في الاقتصاد التقليدي، تُقاس الثروات بما يُستخرج من باطن الأرض: نفط، ذهب، معادن. لكن في السودان، ظلّ هناك شكل آخر من الثروة، أكثر عمقًا وأقرب إلى حياة الناس: ثروة تمشي على أربع، تتنفس، وتنتقل، وتتأثر بالخوف قبل أن تتأثر بالسوق. إنها الثروة الحيوانية.
اليوم، لا يواجه السودان فقط أزمة إنتاج أو تراجعًا في الصادرات، بل يواجه ظاهرة أكثر خطورة: نزوح الثروة نفسها. لم تعد الأزمة في فقدان القيمة، بل في هجرة الأصل. لم تعد المشكلة في انخفاض الأسعار، بل في انتقال القطيع من جغرافيا الإنتاج إلى جغرافيا الأمان.
هذه ليست مجرد حركة رعوية طبيعية، بل تعبير اقتصادي عن اختلال عميق في بنية الدولة. فعندما تترك الثروة مناطقها التاريخية، فذلك يعني أن معادلة الأمن والإنتاج قد انهارت. الاقتصاد، في جوهره، يحتاج إلى الاستقرار قبل أن يحتاج إلى الاستثمار. وعندما يغيب الاستقرار، لا تتوقف عجلة الإنتاج فقط، بل تبدأ الأصول نفسها بالانسحاب.
الثروة الحيوانية في السودان ليست قطاعًا هامشيًا. هي أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، ومصدر رزق لملايين الأسر، ورافعة أساسية للصادرات غير النفطية. لكنها أيضًا، وهذا هو الأهم، تمثل نمط حياة كاملًا، يوازن بين الإنسان والأرض والماء والحركة. وعندما يُكسر هذا التوازن، لا نخسر قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل نخسر بنية اجتماعية كاملة.
ما يحدث اليوم هو انتقال قسري للثروة من مناطق النزاع إلى مناطق أكثر أمانًا، داخل السودان أو عبر حدوده. هذا الانتقال، وإن بدا في ظاهره حفاظًا على الثروة، إلا أنه يحمل في طياته خسائر مركّبة:
– خسارة في الإنتاج المحلي: لأن مناطق الإنتاج الأصلية تُفرَّغ من مواردها.
– ضغط على المناطق المستقبِلة: من حيث الموارد الطبيعية والخدمات.
– تفكك في سلاسل القيمة: من الرعي إلى التسويق إلى التصدير.
– ارتفاع في التكاليف: نتيجة النقل، وعدم الاستقرار، وفقدان البنية التحتية.
لكن الأخطر من ذلك كله هو التحوّل النفسي: حين يصبح الأمان هو المحدد الأول لمكان الثروة، وليس الكفاءة الاقتصادية. هنا يتحوّل الاقتصاد من نظام إنتاج إلى نظام نجاة.
تشير تقارير ميدانية إلى نزوح مئات الآلاف من رؤوس الماشية من مناطق دارفور وكردفان إلى ولاية القضارف وشرق السودان، بل وعبر الحدود إلى جنوب السودان وتشاد وإفريقيا الوسطى. لم يعد الراعي يبحث عن المرعى، بل يبحث عن أرض لا تنفجر فيها القنابل.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة نزوح الثروة الحيوانية بمعزل عن غياب الدولة بوصفها ضامنًا للاستقرار. فالدولة، في جوهرها الاقتصادي، ليست مجرد جهة تنظيم، بل هي حارس لشروط الإنتاج: الأمن، القانون، البنية التحتية، واستقرار الملكية. وعندما تغيب هذه الشروط، يصبح السوق عاجزًا عن تصحيح نفسه.
فالثروة الحيوانية ليست وحدها التي تهاجر؛ رؤوس الأموال هاجرت إلى بنوك خارجية، والكفاءات البشرية غادرت إلى مطارات الانتظار، والاستثمارات اتجهت إلى مناخات أكثر أمانًا. ما يحدث هو نزيف متعدّد الأوجه، تختزل فيه الثروة الحيوانية، الأكثر وضوحًا والأكثر قربًا من الأرض، مأساة وطن بأكمله.
السودان اليوم يواجه مفارقة قاسية: بلد غني بالموارد، لكنه يفقد قدرته على تثبيتها في مكانها. وكأن الثروة لم تعد تثق بالجغرافيا، ولم تعد تثق بالمؤسسات، فاختارت أن تثق بغريزة البقاء.
إن إعادة بناء هذا القطاع لا تبدأ فقط بإيقاف الحرب، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والثروة. المطلوب ليس حماية القطيع فحسب، بل حماية البيئة التي تجعله يبقى. ليس فقط دعم المنتج، بل إعادة بناء الثقة في المكان.
فالاقتصاد لا ينهار حين تقل الموارد، بل حين تفقد الموارد إيمانها بالبقاء. وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الاقتصادي سؤالًا سياسيًا بامتياز: كيف نعيد الثروة إلى أرضها؟ وكيف نجعل الأمان شرطًا دائمًا، لا حالة مؤقتة؟ لأن الثروة التي تهاجر اليوم قد لا تعود غدًا,, وحينها، لن نخسر قطاعًا اقتصاديًا فقط، بل سنخسر جزءًا من معنى السودان نفسه.

Leave a Reply