الشهادة السودانية هي إحدى تجليات الوحدة الوطنية

صحيفة الهدف

م. الطيب مختار

ظلت الشهادة السودانية ولا زالت تمثل فخرًا واعتزازًا لمن يحملها، تميزت بعلو كعبها على رصيفاتها في الدول المحيطة. لها وزنها الأكاديمي المميز لمن ينال شرف نيلها، وهو يعتز بها في العواصم العالمية، فهي نتاج عملية تعليمية معقدة في مراحل مختلفة، لكل مرحلة سماتها التي تميزها عن التي قبلها، فهي نقطة تحول ما بين التعليم وبحوره، يحدد فيها الطالب مصيره المهني في بقية حياته حسب مؤهله الأكاديمي وصبره واجتهاده.

لم تكن الشهادة مجرد تحصيل أكاديمي فقط، بل كانت حدثاً مجتمعياً فريداً، فكانت الدواوين والمراجعات المشتركة للطلاب تمثل رابطة اجتماعية بين الطلاب تمتد بمدى الحياة، والأسر تتبارى في تسهيل بيئة قراءة مناسبة للطلاب، فيسهرون معهم ويقدمون لهم ما يعينهم على السهر والمثابرة، فكانت غرف المذاكرة والدواوين هي محلات يُمنع فيها الاقتراب إلا لأهل الشأن، فالشاي والقهوة والتمر والطحنية تأتي من حيث لا تدري، يشارك فيها الجدود والحبوبات والأعمام والخيلان بالإضافة للأسرة الصغيرة. ومركز الامتحانات هو الآخر يمثل حركة اجتماعية فريدة، ولا حديث للقرى والمدن في كل البلاد خلال فترة الامتحانات إلا بها، فالحبوبة تدرك أن كيمياء هذا العام أصعب من كيمياء العام السابق.

إن الشهادة السودانية خلال الأعوام السابقة تمر بتحديات عظيمة تهدد مكانتها السامية وموقعها الأكاديمي ودورها الاجتماعي وما تمثله.. والدور الوطني الذي كانت محافظة عليه. فأول هذه التحديات محاولة سلب دورها الوطني الذي ظلت تلعبه، فهي كانت رمزاً للوحدة الوطنية في أبهى صورها، فالامتحان موحد لكل الطلاب في البلاد في شهر موحد وتوقيت واحد، فطالب الشرق والشمال والوسط والجنوب كلهم يجلسون في ساعة واحدة في بيئة متساوية كحدها الأدنى، وتذليل كل المعوقات لضمان جلوس كل الطلاب للامتحان.

فالتحدي الأكبر الذي تجابهه الشهادة السودانية هو تحدي الـ ح.رب، فالـ ح.رب بين الطرفين غير المسؤولين وطنياً أدت لـ قـ.تل المواطن وتشريده وتخريب البنية التحتية للدولة، فأخذ التعليم حظه الأوفر من هذا التدمير، فانهارت العملية بأكملها وهُدمت مدارس وجامعات، بل شُكك في دورها الوطني نتيجة استيلاء كل طرف على مناطق، مما جعل إمكانية الامتحان الموحد صعبة في ظل تعنت طرفي الـ ح.رب، ويكون الضحية هو الطالب وتحصيله، فعلى طرفي الـ ح.رب التحلي بالمسؤولية ووقف الـ ح.رب بدون شروط مسبقة، وإن كان لا بد من التعنت، فمطالبون بلجنة مشتركة للتنسيق لامتحان مشترك أسوة بما تم من اتفاق حول مناطق وموارد معينة، فالأولى الآن إرجاع هيبة الشهادة السودانية من خلال تنسيق لجنة أكاديمية وفنية.

يمثل تحدي عدالة الشهادة السودانية ونزاهتها من خلال سمعة الشهادة الخارجية؛ يظل هذا التحدي مهدداً خطيراً يؤدي لنسف تلك السمعة المكتسبة والتشكيك فيمن يحملها، وفي ظل ما يتواتر عبر الوسائط وما يُناقش في الجلسات الاجتماعية، يعني أن الأزمة وصلت لمرحلة خطيرة تتطلب المعالجة العاجلة والمسؤولية المشتركة بين الدولة والأستاذ والطالب والمجتمع.

فعلى الدولة إعادة النظر في التعليم عموماً ووضع لجان مختصة من شأنها استرجاع هيبة التعليم والمناهج الدراسية المتطورة المتناسبة مع أعمار الطلبة والمراحل.. وإعادة النظر في لجنة الامتحانات ونظام المراقبة وطرق توصيلها للمراكز، واختيار المراكز بعناية وتدقيق، سواء مراكز الداخل أو المراكز في الخارج، ووضع معالجات جذرية لأزمة المرتبات للأساتذة بما يتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي، فالمطالبة بإلزامية ومجانية التعليم هي خطوة في الحل المنشود والمحافظة على دور الأستاذ في التربية والتقويم، فالأستاذ يظل قدوة للطلبة بهيبته وأمانته وسمو أخلاقه، فلنحافظ على هذا الإرث المكتسب.

فتظل امتحانات الشهادة هي أمانة في رقبة الدولة والأستاذ والمجتمع ليؤدي كل منهم مسؤوليته حتى نستعيد ما يمكن إعادته لنحقق العدالة في الامتحانات ليكون الرضاء التام للطلاب وأسرهم، ونحاكم كل من يتهاون بالمساس بامتحانات الشهادة فهي رمز وحدة البلد وسيادتها. فالأزمة أزمة وطنية شاملة، والتعليم وامتحانات الشهادة هي إحدى تجليات تلك الأزمة، فتظل السلطة المدنية الديمقراطية التقدمية المنتخبة هي المعالجة الجذرية لتلك الأزمة، فالحلول الجزئية مطلب مرحلي نعمل عليه غير متناسين للحل الجذري.

#السودان #الشهادة_السودانية #الطيب_مختار #التعليم_في_السودان #الوحدة_الوطنية #لا_للـحـ.رب #السيادة_الوطنية #ملف_الهدف_الطلابي #مستقبل_السودان #المعلم_السوداني #تحديات_التعليم #قضايا_وطنية #السودان_المدني #السيادة_والاستقلال

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.