علي الدوش
في شمال السودان، حيث مروي وكريمة ونوري وتنقاسي والقرير ومناطق منحنى النيل، تتشكل الحياة حول الزراعة بوصفها عمود الوجود ومصدر الكرامة. في مفردات الحياة اليومية، تعلّم هذا المجتمع كيف يطوّع الأرض الجافة ويحوّلها إلى واحات خضراء، لكنه أصبح -بعد إنشاء الخزان- يعتمد اعتماداً شبه كامل على الكهرباء القادمة من “سد مروي” لتشغيل طلمبات الري واستخراج المياه من باطن الأرض وسقي المحاصيل على مدار العام. ومع كل انقطاع للكهرباء لا ينطفئ الضوء فحسب، بل تتعطل دورة الحياة كاملة من الحقل إلى السوق، لتتفاقم المعاناة أمام أعين النافذين.
فالزراعة هنا ليست نشاطاً اقتصادياً فقط، بل هي منظومة حياة متكاملة تضمن للمواطن غذاءه واستقراره؛ حيث تنتج الحقول محاصيل أساسية كالقمح والفول المصري شتاءً، والذرة صيفاً، بجانب الخضروات كالطماطم والبطاطس والبامية، مما يشكل “أمناً غذائياً مباشراً” يقلل الاعتماد على الأسواق البعيدة وتكاليف المعيشة المرهقة.
كما تشتهر المنطقة بالأشجار المثمرة التي تمثل مصدر دخل مستقراً، كالنخيل والمانجو والليمون والجوافة. هذه الأشجار تحتاج إلى ري منتظم لا يتحقق إلا بالكهرباء، وعند انقطاعها تتعرض للجفاف والتلف، مما يعني خسائر طويلة المدى لا تُعوض بسهولة. ولا تقف الفائدة عند النبات، بل تمتد إلى الثروة الحيوانية التي تعتمد على الأعلاف المزروعة كالبرسيم، ومنها يُنتج الحليب ومشتقاته التي تدعم الاقتصاد المحلي.
وفي جانب آخر، تمثل الكهرباء شريان الحياة لمزارع الدواجن؛ فأي انقطاع يؤدي إلى نفوق الطيور وخسائر مباشرة تؤثر على توفر البروتين الحيواني. كما أن المياه الصالحة للشرب تعتمد في كثير من هذه المناطق على الطلمبات الكهربائية، مما يجعل الكهرباء ضرورة يومية للحياة نفسها. ومع تزايد “الزراعة المنزلية” لدرء آثار مسغبة الحـ.ـرب العبثية، أصبح توفر الإمداد عاملاً حاسماً داخل البيوت التي تحولت إلى وحدات إنتاج صغيرة.
وتنشط حول هذا الإنتاج أسواق محلية مزدهرة تعتمد على استقرار الإمداد الكهربائي؛ فعند الانقطاع تتراجع الكميات المعروضة، وترتفع الأسعار، وتضعف القوة الشرائية، مما يخلق دائرة من الأزمة الاقتصادية تمتد من الحقل إلى المدينة. ولا يمكن إغفال دور العمالة الزراعية التي تعتمد في دخلها على استمرارية النشاط الزراعي؛ فكل خلل في الكهرباء يعني توقف الأعمال وفقدان مصادر الرزق.
إن الكهرباء في شمال السودان ليست مجرد خدمة، بل هي أساس الإنتاج واستقرار المعيشة. وإن استمرار القطوعات لا يهدد موسماً زراعياً فحسب، بل يهدد بنية مجتمع كامل؛ مما يجعل استقرار الإمداد أولوية وطنية لضمان الأمن الغذائي. حتى في المنزل الصغير، توفر الكهرباء وسيلة لحفظ الطعام وتقليل الاعتماد على الغاز الشحيح والغالي؛ فالكهرباء هنا هي العنصر الأساسي للحياة اليومية واستقرارها.
#السودان #شمال_السودان #سد_مروي #الزراعة #اقتصاد_السودان #أخبار_السودان #الكهرباء #الأمن_الغذائي #حـ.ـرب_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #التنمية_المستدامة #لا_للحرب

Leave a Reply