لماذا تراجع حضور الكتاب في حياتنا

صحيفة الهدف

زكريا نمر

سؤال: هل لدينا اهتمام بالكتاب الورقي؟ لا يحتمل إجابة مجاملة. إذا أردنا أن نكون دقيقين، فالاهتمام موجود، لكنه ضعيف ومتقطع. يظهر في مناسبات محدودة، كمعارض الكتب أو لحظات الاستعراض على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يخفت سريعًا. لا يتحول إلى عادة يومية، ولا إلى علاقة مستقرة مع القراءة.
في تقديري، المشكلة لا تكمن في الكتاب الورقي ذاته، بل في علاقتنا بالمعرفة. نحن نعيش في زمن السرعة، حيث يفضّل الناس المحتوى المختصر والسهل. أما الكتاب، فيتطلب وقتًا وتركيزًا وصبرًا، وهي أمور لم تعد متوفرة لدى كثيرين. لذلك يبدو الكتاب وكأنه عبء، بينما الخلل في نمط حياتنا واختياراتنا.
هناك أيضًا أزمة في ما يُنشر. كثير من الكتب تفتقر إلى العمق، وتعيد الأفكار نفسها بصيغ مختلفة، أو تعتمد لغة متكلفة بلا مضمون حقيقي. القارئ لم يعد يقبل بسهولة، وعندما تتكرر خيبته يبتعد. وهنا لا يمكن لومه، بل ينبغي مساءلة الكاتب والناشر عن مستوى ما يُقدَّم.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل الظروف المعيشية. في بيئات يطغى فيها القلق الاقتصادي، يصبح شراء كتاب أمرًا ثانويًا. الأولويات تفرض نفسها، والكتاب يتراجع أمام حاجات أكثر إلحاحًا. هذه ليست مشكلة ذوق، بل واقع يحد من خيارات الناس.
الأعمق من ذلك كله هو دور التعليم. كثيرون لم يتعلموا حب القراءة، بل ارتبطت لديهم بالواجب والامتحان. دخلوا إلى الكتب مجبرين، وخرجوا منها بلا شغف. لذلك لا غرابة أن يغيب الكتاب عن حياتهم بعد انتهاء الدراسة.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الكتاب الورقي انتهى. ما زال حاضرًا لدى فئة محدودة تدرك قيمته، وتتمسّك به كوسيلة للفهم العميق. لكن هذه الفئة لا تمثل التيار العام، بل تعيش على هامشه.
إن ما نواجهه ليس أزمة كتاب ورقي، بل أزمة قراءة حقيقية. وعندما تغيب الرغبة في القراءة، يصبح النقاش حول الوسيط بلا معنى. السؤال الأصدق ليس: هل ما زلنا نهتم بالكتاب الورقي؟ بل: هل ما زال لدينا استعداد للمعرفة؟ إذا لم يتغير هذا، سيظل الكتاب موجودًا، لكنه سيبقى على الهامش، بعيدًا عن حياة الناس اليومية.
* كاتب من جنوب السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.