المحرّر الاقتصادي
في الظروف الطبيعية، يقوم الاقتصاد على مبدأ بسيط هو تعظيم الإنتاج وتحقيق الكفاءة، لكن في أزمنة الأزمات والحروب، يتغير هذا المنطق جذرياً ليظهر ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد النجاة”، حيث تصبح الأولوية القصوى هي للبقاء لا للنمو، ولتأمين الوجود لا لتراكم الأرباح.
في السودان، يبدو هذا التحول واضحاً وعميقاً؛ فالفاعلون الاقتصاديون -من أفراد وشركات- لم يعودوا يسألون: “أين الربح الأكبر؟”، بل صار سؤالهم الوجودي: “أين الخـ.ـطر الأقل؟”. هذا التحول الجوهري في الأولويات يعيد تشكيل مختلف جوانب النشاط الاقتصادي، بدءاً من قرارات الاستثمار والتشغيل، وصولاً إلى أنماط الاستهلاك اليومي المتقشفة.
ويتسم “اقتصاد النجاة” بعدة خصائص بنيوية، أبرزها:
-
انكماش الاستثمار: غياب شبه كامل للاستثمار طويل الأجل لصالح الأنشطة التجارية سريعة العائد.
-
تآكل الثقة: تراجع اليقين في استقرار السوق والعملة الوطنية.
-
كلفة المـ.ـخاطر: ارتفاع جنوني في التكاليف نتيجة لمـ.ـخاطر النقل والتأمين والجبايات غير القانونية.
-
الهجرة القطاعية: انتقال الأنشطة نحو قطاعات استهلاكية أولية أقل عرضة للمـ.ـخاطر، حتى وإن كانت أقل إنتاجية وفائدة للاقتصاد الكلي.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذا النمط، إذا استمر وتجذر، يخلق “حلقة مفرغة”؛ فضعف الإنتاج يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار المعيشي والأمني، وعدم الاستقرار بدوره يعمّق الانهيار الإنتاجي.
إن الخروج من هذه الدائرة الضيقة لا يتحقق عبر تحسين الأرقام والمؤشرات الجافة فحسب، بل يتطلب بالأساس استعادة “الثقة المؤسسية”. فالاقتصاد في جوهره ليس مجرد معادلات رياضية، بل هو كائن قائم على التوقعات؛ وعندما يتوقع الفاعلون أن المستقبل غير آمن، فإنهم يتصرفون بناءً على هذا التوقع، فيتحول الخـ.ـوف من الانهيار إلى واقع اقتصادي ملموس يسرع بوقوعه.
وعليه، فإن الانتقال من “اقتصاد النجاة” إلى “اقتصاد الإنتاج” يتجاوز مجرد إنهاء المـ.ـواجهات المسـ.ـلحة؛ إنه يتطلب إعادة بناء “الإحساس بالمستقبل”، لأن الاقتصاد لا يُبنى على معطيات الحاضر فحسب، بل على الإيمان بجدوى الاستثمار فيما هو قادم.
#السودان #اقتصاد_السودان #اقتصاد_النجاة #أخبار_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #حـ.ـرب_السودان #الإنتاج_الوطني #أزمات_اقتصادية #مستقبل_السودان #التنمية_المستدامة

Leave a Reply