طارق عبد اللطيف أبوعكرمة
ليس الطالب في التاريخ مجرد متلقٍ للمعرفة، بل هو في لحظات التحول الكبرى أحد منتجيها وشروط إمكانها، إذ لا تولد الأفكار في الفراغ، بل في عقول شابة قلقة، ترفض الاكتمال الزائف، وتبحث عن معنى الوجود داخل حركة التاريخ. ومن هنا، فإن الحديث عن الطالب العربي ليس حديثًا عن مؤسسة تعليمية، بل عن طاقة كامنة في جسد الأمة، تنتظر لحظة الاستيقاظ التاريخي لتتحول إلى قوة فاعلة في مسارها.
لقد وُلدت الجامعة العربية الحديثة في سياق تاريخي معقد، حيث كانت في آنٍ واحد فضاءً للمعرفة، وساحةً للصراع الفكري والسياسي. وفيها تشكّلت أجيال حملت أحلام التحرر، ورفعت شعارات الوحدة، وأسهمت في صياغة الخطاب القومي في لحظاته الصاعدة. لم يكن الطالب آنذاك مجرد متعلم، بل كان فاعلًا في المجال العام، يربط بين الفكر والممارسة، وبين المعرفة والتحرر.
فالطالب، في منطق الاقتصاد المعرفي، يمثل رأس المال البشري الأكثر قيمة. لكن هذا الرأس مال، إذا لم يُربط بمشروع حضاري، يتحول إلى طاقة مهاجرة، تسهم في تنمية الآخر بدل أن تبني الذات.
يعيش الطالب العربي اليوم حالة من الاغتراب المزدوج، اغتراب عن واقعه الذي لا يحقق طموحه، واغتراب عن مشروع جماعي يمنح هذا الطموح معنى. لقد كان الطالب العربي حاضراً في لحظات التحول الكبرى منذ فجر النهضة. ففي مصر، كانت مدرسة الألسن (1835) نواة لوعي جديد، حيث تخرج فيها رواد مثل رفاعة الطهطاوي الذي قاد مشروع الترجمة والنهضة الفكرية. وفي سوريا ولبنان، أسهم طلاب المدارس الإنجيلية والبعثات التبشيرية في تأسيس الجمعيات الأدبية التي مهدت لوعي قومي مبكر. أما في الجامعة المصرية (1908)، فقد كانت منصة لانطلاق أجيال من المثقفين الوطنيين الذين حملوا لواء مقاومة الاحتلال البريطاني.
وشهد القرن العشرون لحظات مشرقة لدور الطالب العربي. ففي ثورة 1919 المصرية، كان طلاب المدارس العليا في طليعة المتظاهرين، ورددوا هتافات (يحيا الهلال مع الصليب). في العراق، لعبت المدارس الحديثة، ولا سيما الكليات العسكرية، دوراً في تشكيل وعي وطني مبكر، تجسد لاحقاً في حركات مناهضة للانتداب البريطاني. أما في السودان، فقد شكّلت كلية غردون (1902) نواة لوعي وطني، وفي حركة اللواء الأبيض (1924) بقيادة علي عبد اللطيف.
وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، حمل الطلاب العرب لواء القضايا الكبرى، من فلسطين إلى الجزائر، ومن الوحدة العربية إلى مقاومة الاستبداد. كانت الجامعات ساحات للنقاش السياسي، ومختبرات للأفكار، ومنابر للخطاب القومي. في مصر، كانت جامعة القاهرة معقلاً للتيار الناصري، وفي سوريا والعراق، كانت الجامعات مسرحاً للصراع بين القوميين واليساريين والإسلاميين، وفي الجزائر، كانت الجامعة منطلقاً لحركة التحرر الوطني. وفي السودان كانت الجامعات (الخرطوم، والقاهرة الفرع) منبراً للوعي الوطنى والقومي.
غير أن هذا الدور التاريخي شهد تراجعًا تدريجيًا، مع تحولات عميقة أصابت بنية الدولة والمجتمع. فقد تحولت الجامعة، في كثير من الأقطار، من فضاء للجدل الحر إلى مؤسسة بيروقراطية، تُعيد إنتاج المعرفة بدل أن تُنتجها، وتُدرّب على الامتثال بدل أن تُحرّض على السؤال. وهنا، جرى تفكيك الدور التاريخي للطالب، وتحويله من ذات فاعلة إلى موضوع للتأهيل الوظيفي.
هذا التراجع ليس مجرد انطباع، بل هو واقع تعكسه الأرقام. حيث تشير تقارير صادرة عن اليونسكو والبنك الدولي إلى أن الإنفاق على البحث العلمي في معظم الاقطار العربية لا يزال دون 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وغالباً ما يُقدّر بحوالي 0.3%، مقارنة بمتوسط يتجاوز 2% في الدول الصناعية. كما تعكس التصنيفات العالمية حضوراً محدوداً للجامعات العربية، وهو ما يعكس فجوة بنيوية بين التعليم وسوق المعرفة العالمي.
إن أخطر ما أصاب الطالب العربي ليس الفقر المادي، ولا ضعف الإمكانات، بل فقدان المعنى. فعندما تنفصل المعرفة عن غايتها التاريخية، يتحول التعليم إلى مجرد وسيلة للترقي الفردي، لا أداة للتحرر الجماعي. وحين يغيب الأفق القومي، يتقلص وعي الطالب إلى حدود القطر، بل إلى حدود المصلحة الشخصية، فيفقد موقعه كفاعل تاريخي. لأن المعرفة، في جوهرها، ليست تراكماً للمعلومات، بل إعادة تشكيل للعالم، وإذا فقدت بعدها التحرري، تحولت إلى أداة ضبط اجتماعي لا أداة تغيير.
لكن هذا التراجع لا يعني نهاية الدور، بل يعكس حالة من التعطيل التاريخي. فالطالب العربي، بحكم موقعه بين المعرفة والواقع، لا يزال يمتلك شروط الفعل، في القدرة على التفكير النقدي، والاحتكاك بالأفكار العالمية، والمرونة في التكيف مع التحولات. وهذه الخصائص، إذا ما أُعيد توجيهها، يمكن أن تجعل منه أحد أهم محركات المشروع القومي في مرحلته الجديدة.
وإذا أردنا أن نفهم لماذا ظل الطالب العربي، رغم كل محاولات التهميش، يحمل إمكانية الفعل التاريخي، فعلينا أن نعود إلى بنيته الوجودية ذاتها. فالطالب، في جوهر موقعه الاجتماعي، كائن متحرر نسبياً من القيود الطبقية الصلبة، إذ لم يستقر بعد في بنية إنتاجية أو موقع اجتماعي نهائي يحدد وعيه ويقيده. وهذا ما يمنحه قابلية أعلى للانفتاح على الأفكار الكبرى، والانخراط في المشاريع الكلية التي تتجاوز المصالح الضيقة.
وإلى جانب هذا التحرر النسبي، يرتبط الطالب بمرحلة عمرية تتسم بالاندفاع، والقلق الخلاق، والبحث الدائم عن المعنى. إنها مرحلة تتشكل فيها الطموحات الكبرى، وتُرسم فيها التصورات المستقبلية، ويكون فيها الإنسان أكثر استعداداً لتجاوز الواقع لا التكيف معه. ومن هنا، فإن الطالب لا يمثل فقط شريحة عمرية، بل يمثل لحظة تاريخية مكثفة من إمكانية التغيير.
غير أن هذه الطاقة الوثابة لم تكن بعيدة عن محاولات الاستهداف المنهجي، سواء من قوى خارجية أو من بنى داخلية مأزومة. فقد جرى العمل على إضعاف هذه الروح عبر إدخال المجتمعات في دوامات من الإفقار والاستنزاف، حيث تؤدي الأزمات الاقتصادية والحروب الممتدة إلى إنتاج جيل مثقل بالعجز، محاصر بالقلق، ومجبر على استبدال الحلم بالبقاء. وفي هذا السياق، لا يُفكك المجتمع مادياً فقط، بل يُعاد تشكيل وعيه على نحو يقتل الطموح ويحوّل المستقبل إلى عبء لا أفق له. كما أسهمت هذه التحولات في تفكيك النسيج الطلابي ذاته، عبر تشظية الروابط الاجتماعية، وإضعاف الفضاءات الجماعية التي كانت تشكل حاضنة للحراك الطلابي، ليحل محلها فرد معزول، يواجه مصيره منفرداً في عالم مضطرب.
وإلى جانب هذا المسار، برز نمط أكثر تعقيداً من الاستهداف، يتمثل في تغييب الطالب عن قضايا مجتمعه من خلال آليات الاستلاب الثقافي والنفسي. حيث لم يعد التهميش قائماً فقط على القمع أو الإقصاء، بل على الإلهاء وإعادة تشكيل الوعي. فالإعلام، في كثير من تجلياته، لم يعد ناقلاً للواقع، بل صانعاً له، يعيد ترتيب الأولويات، ويُفرغ القضايا الكبرى من مضمونها، لصالح انشغالات سطحية أو فردانية. وفي مستويات أعمق، يتجلى هذا الاستلاب في تفكك المنظومة القيمية، وفي أشكال من الانسحاب النفسي والعقلي، حيث يُدفع بعض الشباب إلى أنماط من الهروب، سواء عبر الإدمان، أو اللامبالاة، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة. وهنا، لا يُغيب الطالب عن الفعل فقط، بل يُعاد تشكيله ككائن منزوع الإرادة، فاقد للصلة بقضاياه الكبرى.
إن إعادة توظيف الطالب العربي في المشروع القومي لا تعني تسييس الجامعة بالمعنى الضيق، بل تعني إعادة ربط المعرفة بالسؤال التاريخي للأمة، سؤال الحرية، والوحدة، والتنمية. فالمعرفة التي لا تُسهم في تحرير الإنسان العربي من التبعية، تبقى معرفة ناقصة، مهما بلغت دقتها العلمية. وفي هذا السياق، يصبح الطالب ليس فقط متعلمًا، بل منتجًا للوعي. فدوره لا يقتصر على تلقي الأفكار، بل يتعداه إلى نقدها، وتفكيكها، وإعادة تركيبها في ضوء الواقع العربي. وهنا تتشكل العلاقة الحقيقية بين الطالب والمشروع القومي، علاقة إنتاج لا تبعية، وعلاقة وعي لا تلقين.
إن المشروع القومي، في مرحلته الراهنة، لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى قاعدة اجتماعية واعية، قادرة على حمله وتطويره. وهذه القاعدة لا يمكن أن تتشكل دون حضور فاعل للطلبة، بوصفهم الشريحة الأكثر استعدادًا للتغيير، والأقل ارتباطًا ببنى الجمود. غير أن هذا الدور يواجه تحديات جدية. فالعولمة، في صورتها السائدة، تعمل على تفكيك الهويات، وتحويل الطالب إلى فرد معزول داخل سوق عالمي للمهارات. كما أن التحولات الرقمية، رغم ما تتيحه من فرص، تسهم في إعادة تشكيل الوعي بطريقة قد تُضعف الحس الجماعي لصالح الفردانية. وهنا، يصبح التحدي مضاعفًا، فكيف يمكن للطالب أن يستفيد من أدوات العصر، دون أن يفقد انتماءه التاريخي؟ إن الإجابة تكمن في بناء وعي مزدوج، وعي بالعالم، ووعي بالذات. فالعروبة، في جوهرها، ليست انغلاقًا، بل إطارًا حضاريًا يسمح بالتفاعل مع العالم من موقع الندية لا التبعية. والطالب العربي، إذا ما امتلك هذا الوعي، يستطيع أن يكون جسرًا بين المحلي والعالمي، بين الهوية والانفتاح.
كما إن فلسطين كانت حاضرة بقوة في وعي الطالب العربي. ففي الأربعينيات والخمسينيات، شكلت النكبة (1948) صدمة تأسيسية، جعلت من القضية الفلسطينية البوصلة التي توجه نشاط الطلاب. في الجامعات المصرية والسورية واللبنانية والأردنية، تشكلت لجان لدعم المقاومة الفلسطينية، وخرجت مظاهرات حاشدة ضد الاحتلال. وفي الستينيات، كانت الجامعات العربية ساحات للجدل حول استراتيجية تحرير فلسطين، بين من يؤمن بالحل السياسي ومن يدعو إلى الكفاح المسلح. ولم تكن فلسطين مجرد قضية تضامن، بل كانت الإطار الذي أعاد تعريف الطالب العربي لذاته، من متعلم داخل حدود الدولة، إلى فاعل داخل فضاء الأمة. فهي القضية التي حوّلت الوعي الطلابي من وعي معرفي إلى وعي كفاحي. حتى اليوم، ورغم تراجع الوعي القومي في بعض الأوساط، تظل فلسطين القضية الأكثر حضوراً في الحراك الطلابي العربي. ففي كل عدوان على غزة، تعود الحركة الطلابية إلى الواجهة، وتنظم الفعاليات التضامنية، وتذكر العالم بأن فلسطين ليست قضية عابرة، بل هي جوهر الضمير العربي.
ليس الطالب العربي وحده الذي واجه أزمة المعنى. ففي تجارب عالمية عديدة، كان الطالب فاعلاً تاريخياً في لحظات التحول الكبرى. في أوروبا، كانت حركة الطلاب عام 1968 نقطة تحول في الثقافة والسياسة، حيث طالب الطلاب في باريس وبرلين وروما بتحرير التعليم من النخبوية، وربطه بقضايا العدالة الاجتماعية. وفي أميركا اللاتينية، كان الطلاب في طليعة النضال ضد الديكتاتوريات في الأرجنتين والبرازيل وتشيلي، وشاركوا في تأسيس حركات سياسية أثرت في مسار القارة. وفي آسيا، كانت الحركات الطلابية في كوريا الجنوبية (1980) وتايوان (1990) رافعة للتحول الديمقراطي. وفي أفريقيا، ساهم الطلاب في نضالات التحرر الوطني في جنوب أفريقيا ضد الأبارتايد، وفي نيجيريا ضد الحكم العسكري.
هذه التجارب تقدم دروساً مهمة، في أن الطالب لا يغير واقعه بمفرده، بل في سياق تحالفات مجتمعية أوسع، وأن النضال من أجل التعليم ليس منفصلاً عن النضال من أجل العدالة الاجتماعية. كما تؤكد أن الطالب العربي، إذا ما امتلك الوعي والأدوات، قادر على أن يكون فاعلاً في صناعة التاريخ، كما كان في لحظات ازدهاره. غير أن ما يميز الحالة العربية، هو أن الطالب لم يفقد فقط فضاء الفعل، بل فقد أيضاً الإطار الجامع الذي يمنح فعله معنى تاريخياً، وهو ما يجعل استعادة دوره أكثر تعقيداً، لكنها في الوقت ذاته أكثر إلحاحاً. ومن هنا، فإن إعادة توظيف الطالب في المشروع القومي تمر عبر ثلاث مسارات متكاملة تتمثل في إعادة الاعتبار لدور الجامعة كفضاء للنقاش الحر، وبناء حركات طلابية واعية تتجاوز القطرية نحو الأفق القومي، وربط التخصصات العلمية بقضايا التنمية والتحرر، بحيث يصبح الطبيب والمهندس والاقتصادي جزءًا من مشروع نهضوي، لا مجرد فاعل في سوق العمل.
وفي النهاية، فإن السؤال لا يتعلق بقدرة الطالب العربي، بل بقدرة الأمة على اكتشافه من جديد. فكل طاقة لا تُوظف، تتحول إلى عبء، وكل وعي لا يجد طريقه إلى الفعل، يتحول إلى اغتراب. إن الطالب العربي ليس مستقبل الأمة فقط، بل حاضرها الممكن. وإذا كان المشروع القومي قد تعثر في مراحل سابقة، فإن أحد مفاتيح استعادته يكمن في هذه الشريحة التي تقف على تخوم المعرفة والتاريخ معًا. فالتاريخ، في لحظاته الحاسمة، لا يُكتب فقط في مراكز القرار، بل في عقول الطلبة، حين يقررون أن المعرفة ليست غاية في ذاتها، بل طريق إلى الحرية.
فالطالب العربي اليوم، كما كان بالأمس، هو ابن لحظة تاريخية استثنائية. إنه ابن ثورات لم تكتمل، وأحلام لم تتحقق، ووعي لم ينضج بعد. لكنه أيضاً ابن أمة غنية بتاريخها، وواثقة من قدراتها، ومتشبثة بحقها في الحياة. إن إعادة الطالب إلى مركز الفعل القومي ليست مهمة وزارة التعليم وحدها، بل هي مشروع وطني شامل، يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ومؤسسات تعليمية متجددة، ونخباً واعية، وشعباً يؤمن بأن الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأضمن للمستقبل. فإذا كان المشروع القومي العربي يحتاج إلى قاعدة اجتماعية حاملة، فما من قاعدة أقوى من شباب متعلم، واعٍ، منتمٍ، قادر على حمل راية التغيير. وإذا كانت الأمة تبحث عن مستقبلها، فما من مكان أجدر بالبحث فيه من عقول طلابها، حيث تُصنع الأفكار، وتُزرع الأحلام، وتُكتب بدايات النهضة. إن الطالب العربي ليس مجرد مستقبل الأمة، بل هو لحظتها الممكنة المؤجلة. وإذا كان التاريخ لا ينتظر المترددين، فإنه أيضاً لا يُغلق أبوابه أمام من يملكون الوعي. وفي عقول الطلبة، حيث تتصارع الأسئلة الكبرى مع واقع مأزوم، تتشكل البدايات الحقيقية لكل نهضة. هناك، فقط، يبدأ التاريخ من جديد.
#الطالب_العربي #الفعل_التاريخي #الوعي_القومي #الجامعة_العربية #فلسطين_البوصلة #تحرر_المعرفة #الهدف #السيادة_الوطنية #أخبار_السودان #السودان_2026 #تفكيك_التمكين #ثورة_ديسمبر #النهضة_العربية #حقوق_الطلبة #العدالة_الاجتماعية #العروبة_والحداثة

Leave a Reply