تخريب المؤسسات التعليمية

صحيفة الهدف

أحمد مختار

(1)

إذا أردت أن تقتل شعباً، لا ترسل له جيشاً، فقط دمّر مدارسه، وأحرق مكتباته، وحوّل جامعاته إلى مخازن للسلاح. هل هذا ما حدث للتعليم في السودان؟

إن التخريب الذي أصاب مؤسسات التعليم لم يكن أضراراً جانبية للـ ح.رب، بل كان استهدافاً مباشراً؛ لأن الجهل هو الوقود الأرخص لكل الـ ح.روب، وسجل التدمير شمل كل المراحل من الروضة إلى الجامعة، والأرقام بمدارس الابتدائي والثانوي تصرخ بالمئات؛ في الخرطوم، وبحري، وأم درمان، ونيالا، والجنينة، والأبيض، سُوّي بعضها بالأرض. وانهدت السقوف على السبورت في الفصول، وهي آخر ما تبقى من مظاهر الدولة في بعض المناطق، التي صارت مسارح للعمليات الـ ح.ربية، وتحولت المئات إلى ثكنات عسكرية أو سكن للدعم السريع أو الجيش، أو ملاجئ للنازحين من الـ ح.رب، الفصل صار عنبر نوم، وكنبة التلميذ صارت سريراً لمقاتل، والطباشير استُبدل بفارغ الرصاص، المعامل نُهبت وبيعت خردة، ومكتبات مدارس أحرقت للتدفئة، والكمبيوترات لم يبق منها أثر.

(2)

الجامعات منكوبة، منها جامعة الخرطوم “الجميلة ومستحيلة” تحولت إلى ساحة قـ.تال، كلية العلوم نُهبت معاملها، مكتبة الجامعة العريقة التي تحوي مخطوطات لا تقدر بثمن تعرضت للحرق والنهب، جامعات دارفور وكردفان، جامعة نيالا، الفاشر، زالنجي، الدلنج؛ كلها أُغلقت، نُهبت، أو تحولت لمراكز إيواء. طالب الطب صار نازحاً، وجثة مشرحته صارت رماداً، ومعامل الكيمياء والفيزياء كارثة صامتة؛ هذه المعامل التي بُنيت بملايين الدولارات تحولت في بعض المناطق إلى مخازن سلاح وذخيرة، وانسكبت موادها في الأرض، مستشفى سوبا، مستشفى الخرطوم التعليمي، خرجت من الخدمة، لم يعد لطالب الطب مدرسة أو مستشفى يتدرّب فيها.

وحتى قبل الـ ح.رب الأخيرة كان الوضع مأساوياً؛ فمناطق كثيرة، المدارس الموجود فيها عبارة عن رواكيب أو تحت ظلال الأشجار؛ لا معامل، لا مكتبات، لا حمامات، لا طباشير. بعد الـ ح.رب زاد الطين بلة؛ السيانيد والزئبق يحاصران ما تبقى من مدارس، فكيف نطلب من طفل أن يُركّز في جدول الضرب وهو يستنشق بخار الموت؟

(3)

فالنتيجة واضحة: ضياع الأصول؛ لأن بناء مدرسة يكلف ملايين، وإعادة تأهيل الجامعات يحتاج مليارات وسنوات عديدة في العمل، وضياع الوثائق وسجلات الطلاب وشهاداتهم قصة أخرى، والأرشيف في الكثير من المؤسسات الحساسة حُرق أو بُعثر وعبث به أيادي المجرمين. وهذا يعني أن أجيالاً كاملة ليس لديها إثبات أنها درست الجامعة أو الثانوي، ومع ذلك ضاع الرمز، وهو المدرسة التي كانت رمز الدولة الوحيد في القرى والبوادي؛ حين تتهدم، تعطي رسالة سالبة للمواطن أن الدولة لم تعد موجودة.

وتأثر 19 مليون طفل بالـ ح.رب وبقاء 16.5 مليون خارج أسوار المدارس أكبر من كارثة؛ لأن إعادة بناء منهج قد يأخذ 5 سنوات، وإعادة تأهيل معلم تأخذ 10، لكن إعادة بناء تعليم منهار ومؤسساته مهدّمة قد يحتاج 30 عاماً.

(4)

الحل يبدأ من اعترافنا بحقيقة الدمار الذي جرى، وأن نثق في قدراتنا على إعادة الإعمار وبأولوية مطلقة للتعليم؛ أي جنيه يدخل خزينة الدولة بعد الـ ح.رب يذهب للتعليم قبل القصر الجمهوري. ونفير شعبي في كل قرية لبناء “راكوبة” كمدرسة ولا تنتظر الحكومة، وصندوق من المغتربين؛ كل مغترب يتكفل ببناء فصل واحد، وكل 10 مغتربين عليهم بناء مدرسة؛ هذا دين للوطن عليهم، وسن قانون يجرّم تخريب المدارس باعتبارها “خيانة عظمى”؛ لأنها كذلك. والجامعات التي صارت ثكنات يجب أن تعود منارات للمعرفة والبحث العلمي، والمعامل التي صارت مخازن سلاح يجب أن تعود لصناعة الدواء والتدريب المستمر.

#السودان #تخريب_التعليم #مستقبل_السودان #التعليم_حق #جامعة_الخرطوم #لا_للـحـ.رب #السيادة_الوطنية #ملف_الهدف_الطلابي #إعادة_الإعمار #الحركة_الطلابية #حق_التعليم #تدمير_الجامعات #جيل_بلا_تعليم #السودان_ينتصر_بالعلم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.