثورة المهدية. ويضاف إلى ذلك المتحف القومي للطبيعة، وغيرها من المراكز الثقافية المهمّة التي دمرتها هذه الحرب.
كما يمتد هذا التدمير إلى المكتبات الجامعية، ودار الوثائق القومية، ومحفوظات الإذاعة والتلفزيون من أشرطة وبرامج وغيرها من المظاهر الثقافية. ويضاف إلى كل ذلك ما أصاب العملية التعليمية من تدهور، باعتبارها جزءًا أصيلًا من البنية الثقافية.
أما الجانب الأخطر، والذي ستكون نتائجه بعيدة المدى إذا استمرت الحرب، فهو تأثيرها على الهوية في السودان، حيث إن الأجيال التي نزحت إلى بلدان أخرى ستكتسب أنماطًا ثقافية جديدة، وعندما تعود بأعداد كبيرة، سيكون لذلك تأثير على النسق الثقافي السوداني العام، مما قد يخلق توترات إضافية على مستوى الهوية، التي هي أصلًا متوتّرة.
كما أن الحرب أحدثت انقطاعًا في مسيرة الإبداع عمومًا، سواء الغنائي أو المسرحي، مع تشريد الفنانين والمبدعين والشعراء. ومن المؤسف أن ما تبقى هو خواء ثقافي، وهي من أخطر نتائج هذه الحرب الكارثية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.