حين تتحول الوظيفة العامة إلى فوضى: قراءة في أزمة التخطيط البشري وانهيار الدولة السودانية

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

ليست أزمة السودان اليوم مجرد حرب تدور بين طرفين، ولا مجرد انهيار اقتصادي أو أمني عابر، بل هي في جوهرها أزمة دولة فقدت قدرتها على التفكير الكلي، وتحولت فيها الإدارة من مشروع وطني شامل إلى إجراءات متفرقة، ومراكز قوى متنازعة، وقرارات تُصنع بلا رؤية استراتيجية.

والوثيقة المتداولة للقرار رقم (37) لسنة 2026، الخاصة بتكوين لجنة لمتابعة توظيف المعلمين بولاية الجزيرة، ليست حدثًا إداريًا بسيطًا يمكن المرور عليه بلا انتباه، بل هي نافذة تكشف خللًا أعمق في بنية الدولة السودانية: كيف تُدار الموارد البشرية؟ ومن يخطط لها؟ وما طبيعة العلاقة بين الوظيفة العامة والتنمية والاستقرار الوطني؟

إن أخطر ما فعلته سلطة الحركة الإسلاموية في السودان أنها لم تُدمّر السياسة فقط، بل أضعفت فكرة الدولة ذاتها. فالدولة الحديثة لا تقوم على الولاءات، ولا على التعيينات الجزئية، ولا على المعالجات الإسعافية، وإنما تقوم على التخطيط الاستراتيجي الشامل، خصوصًا في إدارة الإنسان بوصفه أهم مورد يمتلكه الوطن.

في التجارب الحديثة، تُبنى سياسات التوظيف وفق رؤية قومية مرتبطة بحاجات الاقتصاد والتعليم والتنمية والتوزيع السكاني وخطط الإنتاج المستقبلية. أما حين تتحول كل ولاية إلى “دولة صغيرة” تُوظف بمعزل عن المركز، وتضع سياساتها بعيدًا عن التخطيط القومي، فإن النتيجة الحتمية تكون:

– تضخم إداري في مناطق،

– عجز حاد في مناطق أخرى،

– اختلال في توزيع الكفاءات،

– اتساع نطاق المحسوبية والفساد،

– وإهدار مالي وبشري واسع.

إن الموارد البشرية ليست بندًا إداريًا، بل قضية سيادية واستراتيجية. فالمعلم والطبيب والمهندس والعامل ليسوا مجرد موظفين، بل هم أدوات بناء الدولة والمجتمع. ولهذا فإن ترك التوظيف للاجتهادات المحلية المعزولة، دون قاعدة بيانات قومية، ودون رؤية اقتصادية وتنموية موحدة، يعني عمليًا تفكيك الدولة من الداخل.

لقد أدت سنوات حكم الإسلامويين إلى تحويل الخدمة المدنية من مؤسسة وطنية إلى ساحة تمكين سياسي وتنظيمي. فتم إضعاف الكفاءات، وتفكيك المؤسسات، وربط الوظيفة العامة بالولاء لا بالكفاءة. ومع مرور الوقت، تآكلت الدولة حتى أصبحت عاجزة عن إدارة أبسط الملفات: التعليم، الصحة، الاقتصاد، والأمن.

ولم تكن الحرب الحالية انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لهذا الانهيار الطويل. فالدولة التي تفشل في إدارة مواردها البشرية تفشل بالضرورة في إدارة جيشها واقتصادها وعلاقاتها الاجتماعية. وحين يغيب التخطيط تحضر الفوضى، وحين تتحول المؤسسات إلى أدوات نفوذ يصبح الصراع المسلح امتدادًا طبيعيًا للصراع داخل بنية السلطة نفسها.

إن ما يحدث اليوم في السودان يجب أن يدفع إلى إعادة التفكير في معنى التخطيط الاستراتيجي العربي كله، لا السوداني فقط. فالأمة العربية تمتلك ثروات بشرية هائلة، لكنها تُهدر بسبب غياب المشروع التنموي القومي الشامل. وما لم تُربط سياسات التعليم والتوظيف والإنتاج بحاجات الأمة ومستقبلها، ستظل الدولة العربية تعاني من البطالة والهجرة والانهيار المؤسسي مهما امتلكت من موارد.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط مع الحرب، بل مع العقل الذي أنتجها: عقل التجزئة، والتمكين، والإدارة العشوائية، وغياب الرؤية القومية. ولذلك فإن وقف الحرب لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق سياسي بين أطرافها، بل يجب أن يكون بداية لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة:

– دولة الكفاءة لا الولاء،

– دولة التخطيط لا الارتجال،

– دولة المؤسسات لا المليشيات،

– دولة الرؤية القومية لا المصالح الضيقة.

إن السودان اليوم بحاجة إلى جبهة شعبية عريضة للتغيير والديمقراطية، وإلى كتلة تاريخية تعيد الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية المرتبطة بمحيطها العربي، والقائمة على العدالة الاجتماعية والتخطيط العلمي والتنمية الشاملة. فالأمم لا تنهار فقط حين تُقصف مدنها، بل تنهار قبل ذلك حين تفقد قدرتها على إدارة الإنسان بوصفه قيمة ومشروعًا ومستقبلًا.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.