المقدمة :
ليس السياسيُّ مجرد إدارةٍ للشؤون، ولا هو حصيلةُ قراراتٍ تُتخذ في غرفٍ مغلقة. السياسي، في عمقه الفلسفي، هو سؤالُ الجماعة عن ذاتها في زمنٍ لم يعد يُجيبها فيه أحد. هو لحظةُ انكشاف المصير حين تستيقظ الأمة على وقع صفعةٍ لا تأتي من خارجها فقط، بل من داخلها الذي ظلت تظنه محصناً. وإذا كان التاريخ يكتب بقلم المنتصرين، فإن الحقيقة تنتظر دائماً أولئك القادرين على قراءة الهزيمة قراءةً تليق بعقل لا ينكسر.
أمامنا اليوم تقرير سياسي، ليس كسائر التقارير. إنه محاولة لفهم جذور لحظة عربية هي من أعقد اللحظات التي مرت بها الأمة منذ سقوط الخلافة. لحظةٌ تداخل فيها الدولي بالإقليمي، والوطني بالقومي، والاجتماعي بالاقتصادي، حتى بات من المستحيل فصل متغير عن آخر، أو عزل أزمة عن سياقها. هذا التقرير لا يقدم وصفاً ولا يكتفي برصد، بل يحاول أن يُنظّر للواقع، ويستشرف للخروج من النفق.
السياسي في ثقافتنا العربية، منذ النهضة، كان دوماً (رد فعل). لم نتعلم بعدُ كيف نكون (فعلاً تاريخياً)، يسبق الأحداث ويصنعها. وكأن قدرنا أن نظل في موقع المُجاب لا السائل، المُتأثر لا المؤثر. غير أن هذه اللحظة الراهنة، بكل تعقيداتها، قد تكون مختلفة. ليس لأن القوى الخارجية أضعف، بل لأن الجماهير العربية، للمرة الأولى منذ عقود، بدأت تتحرك من قاعدة الوعي لا من قاعدة الغضب فقط. وهذا الفارق جوهره الفلسفي هو أن تصير الحركة تعبيراً عن إرادة لا عن ردة فعل.
في هذا التقرير، التقرير السياسي من التقرير العام الصادر عن المؤتمر القومي الثالث عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، الذي انعقد في يناير/ كانون الثاني تحت شعار: ( استنهاض الأمة والثبات على العهد النضالي والوفاء لشهداء الحزب والأمة )، الذي تنشره صحيفة الهدف تباعاً في ثلاث حلقات، نفتح ملف المتغيرات الدولية والإقليمية كما لم نفتحه من قبل.
لا كمن يقرأ صحيفة، بل كمن يشري جسد الوطن والامة ليرى أين الطعنات. وأي علاج يبدأ دون تشخيص؟ وأي نهضة تبنى دون اعتراف بالمرض؟
نحن لا ندعي امتلاك الحقيقة، بل نبحث عنها. ولا نزعم أن أوراقنا خالية من الخطأ، بل نؤمن أن الخطأ في طريق الصواب خير من السكوت في طريق الهاوية.
ولهذا نضع هذا التقرير بين يدي جماهير الأمة وقواها الحية، وقيادات حزب البعث وتنظيماته أينما وجدت، مستبشرين بكل ملاحظة، منفتحين على كل نقد، لأن الحوار هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة، والثقة هي أول خطوات الفعل.
وثائق المؤتمر القومي الثالث عشر- يناير 2026
التقرير السياسي
الحلقة الثانية
- الوضع القومي العربي – أزمات ضاغطة وصراعات داخلية مفتوحة: الأوضاع القومية بعد المؤتمر القومي الثاني عشر: شهدت الأوضاع القومية خلال العقود الثلاثة الأخيرة تطورات متسارعة برزت على مستويين اثنين:
الأول: داخلي في ظل انكشاف وظيفة الدولة القطرية ومعها النظام الإقليمي العربي.
الثاني: خارجي في ظل انكشاف المجال القومي أمام كثافة وتزاحم الاختراقات الدولية والإقليمية.
تطورات الأوضاع العربية الداخلية بين تعثر وظيفة الدولة القطرية وانكشاف النظام الإقليمي العربي. بعد مرور ما يقارب الثلاثة أرباع القرن على قيام النظام الإقليمي العربي بمجموع دوله الاثنين والعشرين المنضوية في عضوية جامعة الدول العربية، وجدت هذه الدول نفسها ومعها النظام الإقليمي برمته أنهما باتا أمام أزمة بنيوية عميقة برزت على مستويات ثلاثة:
الأول: تعثر وظيفة الدولة القطرية.
الثاني: اختلال بنيوي في بنية الدولة القطرية.
الثالث: انكشاف الدولة القطرية ومعها كامل النظام الإقليمي العربي.
الأول: تعثر وظيفة الدولة القطرية العربية: إن تعثر وظيفة الدولة القطرية برز من خلال خمسة مظاهر:
1- الإخفاق شبه الشمولي للدولة القطرية في سياساتها الإصلاحية والتنمية الداخلية في مجالات الإدارة المؤسساتية، والاقتصاد والاجتماع والتربية والتنمية البشرية المستدامة، وما كان استثناء لهذه الشمولية لم يسلم من الضغوطات التي مارستها القوى المعادية للأمة.
2- تعثر التفاعل الإيجابي بين القطري والقومي في أداء الدولة القطرية وترابطاتها في إطار نظامها الإقليمي العام سكانياً واقتصادياً واجتماعياً وعلاقات بينية على اختلافها.
3- تحول المنظمات الحاكمة في الغالبية العظمى من الدول العربية إلى طبقة سياسية – اجتماعية رابعة هي طبقة النظام نفسه.
4- تحول المنظمة الحاكمة في معظم الدول القطرية العربية إلى عصبية قرابة حاكمة (قبلية، عشائرية، طائفية، أسرية).
5- سيادة الأوتوقراطية الحاكمة على حساب الديمقراطية التي تقوم على أساس تداول السلطة بمؤسساتها التنفيذية والتشريعية.
6- تجاوز المبدأ الدستوري الذي ينص على الفصل بين السلطات وفي أحسن الأحوال عدم احترام أحكامه.
الثاني: تطور مجتمع الدولة القطرية على قاعدة أزمة بنيوية: لقد تجلت مظاهر أزمة مجتمع الدولة من خلال:
1- انسداد آفاق الطبقة الوسطى الاجتماعية التي يتوقف على دورها تأمين التوازن الاجتماعي في البنية المجتمعية وانهيار بعضها في بعض الدول.
2- اتساع مساحة التهميش للشرائح الاجتماعية الدنيا، بسبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة والهجرة (50% من السكان العرب يحصلون على نصيب أقل من 20% من الدخل الوطني، في حين أن أقل من 20% يستأثرون بأكثر من 50% من هذا الدخل).
3- تغييب واختزال قوى المجتمع المدني (أحزاب، روابط، هيئات ونقابات ومنظمات غير حكومية).
الثالث: انكشاف الدولة القطرية ومعها النظام الإقليمي العربي برمته: جاء انكشاف الدولة القطرية في النظام الإقليمي العربي كنتيجة طبيعية للانكشاف القومي الذي تعرضت له الأمة وخاصة بعد احتلال العراق، وكنتيجة للتغير المستمر في الوظيفة الأدائية للدولة القطرية من جهة، وتفاقم الاختلالات المجتمعية من جهة أخرى.
لقد برزت مظاهر الانكشاف في أكثر من دولة عربية منذ بداية القرن الحالي، وراحت تتفاقم حتى بلغت حد الانفجار الداخلي عبر صراع متعدد الأشكال الذي تتوالى فصوله في العديد من الساحات. وقد تجلى هذا الانكشاف تحت العناوين التالية:
1- الانكشاف السكاني: صحيح أن المجتمعات العربية تتميز بمعدلات نمو سكاني مرتفعة، وبثورة شبابية لجهة غلبة عنصر الشباب وصغار السن في التركيب الهرمي لمعدلات الأعمار، إلا أن الدول العربية، بمعظمها فشلت في استثمار ثروتها البشرية، الأمر الذي أدى إلى بطالة مرتفعة وتزايد نسبة السكان تحت خط الفقر، بحيث أشار دليل التنمية البشرية المستدامة إلى انخفاض متوسط التنمية المستدامة في الوطن العربي إلى 0.680 مقابل المتوسط العالمي 0.740، ومتوسط البلدان الصناعية 0.923.
2- انكشاف الأمن الغذائي: لقد تجلى انكشاف الأمن الغذائي، ببروز فجوة قطاعية مستمرة بين القطاعات الإنتاجية (صناعية، زراعية، تجارة وخدمات)، الأمر الذي أدى إلى زيادات كبيرة في المستوردات الغذائية، مقابل قدرات إنتاجية ضعيفة ومحدودة. وبذلك، فإن فجوة الغذاء استمرت ظاهرة متفاقمة في غالبية الدول العربية دلت عليها معدلات الزيادة السنوية في أعداد الجياع العرب بمعدل نصف مليون جائع (2000-2010)، وملايين الجياع في ظل الحروب الأهلية والصراع الذي انفجر في أكثر من ساحة عربية منذ 2011 وحتى تاريخه.
3- الانكشاف الاقتصادي: تجلت سمات هذا الانكشاف في المظاهر التالية:
– غلبة نمط الاقتصاد الاستهلاكي وتبعية اقتصادية للخارج.
– هيمنة قطاع الخدمات في أكثر من دولة عربية على القطاعات الإنتاجية الرئيسية.
– عجز دائم في الموازنات المالية العربية حتى في دول مجلس التعاون الخليجي.
– اقتصاد مدين ومديونية عالية.
– تدني حجم الناتج المحلي الإجمالي في الأقطار العربية.
4- الانكشاف العلمي: تبدو مظاهر هذا الانكشاف من خلال:
– بطء تحويل العلوم الأساسية إلى علوم معرفية في الإنتاج (علوم نظرية في الغالب).
– تدني الإنفاق على البحوث والتطوير العلمي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي (أقل من 1%) في الغالبية العظمى من الأقطار العربية.
– ارتفاع مؤشر هجرة الأدمغة العربية إلى الخارج.
5- الانكشاف الاجتماعي: إن الانكشاف الاجتماعي برز من خلال:
– فشل ملفت لوظيفة الدولة في مجالات التنمية البشرية وفي وظيفتها الحمائية والرعائية لدى الغالبية العظمى من الدول العربية، وأيضاً في مكافحة الفقر والأمية والبطالة والهجرة.
– فشل المنظومات الحاكمة في الدول العربية في توفير حلول ديمقراطية للتنوع والتعددية في التكوين المجتمعي العربي باستثناء الحالة العراقية في ظل الحكم الوطني الذي كان يديره الحزب، عبر منح الأكراد حكماً ذاتياً استناداً إلى بيان 11 آذار 1970.
– تحول الطبقة السياسية الحاكمة للدولة إلى منظومة تسلطية على مرفق الدولة ومؤسساتها ونهب ثرواتها الاقتصادية والمالية.
6- الانكشاف السياسي: إن أبرز مظاهر هذا الانكشاف تجلت في:
– سيادة النمط “الخليفي” كمفهوم تاريخي امتدادي إلى العصر الحديث وهيمنته على الثقافة السياسية للمنظومات الحاكمة.
– ترجمة هذا النمط بآليات التوريث والتأييد السلطوي في الغالبية العظمى من الدول العربية.
– تراجع مساحة “الشرعية” للنظام السياسي الحاكم، دلت على ذلك المشاركة الضئيلة في الانتخابات التي تجري في بعض من الدول العربية وفي كل مرة كان يعاد فيها إنتاج السلطة الحاكمة.
– مأزق ممارسة الديمقراطية في الدول العربية، حيث طغت عليها المظهرية الشكلية على حساب المشاركة الشعبية الحقيقية في إنتاج السلطة والنظام السياسي للدولة.
– تراجع الالتزام بالقضايا القومية، لاسيما القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية للأمة، وكذلك قضية العراق التي ارتقت حد القضية المركزية بالنسبة للأمن القومي العربي، وقضايا أخرى برزت على درجة كبيرة من الأهمية في ظل الصراع الدائر في الأمة العربية وعليها خاصة بعد الحربين اللتين شنتا على العراق وبروز أزمات بنيوية في أكثر من ساحة عربية ومعه بدأت المجاهرة بشعار “القطر أولاً”.
وفي الاستنتاج، فإن النظام العربي المعاصر بمجموع دوله القطرية المنضوية في إطار جامعة الدول العربية، دخل القرن الواحد والعشرين وهو على درجة عالية من الانكشاف على كل المستويات السياسية والاقتصادية والسكانية والاجتماعية والعلمية، وهو ما كان سبباً لانفجار سلسلة من الحروب التي تداخلت فيها الأسباب والأطراف الداخلية بالأسباب والأطراف الخارجية وفي أكثر من دولة عربية، وإن هذه الحروب ما تزال تتواصل فصولاً بسبب تعقيدات الأزمات الداخلية ذات الطبيعة البنيوية ودخول قوى دولية وإقليمية على خط هذه الأزمات وبما مكنها من تعزيز حضورها السياسي والعسكري والأمني وتقديم نفسها كأطراف مؤثرة في مخرجات الحلول السياسية.
إن الذي جعل العامل الداخلي يتراجع أمام العامل الخارجي بطرفيه الدولي والإقليمي، هو أن الدول الطامعة بمقدرات الوطن العربي تنطلق في تعاملها مع الواقع العربي باعتباره وحدة بشرية تتوفر فيها كل مقومات الوحدة والتقدم، وعلى أساس هذا التقدير ترسم استراتيجياتها الشمولية، فيما العرب يتعاملون مع هذه الاستراتيجيات برؤى تتحكم بخلفياتها النوازع والمصالح القطرية. وهذا ما أدى إلى نتيجتين:
الأولى: إن القوى والمواقع العربية التي شخصت بدقة طبيعة وأبعاد واستهدافات الاستراتيجيات المعادية للأمة العربية، وطرحت مواجهة هذه الاستراتيجيات بخلفية الرؤية القومية، كانت عرضة للاستهداف المعادي المركز، وما تعرضت له مصر في الحقبة الناصرية والعراق في ظل الحقبة البعثية خير شاهد على ذلك.
الثانية: إن ميزان القوى في صراع الأمة العربية مع أعدائها بقي مختلاً لمصلحة مشاريع القوى المعادية، لأن قوى المشروع القومي العربي ذي الأبعاد الوحدوية والمضامين التحررية كانت تقاتل على جهتين: جبهة أعداء الخارج من قوى دولية وإقليمية، وجبهة أعداء الداخل من قوى اعتبرت أن الوحدة تنهي امتيازاتها ومنافعها السلطوية.
ولهذا تلاقت مصالح قوى الخارج الدولي والإقليمي مع مصالح قوى الداخل التي وجدت في تثبيت نهائية التجزئة للواقع العربي حماية وإدامة لمصالحها، وهذا التالي عبر عن نفسه في أكثر من ترجمة عملية، كما في الموقف المعادي لكل عمل وحدوي، وفي الاشتراك العملي في الحروب التي شنت ضد المواقع العربية التي تربط بين أهداف التحرير والتغيير وتخوض نضالها على أرضية مشروع سياسي قومي بأبعاده التحررية بمضامينه، وما تعرض له العراق نموذجاً. وإنه في سياق الصراع المفتوح مع الأمة من قبل القوى التي تتناسب مع العداء على اختلاف مواقعها ومشاريعها الفكرية والسياسية، كان الوطن العربي الذي تنعكس عليه بسرعة التبدلات الحاصلة في النظام الدولي يخوض صراعات حادة لأجل خلق الوقائع التي يتم بالاتكاء عليها تكييف الوضع العربي مع المتغيرات الدولية والإقليمية.
لقد أدى قيام النظام الدولي الذي أفرزته الحرب العالمية الثانية إلى جعل الواقع العربي ينوء تحت وطأة قضية قومية تمثلت باغتصاب فلسطين التي حددت موقعها في صلب قضايا النضال العربي بأنها القضية المركزية للأمة، انطلاقاً من وعي بأن فلسطين لم تكن مستهدفة لذاتها، وإنما الأمة العربية برمتها إنفاذاً لمقررات مؤتمر كامبل بانرمان ووعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو. كما أدى سقوط النظام الدولي الذي أفرزته الحرب الكونية الثانية والذي كان قائماً على الثنائية القطبية إلى تفلت القطب الأميركي من كل الضوابط التي كانت تفرضها ظروف الحرب الباردة وكان أبرز تداعياته على الصعيد العربي احتلال العراق وإسقاط نظامه الوطني، ومع هذا الاحتلال تشكلت معطيات قضية قومية مركزية ثانية للأمة، لأن استهداف العراق بالمقدمات التي سبقت الاحتلال والنتائج التي تمخضت عنه بيّنت أنه لم يكن مستهدفاً لذاته وحسب، وإنما الأمة برمتها.
إن هاتين القضيتين أصبحتا محوراً للحدث القومي الذي على ضوء النتائج المترتبة على سياق الصراع في ساحتيهما سيترك المصير القومي للأمة في المدى المنظور والبعيد. ومركزية هاتين القضيتين لا تعني أن الأمة العربية لا تواجه تحديات أخرى، بل ثمة قضايا أخرى يعاني منها الوطن العربي وتعوق تقدمه وارتقاءه في العلاقات البينية بين أقطاره، بدءاً من طبيعة الأنظمة السياسية التي تقوم على أساس التأبيد والتوريث السلطويين، إلى تغييب الممارسة الديمقراطية عن الحياة السياسية في الاجتماع السياسي العربي وصولاً إلى تركيب هرم الاقتصاديات العربية من صناعية وزراعية وتجارية على قاعدة الملاءمات القطرية على حساب الملاءمات القومية عبر المشاريع القومية التكاملية على صعد الإنتاج والتصنيع والاستهلاك. وإذا كان التقرير قد سلط الضوء على عناوين الانكشاف العربي بفعل العوامل الداخلية والخارجية، فإن قضيتي فلسطين والعراق، وبالنظر إلى الموقعين اللذين يشغلانهما في صلب القضايا العربية، يملي تناولهما بشكل خاص تحت عنوانيهما البارزين، قضية فلسطين وقضية العراق، فضلاً عن القضية السورية بعد المتغير الذي طرأ على معطى الوضع الداخلي وأدى إلى إسقاط النظام وانكفاء الدور الإيراني عن ساحة سورية.
القضية الفلسطينية:
في كل تقرير سياسي للحزب على المستوى القطري أو القومي، تحتل القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في سياقاته نظراً لكونها قضية تشكل اختصاراً مكثفاً لكل قضايا الأمة، فاحتلالها شكل ويشكل أحد عناوين الاستلاب القومي، وأحد عوائق الوحدة، وهو الذي يملي ربط الصراع الحالي بالتطور الذي طرأ على بنية النظام الاستعماري ودفاعه عما يعتبره مصالح حيوية كما يربطه بجذر تاريخي يحكمه بعدان:
الأول: يتعلق بالبعد السياسي حول اعتبار الاغتصاب الحالي تصحيحاً لوضع تاريخي أفقد اليهود دولة مزعومة في الزمن الغابر.
والثاني: يتعلق بالبعد الديني، وهي أن أرض فلسطين منحة من الله لبني “إسرائيل”. وبالتالي فإن احتلال فلسطين وإقامة كيان صهيوني على أرضها وطرد شعبها منها، ليس اغتصاباً بنظر الحركة الصهيونية بل هو إنفاذ لأمر إلهي من ناحية واسترداد لحق مستلب من ناحية ثانية.
إن هذه الثنائية في إسناد اغتصاب فلسطين لحق تاريخي وحق ديني مزعومين تم التقاطها من قبل المواقع المقررة في النظام الاستعماري يوم كانت ترسم لنفسها استراتيجية وراثة الرجل المريض الذي كانت تمثله السلطة العثمانية على مشارف أفول شمسها مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وقد وثقت أسس تلك الاستراتيجية في المقررات التي صدرت عن المؤتمر الاستعماري الذي استمرت التحضيرات له على مدى سنتين: من العام 1905 إلى العام 1907، وعرفت بمقررات مؤتمر كامبل بانرمان والتي نصت على ما يلي:
“على جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقته يعيش شعبٌ له من وحدة الأرض والتاريخ والدين والمصالح المشتركة كل مقومات الترابط والتقدم والوحدة. وفيه يكمن الخطر على الإمبراطوريات الأوروبية فيما لو توحد هذا الشعب. ولذا يجب العمل بشكل سريع لدرء الخطر الكامن في هذه المنطقة، وذلك بفصل جزئه الآسيوي عن جزئه الإفريقي، عبر زرع جسم غريب يكون صديقاً لنا (أي للدول الاستعمارية) وعدواً لسكان المنطقة، وعلى الجسر البري الذي يربط آسيا بإفريقيا وعلى مقربة من قناة السويس الشريان الحيوي لتجارتنا والطريق الأقصر إلى المياه الدافئة”.
هذه المقررات لم تبق حبراً على ورق، بل بدأ تنفيذ مراحلها الإجرائية، عبر الضغط الذي كانت تمارسه بريطانيا على السلطان العثماني بداية القرن العشرين لتسهيل عملية هجرة اليهود وشراء الأراضي في فلسطين، ومن ثم إعلان وعد بلفور بوطن قومي لليهود في فلسطين، وعلى أساسه حصلت بريطانيا على أن تكون فلسطين من نصيبها بموجب صك الانتداب الدولي استناداً إلى اتفاقية سايكس-بيكو.
بعد ما يزيد على نيف وقرن على الوعد المشؤوم، ونيف وستة عقود على اغتصاب فلسطين و”التشريع الدولي” لهذا الاغتصاب عبر منح العضوية للكيان الصهيوني في الأمم المتحدة، كان النظام الرسمي بغالبية دوله يعمل على تكييف أوضاعه للتسليم بوجود “إسرائيل” ككيان يستمد شرعيته من الاعتراف الدولي به ومن قرار التقسيم الأممي، ولهذا لم يكن هدف تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني على أجندة أهدافه بعديها الوطني والقومي. وقد تطور هذا الموقف بعد المحاصرة والاستهداف المعادي للمواقع العربية التي تنظر لقضية فلسطين بأنها قضية قومية بامتياز، وأخرها ما تعرض له العراق، إلى مغادرة الموقف الرسمي الذي أطلقته القمم العربية في القاهرة والدار البيضاء والرباط وبغداد في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى مواقف يغلب عليها الطابع الاستسلامي والتنكر لكل المواثيق العربية التي أكدت على الحقوق الوطنية ودعم المقاومة الفلسطينية وتوفير مقومات الصمود الشعبي للجماهير الفلسطينية في داخل الأراضي المحتلة وفي عالم الشتات.
إن ما وصلت إليه القضية الفلسطينية من تراجع على مستوى الحضور السياسي إنما يعود إلى ثلاث متغيرات تركت انعكاساتٍ سلبيةً على الواقع الفلسطيني:
المتغير الأول: التبدل الذي طرأ على النظام الدولي بعد سقوط النظام السوفياتي وفقدان القضية الفلسطينية متكأ دولياً داعماً للحقوق الوطنية ولو كان قائماً على أرضية القرارات الأممية وخاصة قراري التقسيم وحق العودة.
المتغير الثاني: التبدل الحاصل في النظام العربي بعد توقيع اتفاقيات التسوية مع العدو واحتلال العراق.
المتغير الثالث: مشاريع التسوية التي طرحت من مبادرة روجرز عام 1969 إلى مشروع صفقة القرن الذي فتح “دفر سوارا” عريضاً في جدار الموقف الرسمي العربي من خلال اتفاقيات التطبيع بين كيان العدو والعديد من الأنظمة العربية مروراً “بكامب ديفيد” ومدريد وأوسلو ووادي عربة.
لقد أدت تلك المتغيرات إلى إبراز جملة تحديات أمام القضية الفلسطينية، بما هي قضية وطنية وقومية معاً، وأبرز تلك التحديات:
1- الانعكاسات السلبية التي تمخضت عن اتفاقيات “كامب ديفيد” والتي بموجبها أخرجت مصر بما تمثله من ثقل شعبي وسياسي وعسكري من مجرى الصراع العربي الصهيوني، ومعها تحولت مصر من قاعدة قومية للنضال القومي إبان الحقبة الناصرية وإحدى أهم الرافعات القومية للقضية الفلسطينية إلى وسيط تفاوضي بين العدو الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية.
2- الانعكاسات السلبية التي تمخضت عن الاجتياح الصهيوني للبنان وما ترتب على ذلك من نتائج بعد إخراج منظمة التحرير بكل ثقلها العسكري والسياسي والإعلامي من ساحة لبنان، وتشتت قواها في الأقطار العربية البعيدة عن خطوط التماس الجغرافي مع فلسطين.
إن إخراج قوى الثورة الفلسطينية من لبنان – وهو وإن كان يشكل تثقيلاً على لبنان يفوق إمكاناته وبنيته على تحمل مثل هذا التثقيل – إلا أنه أفقد الثورة الفلسطينية أحد عناصر القوة التي كانت تضغط من خلالها على العدو بحكم المواجهات المباشرة التي كانت تحصل على طرفي الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة فضلاً عن التسهيلات التي توفرها الساحة اللبنانية لإدارة النشاطين السياسي والإعلامي للثورة الفلسطينية.
– الانعكاسات السلبية على بنية منظمة التحرير الفلسطينية بعد الدور السلبي الذي لعبه النظام السوري السابق بإكمال ما لم يستطيعه العدو الصهيوني في اجتياح 1982 للبنان وما ترتب عليه من نتائج، بإخراج قوى الثورة الفلسطينية من طرابلس في شمالي لبنان، وشق فصائل هذه الثورة لإبراز بديل سياسي يدور في فلكه، ومنه انبثق ما سمي بالتحالف الفلسطيني الذي اتخذ من العاصمة السورية مقراً لإدارة حركته السياسية وبقي قائماً حتى سقوط النظام نهاية العام 2024.
– إن هذا الانقسام السياسي الذي خيّم على الساحة الفلسطينية بفعل عوامل داخلية أفرزها واقع الانتشار الفلسطيني وفقدان مركزية (الموقع – المكان) بعد الخروج الأول من الأردن والخروج الثاني من لبنان، حظي بتغذية ورعاية من بعض مواقع النظام الرسمي العربي، خاصة تلك التي تعمل تحت سقف الاستراتيجيات الدولية أو تلك التي تنفذ إملاءات أميركية بالدرجة الأولى بعدما أصبحت أميركا بعد الحرب العالمية الثانية تلعب دور الحاضن الدولي الأبرز والداعم للكيان الصهيوني على كافة الصعد والمستويات.
– انخراط منظمة التحرير الفلسطينية وخاصة عبر القوة المركزية الأساسية فيها التي تمثلها حركة فتح وبالاستناد إلى مواقعها التمثيلية في الهياكل الرسمية للمنظمة، في مفاوضات مع العدو الصهيوني في ظل اختلال كبير في موازين القوى جعل نتائج المفاوضات تصب في مصلحة العدو الصهيوني، اتفاق أوسلو نموذجاً.
– فقدان القضية الفلسطينية بسبب احتلال العراق 2003 سنداً عربياً أساسياً كان يشكل حاضنة قومية لها رغم ما تعرض له من عدوان ثلاثيين عام 1991 وحصار ظالم استمر ثلاثة عشر عاماً، وهو في ظل الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة التي كان يعيشها كان يتقاسم مع شعب فلسطين لقمة الغذاء وحبة الدواء ويقدّم الدعم المادي والمعنوي لأسر الشهداء والجرحى والمصابين والأسرى والمعتقلين ولمن تُدمّر منازلهم من جراء ممارسات الاحتلال.
– فقدان الثورة الفلسطينية رموزها القيادية الذين واكبوا مسيرة الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها، وأبرزهم القائد ياسر عرفات الذي كان يشكل رمزية وطنية جاذبة للشعب في داخل فلسطين وخارجها. وبفقد هذه الرمزيات القيادية ضعفت الشرعية التمثيلية لمنظمة التحرير خاصة بعد الانقسام الذي شهدته الساحة الفلسطينية وبروز مرجعيتين سياسيتين واحدة تتخذ من الضفة الغربية مركزاً لإدارة حركتها السياسية وأخرى تتخذ من غزة مركزاً لها، وهذا ما أدى إلى حصول إرباكات على مستوى إدارة الشأن السياسي والشعبي في داخل فلسطين المحتلة وفي عالم الشتات. وقد لعب العدو على تناقضات هذه الثنائية في المرجعية التمثيلية للتنصل من أية التزامات تنتج عن قرارات دولية ذات صلة.
– الانعكاسات السلبية التي نتجت عن التدخل الإيراني في الشأن الداخلي الفلسطيني، عبر الاستثمار السياسي بهذه القضية واستغلال موقعها وتأثيرها في الوجدان العربي لتحسين شروطه التفاوضية مع التحالف الصهيو-أميركي وتحسين مواقعه في الواقع العربي بعد التغول في العمق القومي والذي بلغ مستوى غير مسبوق بعد احتلال العراق واندفاعه محمولاً على رافعة الدعم الأميركي، وبهذا التدخل الإيراني في الشأن الفلسطيني باتت الساحة السياسية الفلسطينية تشبه إلى حد ما ساحات العراق وسوريا ولبنان واليمن، حيث يحل التخريب البنيوي في مجتمعات هذه الأقطار في كل مرة يجد النظام الإيراني مواطئ قدم لتدخله ويكون تأثيره التدميري قوياً حتى انكفائه عن الساحة السورية بعد إسقاط النظام.
– الانعكاسات السلبية الناجمة عن تفجر أزمات بنيوية في العديد من الأقطار العربية وعن حراك شعبي فرضت عليه العسكرة، بحيث فتحت ساحات الأقطار أمام سلسلة من الأزمات – القضايا التي باتت تنذر بمتغيرات خطيرة في الجغرافية والتاريخ والديمغرافيا والسياسة والاقتصاد والاجتماع وبما أفسح المجال أمام تموضعات جديدة للقوى الاستعمارية والإقليمية وأجنداتها التفكيكية والتي تلاقت بالتواصل والنتائج مع المشروع الصهيوني.
– إن هذه الأزمات فرضت إعادة ترتيب الأولويات بسبب بروز قضايا مركزية جديدة إضافة إلى مركزية القضية الفلسطينية.
– إن هذه التحديات التي واجهتها القضية الفلسطينية على مدى العقود الثلاثة المنصرمة أدت إلى حصول جملة تطورات تتعلق بمركزية الصراع العربي الصهيوني. غالبية هذه التطورات تندرج تحت الخانة السلبية وبعض أقل يندرج تحت الخانة الإيجابية.
من التطورات السلبية:
– التطور النوعي في الموقف الأميركي بعدما تفلت من كل ضوابط الدولة الشكلية، وتبنى حيثيات المشروع الصهيوني بكل تفاصيله ومفرداته، من خلال التراجع عن مواقف التحفظ التي كانت تتلقى وراءها الإدارة الأميركية فترة طويلة. ومن عناوين هذا التطور النوعي:
– الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني وتنفيذ قرار نقل مقر السفارة الأميركية إليها والاعتراف بضم الجولان السوري المحتل إلى الكيان الصهيوني.
– إطلاق ما سمي بصفقة القرن كمشروع يعكس الرؤية الأميركية لحل ما يسمى بأزمة الشرق الأوسط وهي التوصيف الأمريكي للصراع العربي الصهيوني.
– دفع العديد من الأنظمة العربية للتطبيع مع العدو الصهيوني، وعقد المؤتمرات والمنتديات التي تروج للتطبيع بكافة أشكاله، وأخطر التطبيع الأيديولوجي بالاعتراف بيهودية الدولة الصهيونية واعتبار اليهود أصحاب حق تاريخي بفلسطين. وهذا يعني التخلي عن هوية فلسطين العربية وعن انتمائها القومي إلى أمة عربية واحدة.
– توظيف النفوذ الأمريكي في الضغط على المؤسسات الدولية التي تقدم خدمات إنسانية في حقول التعليم والتشغيل والاستشفاء لمن يقعون تحت وطأة اللجوء، لأجل خلق ظروف اجتماعية وإنسانية تساهم في إضعاف عناصر الصمود الاجتماعي الفلسطيني، وإيقاف المساهمة الأمريكية في تغذية صندوق الأونروا إنما هو واحد من الشواهد الكثيرة.
– الترويج لمشروع دولة فلسطينية، كدولة ممسوخة تكون أقرب إلى دولة أنفاق بدون تواصل وتفاعل بين المجموعات الفلسطينية المتباعدة، وبدون توفر أبسط مقومات الدولة بمفهومها الدستوري وهي وحدة الأرض والشعب والمؤسسات وحق السيادة الذي تمارسه سلطة تمثل الشعب تمثيلاً شرعياً.
– تجاهل وإسقاط كل القرارات الدولية ذات الصلة بالحقوق الوطنية الفلسطينية وخاصة حق العودة، والضغط لتوطين اللاجئين في الأقطار التي نزحوا إليها في “ترانسفير” 1948 و1967 وما أعقبهما من أشكال مختلفة من التهجير والإبعاد، وإن المبادرة التي طرحها الرئيس الأمريكي ترامب في بداية تشرين الأول 2025، اخترقت الرؤية الأمريكية لما تعتبره حلاً للقضية الفلسطينية، والتي شكلت بمجمل بنودها مشروع تصفية سياسية لهذه القضية وإنكاراً لوجود شعب له الحق بتقرير المصير، وهي تماهٍ مع الرؤية الصهيونية بما يتعلق بهذه القضية.
من التطورات الإيجابية:
– انطلاق انتفاضة شعبية عرفت بانتفاضة الحجارة في العام 1987 وتكرار مشهدياتها في انتفاضات لاحقة كما في انتفاضة الأقصى العام 2000، وصولاً إلى انتفاضة حي الشيخ جراح في القدس والتي تحولت إلى انتفاضة شاملة عمت كل أرض فلسطين التاريخية.
– دخول جماهير فلسطين داخل الأراضي المحتلة العام 1948 على خط التفاعل الثوري مع انتفاضة الجماهير الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، خاصة وأن الفلسطينيين المقيمين داخل ما يسمى بالخط الأخضر بإمكانهم الوصول إلى القدس وحرم الأقصى بدون عوائق كالتي تفرضها سلطات الاحتلال على سكان الضفة الغربية، وهذا ما كان يوفر حضوراً شعبياً فلسطينياً كثيفاً في القدس لدى الدعوة للاعتصام في حرم الأقصى.
– أدت الممارسات الصهيونية في فلسطين المحتلة إلى إزاحة الستار عن الطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني ومعها أصبحت عملية توصيف “إسرائيل” باعتبارها دولة فصل عنصري “أبارتهايد”، مقبولة ومتداولة في أوساط الرأي العام الدولي، وهذا ما جعل صحيفة الغارديان البريطانية تعترف بالخطأ التاريخي لدفاعها عن وعد بلفور، وهذا ما يؤشر على بداية تحول في الرأي العام العالمي الذي كان يعتبر “إسرائيل” “دولة معتدى” عليها وأن الإسرائيليين هم ضحايا ما يسمونه “الإرهاب الفلسطيني”، فيما الواقع هو أن الفلسطينيين هم ضحايا الإرهاب الصهيوني.
طوفان الأقصى والآفاق التي وصلت إليها القضية الفلسطينية:
في السابع من تشرين الأول 2023 نفذت المقاومة الفلسطينية عملية اختراق لخطوط الدفاعات الصهيونية واستطاعت الوصول إلى عمق المنطقة المعروفة بغلاف غزة وبعض المستوطنات، وعادت بصيد ثمين من الأسرى، فضلاً عن إيقاع خسائر جسيمة في صفوف العدو ومراكزه العسكرية التي تم اقتحامها.
بعد هذه العملية التي أحدثت صدمة إيجابية في الواقع الشعبي العربي، أحدثت في المقابل صدمة سلبية في واقع الكيان الصهيوني الذي استجمعت حكومته التي يتحكم بها اليمين الديني المتطرف كل قواها لتطلق حرباً شاملة ضد الوجود الفلسطيني على مساحة قطاع غزة.
إن هذه الحرب، التي كشفت عمق المأزق الرسمي العربي وعجزه وتواطؤ بعضه، أحدثت تحولاً في الرأي العام الدولي، وقد عبر التحول عن نفسه بأكثر من مظهرية، من حراك الشارع الدولي دعماً للقضية الفلسطينية وإدانة “لإسرائيل” على ما ترتكبه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى مقاضاة الكيان الصهيوني أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، كما اتساع مساحة التأييد الدولي لتمكين شعب فلسطين من تقرير مصيره وحقه بإقامة دولته، وكان أبرزه المؤتمر الذي عقد في أروقة الأمم المتحدة في 22 أيلول 2025 وتمخض عنه اعتراف العديد من الدول بدولة فلسطين ومن بينها المملكة المتحدة وفرنسا التي هي إحدى الدولتين الراعيتين للمؤتمر.
إن المواجهة التي اندلعت بعد “طوفان الأقصى” اختلفت عن سابقاتها أيضاً، كونها لم تندلع بين جيش نظامي، بل بين جيش نظامي مدجج بأحدث الأسلحة ذات القدرة التدميرية الهائلة وكثافة شعبية محتشدة في أكثر المناطق اكتظاظاً وكثافة سكانية في العالم. وهذا ما جعل سياق العمليات العسكرية يتجاوز حدود الاشتباك بين قوات الاحتلال والمقاومين، إلى حرب إبادة جماعية شنها العدو وأودت بعشرات الألوف من الضحايا وغالبيتهم من النساء والأطفال والشيوخ، ولم يوفر المرافق الحيوية والحياتية والمؤسسات الصحية والتربوية ومراكز الإيواء والمراكز الدينية وتلك التي تعمل تحت راية المنظمات الدولية كالأونروا والصليب الأحمر وأطباء بلا حدود وغيرها من الهيئات ذات الصلة بالعمل الإغاثي. ولم يكتف العدو باعتماد سياسة الأرض المحروقة مع البشر والحجر، بل فرض حصاراً مطبقاً على القطاع، وحول الحصول على الحصص الغذائية إلى مقتلة للساعين وراءها تداركاً للموت جوعاً وعطشاً ومرضاً.
لقد تجاوزت الحرب مدة السنتين، ولم تسفر كل الجهود والمحاولات التي بذلت لوقفها وفك الحصار عن غزة إلا بعد أن تحركت الإدارة الأميركية وأطلقت مبادرتها التي أسقطت البعد السياسي للقضية وتناولتها من خلال البعد الإنساني المتعلق بالأمن الحياتي.
لقد بدا واضحاً ومن خلال الوقوف على سياقات هذه الحرب، أن العدو الصهيوني ذهب إلى خوض غمارها وفي نيته إنجاز حملة تطهير عرقي وتفريغ غزة من سكانها وإعادة احتلالها تمهيداً لإعادة ضمها للأرض التي احتلت عام 1948 وأقام كيانه عليها، وهو ما يريده مقدمة لخطوة مماثلة تتعلق بالضفة الغربية والقدس وفرض ما يسمى بالسيادة الإسرائيلية عليهما وعندها تصبح حدود دولة الكيان الصهيوني تشمل كل أرض فلسطين التاريخية. وما إعلانه الرفض المطلق لإقامة دولة فلسطينية، إلا لكونه يرفض الاعتراف بوجود شعب فلسطيني يتميز بهويته الوطنية وله حق تقرير المصير. وهذه تعتبر واحدة من المظاهر السلبية التي هيمنت على المشهد السياسي المخيم على الواقع الفلسطيني بعدما اندمجت الرؤية الأميركية التي صاغ أركانها المحافظون الجدد في الإدارة الأميركية الذين يتبنون مشروع “يهودية الدولة” في تلاقٍ لمندرجات الوثائق الصهيونية التي جرى تسريبها مؤخراً والتي تركز على تنفيذ مخطط التفكيك لما يسمى “بدول الهيكل” كما تسميها الدوائر الصهيونية، وهذه الدول عددها إحدى عشرة دولة، وهي دول المشرق العربي والجزيرة ووادي النيل وصولاً حتى تونس.
إن القضية الفلسطينية بكل مقدمات الصراع الذي يدور حولها والسياقات التي عبرها وما ستؤول إليه نتائج هذا الصراع المفتوح حول المستقبل، هو صراع يتجاوز حدود البعد السياسي والاقتصادي إلى حدود الصراع الوجودي، ولهذا اندرج تحت عنوان صراع الوجود وليس صراع الحدود، وهذا المصطلح بدأ العدو بالترويج له. وهذا يعني أن المشروع الصهيوني بكل حاملاته السياسية الدولية والإقليمية والذي أقام كياناً على فلسطين هو على تناقض وجودي مع المشروع النقيض الذي يجسد المشروع القومي العربي الذي يعتبر استهداف فلسطين استهدافاً للأمة كما دلت عليه مقدمات الاحتلال وما آل إليه من نتائج.
إن هذا التناقض الوجودي بين المشروعين، يعني أن الحياة لا تستقيم لأحدها إلا بنفي وإلغاء الآخر. وهذا ما وعته الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية الداعمة لها، كما وعته الحركة القومية العربية وقواها الثورية وخاصة حزبنا حزب البعث العربي الاشتراكي.
لقد اختيرت فلسطين لتكون قاعدة ارتكازية في قلب الوطن العربي لميزات موقعها الجغرافي الذي يفصل بين المشرق العربي ومغربه. والوثائق الصهيونية التي تحدد حدود الدولة اليهودية بحسب المفهوم التلمودي ما بين الفرات والنيل، تفسر ما انطوت عليه هذه الوثائق لتفكيك ما يسمى بدول الهيكل.
إن هذا يعني أن إدامة الاحتلال الصهيوني لفلسطين يتطلب تكريس نهائية هذا الاحتلال لكل فلسطين التاريخية، وتفكيك بنى الدول العربية الواقعة بين الفرات والنيل وانتزاع اعتراف عربي بشرعية هذا الاحتلال، تارة تحت عنوان مبادرات “السلم الشامل” الذي ينطوي على الاعتراف “بإسرائيل”، أو تحت عنوان الاتفاقيات المنفردة وإقامة علاقات طبيعية تحت عنوان التطبيع، وإن ما يخطط له وينفذ الآن في ظل المتغيرات الدولية والإقليمية التي نتجت عن انهيار الاتحاد السوفيتي الذي أحدث زلزالاً في الواقع الدولي، واحتلال العراق الذي أحدث زلزالاً في الواقع الإقليمي، إنما يصب في اتجاه تحقيق ما رمى إليه التحالف الصهيو-أميركي من أهداف تُنفذ على مراحل إن لم يواجه بمواجهات سياسية وشعبية في الفضاءات التي يستغل العدو معطياتها لتنفيذ مشروعه الأصلي.
إن الوعي القومي المتقدم لطبيعة المشروع الصهيوني الذي اعتبر أن قضية فلسطين تشكل اختصاراً مكثفاً لكل قضايا الأمة، شخصه الحزب تشخيصاً دقيقاً عندما ربط بين هدفي التحرير والتوحيد، وهو الذي لخصه القائد المؤسس بمقولته “فلسطين طريق الوحدة والوحدة طريق فلسطين”، ومضيفاً بأن أي تقدم على أي من هذين المسارين سينعكس إيجاباً على المسار الآخر. كما أن الأمين العام للحزب الرفيق القائد صدام حسين، كان يؤكد دائماً بأن فلسطين في قلوبنا وعيوننا أينما استدرنا إلى أي من الجهات الأربع، وإن فلسطين تحتاج إلى الحضن القومي الدافئ أكثر من حاجتها للإسناد المادي رغم أهمية ذلك. في ضوء هذا الفهم لطبيعة الصراع كان تحديد الحزب لموقفه من قضية فلسطين بما هي قضية قومية بامتياز عبر التأكيد على الثوابت التالية:
1- إن فلسطين هي وحدة جغرافية لا تقبل القسمة ودولتها الوطنية هي التي تقوم على كامل مساحتها الوطنية من النهر إلى البحر.
2- إن فلسطين لن تحررها الحكومات العربية وإنما الكفاح الشعبي بكافة أشكاله.
3- إن تحرير فلسطين هو مهمة قومية يجب على الأمة تحمل أعبائها، وإن تبوؤ الثورة الفلسطينية المواقع المتقدمة في المواجهة مع المشروع الصهيوني الاستيطاني لا يجعل الأمة في حل من التزاماتها القومية.
4- إن الحق القومي في فلسطين هو حق ثابت لا يسقط بالتقادم ولا يقبل التجزئة أو الانتقاص ولا التفريط به.
5- إن مشاريع التسوية التي طرحت سابقاً ومنها ما سمي بمبادرة السلام العربية وما تم تداوله وآخرها صفقة القرن وما عرف برؤية ترامب، هي مشاريع تنطلق من الاعتراف بالكيان الصهيوني، وهي بالتالي تلبي الحاجة الصهيونية في انتزاع اعتراف فلسطين أولاً وعربي ثانياً “بإسرائيل”، على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية والحقوق القومية للأمة.
استناداً إلى هذه الثوابت، كان تحديد الحزب لمعالم استراتيجية تجاه فلسطين التي عبر عنها بمنظومة مبادئه الفكرية ومواقفه السياسية وآليات عمله النضالي، وإن رفضه لمشاريع التسوية السياسية التي أدرجها تحت عنوان التسوية الاستسلامية إنما جاء ليحاكي جوهر موقفه المبدئي، وعليه فإن الحزب يؤكد بأن تحرير فلسطين يجب أن يغطي كل مساحتها الجغرافية، وأن نطاق الدولة الوطنية هو على كل أرضها ولكل شعبها وليست على قسم من أرضها أو لجزءٍ من شعبها، وإن “إسرائيل” هي سلطة احتلال على كل أرض فلسطين وهي دولة فصل عنصري، وإن المساحة الوطنية لمشروع التحرير الوطني المفتوح على عمقه القومي هي مساحة التواجد الفلسطيني في داخل فلسطين المحتلة بأرضها التاريخية وفي عالم الشتات.
على أساس هذا الموقف المبدئي، فإن الحزب يدعو إلى إطلاق مقاومة شعبية على مساحة كل فلسطين خاصة بعد التحاق فلسطيني الداخل المحتل برحاب الموقف الوطني وإعادة الاعتبار للشخصية الوطنية الفلسطينية في لحظة اشتداد الضغط الصهيوني لقضم القدس والضفة وفرض التهويد عليها، وهو الذي قدم دليلاً عملياً بأن “عرب” 48 في داخل الكيان الصهيوني لم ينل من جذور انتمائهم للقضية الوطنية الفلسطينية، إذ أثبتوا من خلال حراكهم على أرضية الموقف الوطني الفلسطيني أن قضيتهم الأساسية لا تتمحور حول الحقوق المدنية وتحسين ظروف المعيشة، وإنما الأساس فيها هي الحقوق الوطنية التي يتفتح وعي شعبي متنام على كل معطياتها.
من هنا فإنه مع التأكيد على ثوابت الموقف المبدئي المحكوم بالرؤية الاستراتيجية، فإن الحزب وفي إطار التعامل مع اليوميات الفلسطينية على مستوى الإدارة السياسية للشأن العام الفلسطيني بواسطة الإطارات التمثيلية إنما يؤكد على ما يلي:
1- التشديد على أهمية توحيد قوى المقاومة الفلسطينية في إطار مرجعي واحد تمثله منظمة التحرير الفلسطينية بعد تطوير وتفعيل مؤسساتها كي تكون قادرة على استيعاب المتغيرات الجديدة التي شهدتها الساحة الفلسطينية، وهذا بقدر ما يقطع الطريق على الذين يراهنون على الانقسام السياسي في الساحة الفلسطينية وتوظيف هذا الانقسام في الضغط على الواقعين السياسي والشعبي، فإنه يساهم في تعزيز عوامل الصمود الجماهيري ويوحد الخطاب السياسي في محاكاته للداخل الفلسطيني والخارج بكل دوائره العربية والإقليمية والدولية.
2- الخروج من وهم الحصول على دولة مستقلة على جزء من أرض فلسطين يغرق بالمستوطنات في ظل موازين القوى السائدة وتمادي سياسة القضم والهضم الصهيونيتين للأراضي المحتلة، وهذا لا يسقط حق الثورة الفلسطينية بإقامة سلطتها على الأرض التي يتم تحريرها كخطوة على طريق التحرير الكامل. وإذا كان العالم قد شهد تحولاً في الرأي العام الدولي لصالح القضية الفلسطينية وحق شعب فلسطين في تقرير المصير مع اتساع دائرة الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وأهمها المؤتمر الذي انعقد برعاية فرنسية سعودية في الأمم المتحدة في 22 أيلول 2025 وأسفر عن اعتراف دول وازنة على الصعيد الدولي وخاصة المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا، فعلى رغم هذه الإيجابية التي انطوى عليها هذا المؤتمر إلا أن الدولة المنشودة وبالشكل الذي تطرح فيه هي دولة منتقصة السيادة فضلاً عن كون قيامها مقترن بشرط الاعتراف بالكيان الصهيوني، وهذا ما يجعل من مشروع الدولة المطروح يفتقر إلى الكثير من مقومات الدولة الوطنية الفعلية وبالتالي يبقى دون تلبية الطموح الوطني الفلسطيني.
3- استحضار توصيف “الأبارتهايد” على ممارسات “إسرائيل” كسلطة قائمة بالاحتلال على كل أرض فلسطين من البحر إلى النهر وتدعيم هذا التوصيف بالقرارات الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحفظ اختصاصها للنظر بالجرائم التي ترتكبها دولة الاحتلال في الأرض المحتلة وقرار محكمة العدل الدولية باعتبار الجدار العازل هو جدار فصل عنصري.
4- التركيز على الطبيعة العنصرية للكيان الصهيوني في مخاطبة الرأي العام العالمي الذي بدأ يبدي تفهماً أكثر للحقوق الوطنية الفلسطينية وعنصرية “إسرائيل” وهذا الذي لم يكن حاصلاً في الماضي، وهذا تحول إيجابي يبنى عليه لتحويل القضية الفلسطينية إلى قضية رأي عام دولي.
5- التأكيد على استحضار الخطاب القومي الذي أطلقه الحزب ببناء علاقة تفاعلية بين الوطني والقومي انطلاقاً من ثابتة أن تحرير فلسطين يمر عبر آليات النضال الوحدوي، والعمل لتثوير الواقع الشعبي العربي على قاعدة الربط الجدلي بين أهداف التحرير والتغيير ومقاومة اتجاهات التطبيع التي تندفع فيها بعض مواقع النظام الرسمي العربي.
إن هذه الثوابت في مواقف الحزب تجاه قضية فلسطين، هي التي تعيد الاعتبار لموقع القضية الفلسطينية بكل وجهها الثوري وهي التي تجعل الأمة تسير في الاتجاه الصحيح لإنهاء استلابها القومي والاجتماعي، وإن الحزب سيبقى على عهده وثوابت مواقفه المبدئية حيال هذه القضية التي يرتبط بها مصير الأمة على طريق تحررها وتقدمها وتوحدها.
#التقرير_السياسي #المؤتمر_القومي_الثالث_عشر #البعث #فلسـ.طين #طوفان_الأقصى #الأمن_القومي_العربي #الوحدة_العربية #التحرر_القومي #الوعي_العربي #سورية #العراق #مقاومة #السيادة_العربية
القضية العراقية:
إن كثيرين يأخذون على الحزب وضع قضية العراق في مصاف القضايا المركزية للأمة، وبعض هؤلاء يبني موقفه على خلفية عدائية من المشروع العربي التحرري ببعديه الوطني والقومي، وبعض آخر يبني موقفه استناداً إلى قصور في فهم الخطر الذي بات يهدد الأمن القومي العربي من جراء ما تعرض له العراق.
لقد سبق وحدد المؤتمر القومي الثاني عشر للحزب الذي انعقد العام 1992، الأسباب الفعلية التي كانت وراء شن الحرب الكونية على العراق في العام 1991، وخلص إلى نتيجة بأن الحرب التي شنت عليه لو لم تشن على أرضية الموقف من دخول القوات العراقية إلى الكويت، لكانت شنت على أرضية موقف آخر.
لقد بات واضحاً وأكيداً بأن قرار الحرب ضد العراق لم يتخذ عشية دخول قواته إلى الكويت كما يبدو ذلك من ظاهر الحال، وإنما القرار كان متخذاً منذ أقدم على اتخاذ قراره التاريخي بتأميم نفطه في الأول من حزيران من العام 1972، وفشل كل المحاولات الاستعمارية لإسقاط نظام الحكم الوطني فيه بعدما اعتبرته الدوائر الإمبريالية أنه مس بمصالحها الحيوية، وهي التي تعتبر أمن النفط من وجهة نظرها مرتبطاً بما تسميه أمنها القومي.
إن نجاح العراق في تأميم نفطه وقدرته على حماية ذاك القرار التاريخي والتمكن من إنتاج النفط وطنياً وتسويقه وتوظيف مردوده في خدمة مشروع البناء الوطني داخلياً على كافة الصعد والمستويات، عزّز من دوره على الصعيد القومي بدعمه للقوى الوطنية العربية وفي طليعتها الثورة الفلسطينية؛ والدور الفاعل الذي قام به في معارك المواجهة مع العدو الصهيوني وخاصة مشاركته القوية في حرب تشرين، ومقاومته لنهج التسوية الاستسلامية مع العدو الصهيوني بعد اتفاقيات “كامب ديفيد”، التي أخرجت مصر من مجرى الصراع العربي الصهيوني.
إن كل المحاولات، المكشوف منها والمستتر، لأجل إسقاط الحكم الوطني سواء بأدوات التخريب الداخلي أو التآمر عليه من الخارج لم يُقضَ لها النجاح، فكان أن تم اللجوء إلى احتياط استراتيجي آخر تمثل بالدور الذي اضطلع به النظام الإيراني بعد حصول التغيير السياسي واستلام المؤسسة الدينية الحكم الذي افتتح عهده بإعلان الحرب على العراق التي بدأت عملياتها العسكرية في الرابع من أيلول من العام 1980 بعد حملة من التعبئة السياسية والإعلامية ضد العراق ونظامه الوطني وحزب البعث والعروبة.
هذه الحرب التي استمرت ثماني سنوات، ورغم الخسائر البشرية والاقتصادية التي دفعها العراق إلا أنه استطاع الخروج منها أكثر قوة واقتداراً وخاصة على صعيد القدرات العسكرية كماً ونوعاً.
إن النتائج التي تمخضت عن تلك الحرب لم ترضَ الدوائر الصهيونية وهي التي دخلت على خط الحرب مباشرة من خلال الدعم التسليحي الذي كانت تقدمه “إسرائيل” لنظام الملالي، كما لم ترضَ الدوائر الإمبريالية والتي كانت تسعى لأن يخرج العراق مدمراً منهك القوى كي يتم احتواؤه على قاعدة الشروط الأميركية، كما أن خروجه من تلك الحرب بالشكل الذي خرج منه لم يرضَ العديد من الأنظمة العربية وخاصة تلك التي كانت ترى في إنجازات التحول الوطني الذي أحدثته الثورة في العراق خطراً على نظمها وبنيتها القبلية، كما بعض النظم العربية التي اتخذت مواقف تفتقر إلى الحدود الدنيا من الالتزام العربي بالأمن القومي العربي وبحيث شكلت مواقفها اختراقاً خطيراً للموقف العربي من العدوان على العراق وموقف النظام السوري نموذجاً.
إن القوى الدولية والإقليمية والعربية التي كانت ترى في انتصار العراق في تلك الحرب التي فرضت عليه، خطراً على مصالحها كل من وجهة نظره، لم تتأخر في التحالف في حلف قادته أميركا لضرب العراق وتدمير بنيته الاقتصادية وبناه التحتية ومن ثم فرض حصار ظالم عليه استمر ثلاثة عشر عاماً وكان مقدمة لشن العدوان عليه العام 2003 واحتلاله.
من هنا، فإن الحرب التي شنت على العراق العام 1991، إنما كانت في حقيقة أسبابها وأبعادها الفعلية، حرباً على نتائج الحرب مع إيران لإجهاض تلك النتائج وعدم توظيفها في سياق مشروع سياسي يأخذ بعداً قومياً بعدما أصبح بإمكان العراق أن يكون قاعدة ارتكازية لهذا المشروع، وأصبح يحوز القدرات العسكرية التي تضع الكيان الصهيوني في مرمى نيرانه، كما هدف إلى التحرر من سطوة العملة الأميركية كمرجعية نقدية تحتسب على أساسها العملات والمعادن والمواد الخام ومنها النفط. ولهذا دعا العراق إلى التخلي عن الدولار الأميركي في تسعير النفط في السوق العالمي واعتماد عملات أخرى ومنها اليورو.
إن هذا التناول لهذين الاتجاهين، رأت فيه المواقع والدول المتضررة من نجاح العراق في الاستراتيجية الجديدة التي اعتمدها تهديداً داهماً لمصالحها، وهذا ما دفع لأن تسرع في عدوانها الذي ابتدأته أميركا بإجراءات الحصار الاقتصادي وتلاقت معها أنظمة الخليج العربي. وإلا لو كانت الحرب على العراق قد شنت عليه بسبب دخول قواته إلى الكويت وحسب، لكان يُفترض أن تنتهي تداعيات تلك الأزمة بعد خروج القوات العراقية منها. أما أن تستمر الحرب بأشكال أخرى وعنوانها الحصار الشامل وإطلاق لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل ومنها الصواريخ البعيدة المدى والتي أطلق بعض منها على الكيان الصهيوني في الأيام الأولى للحرب العام 1991، والطريقة التي كانت لجان التفتيش تنفذ فيها مهامها، فهو يثبت وبما لا يقبل الشك، أن الحرب على العراق وتدميره هو تنفيذ لقرار اتخذه التحالف الصهيو-أميركي، نفذ عبر الآلة العسكرية وصولاً للنتائج السياسية المرجوة. وهي تدمير العراق وشطب دوره من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وفرض تسوية على الفلسطينيين بالشروط الأميركية والإسرائيلية التي انعقد مؤتمر مدريد على أساسها.
أما لماذا شكل العراق أولوية مركزية في استراتيجية الاستهداف الأميركي-الصهيوني للوطن العربي؟ إن الجواب على هذا التساؤل إنما أملته ثلاثة دوافع:
الأول: موقع العراق الجيو-استراتيجي والجيو-نفطي.
الثاني: العراق: الدولة الوازنة في ظل تجربة ثورية نهضوية يقودها حزب ثوري يحمل مشروعاً نهضوياً وحدوياً تحررياً.
الثالث: الكاريزما القيادية الاستثنائية للرئيس الشهيد صدام حسين.
الأول: موقع العراق: جيو-استراتيجي وجيو-نفطي:
يمتد العراق على مساحة جغرافية تصل إلى 215 ألف كلم²، وهي تفصل بين قوس المرتفعات الذي يجمع جبال طوروس التركية مع إيران وبين الخليج العربي جنوباً، وكذلك الحدود البرية مع السعودية والكويت والأردن وسورية. هذا الموقع الجيو-استراتيجي مثل تاريخياً صمّام الأمان للمنطقة العربية برمتها، بحيث إن القوى الخارجية لم تكن لتتمكن من اختراق المجال العربي من الخليج شرقاً حتى المحيط الأطلسي عند بلاد المغرب غرباً، إلا إذا تمكنت أولاً من الإمساك بالمدخل الشرقي لهذه المنطقة، أي العراق تحديداً. وهذه مسألة تكررت في التاريخ العربي القديم والوسيط وتتكرر في التاريخ الحديث، حيث كانت القوى الغازية تندفع في كل مرةٍ، من وراء المرتفعات الشرقية للوطن العربي، مثل الغزوات الفارسية قبل الإسلام والسلجوقية والبويهية مروراً بالاجتياح المغولي ومن ثم المملوكي، فالعثماني الذي تواصل حكمه للمنطقة العربية ما ينوف عن أربعة قرون.
إن الهدف الذي حرك ويحرك النوازع الأميركية للسيطرة على العراق، إنما يكمن في السعي للتحكم بموقعه الجيو-استراتيجي وتوظيفه في تحقيق جملة من الأهداف أبرزها:
1- كسر الحاجز الذي يحول دون تواصل حلف شمال الأطلسي (الناتو) بين نقطة ارتكازه في تركيا وتمدده إلى الخليج العربي والعمق القومي برمته.
2- كسر الطوق الأمني الضاغط على “إسرائيل” عبر ضرب وتدمير دول الطوق العربية وخاصة الارتكازية منها، وبما يؤدي إلى تكبير أدوار دول الإقليم غير العربية ومنها إيران وتركيا لإدخالها في تركيب نظام إقليمي جديد تكون “إسرائيل” من أركانه.
3- من أجل التحكم الأميركي بخطوط نقل النفط من قزوين إلى موانئ العراق الجنوبية.
بالإضافة إلى الأهداف المشار إليها، يأتي الهدف الاقتصادي المتمثل بالاستحواذ الأميركي على مخزون الطاقة العراقية، وهو مخزون كبير جداً، وهو بحسب الإحصاءات الرقمية أواخر العام 2000، بلغ حوالي 311 مليار برميل كاحتياطي نفطي مؤكد، وحوالي 3000 مليار متر مكعب كاحتياطي غاز، ووفقاً لهذه الإحصاءات فإن العراق يأتي في المرتبة الثانية في قائمة الدول النفطية العربية بعد السعودية. كما أن ثمة اكتشافات أخرى أظهرت أن العراق يعوم على بحيرات من النفط تفوق بكثير سائر دول العالم، مضافاً إلى ذلك اكتشافات مخزونات جبلية من معدن الزئبق الأحمر الذي يدخل عنصراً أساسياً في عدد من الصناعات التحويلية الهامة.
إن الولايات المتحدة الأميركية في قيادتها للحرب على العراق واحتلاله فإنما هدفت إلى إيجاد واقع جديد، يمكنها من التحكم بالمخزون النفطي وبما يساعدها على التحكم بأسواق النفط وأسعاره على مستوى العالم، الأمر الذي يتيح لرأسمالية المركز الأميركي الإمساك بعنصر التفوق الاقتصادي على الرأسمالات الأوروبية واليابانية، وكذلك على الصين وروسيا الاتحادية وسائر دول العالم. أما النتائج المترتبة على هذا التفوق فتمكن عاصمة الرأسمالية العالمية من تعميم نموذجها، كنظام اقتصادي أحادي على المجتمع البشري من جهة، وتعزيز سعيها إلى هيكلة العالم على قاعدة قيام رأسمالية معلوماتية، تندرج فيها المجتمعات، بدءاً من قاعدتها في أسفل الهرم وصولاً إلى قمته العليا وهو الموقع الذي تنفرد به حتى الآن رأسمالية المركز الأمريكي.
الثاني: العراق: الدولة الوازنة في ظل تجربة ثورية نهضوية يقودها البعث:
لم تمض سنوات قليلة على ثورة 17-30 تموز المجيدة، حتى أصبحت إنجازات هذه الثورة حقيقة واقعة في المجتمع العراقي، وفي كل مجالات الحياة العامة، بدءاً ببيان 11 آذار للحكم الذاتي، ووضع شعار بترول العرب للعرب موضع التنفيذ بالاستناد إلى قرار التأميم التاريخي الذي أعطى للاستقلال السياسي مضمونه الاقتصادي. وقد تم توظيف الزيادات في موارد الدولة في إطلاق حزمة من الخطط الاقتصادية الطموحة جداً وخاصة في مجال التصنيع والاستصلاح الزراعي. وأبرز خطوات الدولة العراقية في مجال التصنيع تمثلت في:
1- توسيع قاعدة القطاع الصناعي العام (قطاع الدولة الحكومي). بحيث وصل عدد المؤسسات لغاية 1990 أي قبل الحصار، إلى 41194 مؤسسة، بينها 575 مصنعاً كبيراً، الأمر الذي يشير إلى أن ديناميكية التصنيع العراقي في ظل قيادة البعث فاقت مستويات النشاط التصنيعي في اليابان وألمانيا الغربية قبل توحيد شطري ألمانيا العام 1989.
2- تشجيع القطاع الصناعي الخاص على قاعدة التوازن مع القطاع العام وذلك عملاً باعتماد نمط الاقتصاد الاشتراكي الموجه من قبل الدولة وتحت إشرافها.
3- منح رؤوس الأموال العربية حق الاستثمار الصناعي في العراق بذات الامتيازات الممنوحة للمواطنين العراقيين، أما الاستثمار الأجنبي فقد صدر قرار قيادي بمنعه من الاستثمار في العراق نهائياً.
4- التوسع في إنشاء مراكز البحث العلمي، وإيلاء أهمية قصوى لإعداد الكوادر العلمية العراقية، وإفساح المجال أمام الكفاءات العلمية العربية للعمل في العراق وبما مكنه من تحويل العلوم الأساسية إلى تكنولوجيا ومعارف إنتاجية؛ والأهم من كل ذلك إنتاج تجربة اقتصادية وتنموية تطويرية بخبرات عراقية وعربية صرفه.
5- تطوير القطاع الزراعي لتنويع مصادر الإنتاج والسير به وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي في تأمين السلة الغذائية وتوفير كل شروط الأمن الغذائي.
6- إيلاء أهمية للقطاع التعليمي بكل مستوياته وتوسعه أفقياً ليغطي كل مساحة العراق في وقت قياسي، وعليه صُنف العراق بحسب المعايير الدولية بلداً خالياً من الأمية ونال على أساسها جائزة الأونيسكو.
إن الثورة التي استطاعت تحقيق إنجازات عظيمة على مستوى البنية الوطنية العراقية في مجالات الصناعة والزراعة والتعليم، لم تقتصر إنجازاتها على هذه التحولات في العراق، إذ إن الطموح الاستراتيجي لم يكن محدودة بحدود الدولة الوطنية العراقية كدولة قطرية، وإنما كانت تسعى إلى مد إنجازاتها وتأكيد حضورها في المجال القومي العربي، استناداً لخلفية المنطلقات الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي والتي لخصها بثلاثية الوحدة والحرية والاشتراكية. وهذا ما جعل الهجمة العدوانية ضده تتسم بالشراسة التي وقف العالم على مشهدياتها المدمرة التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها.
إن هذا الذي تعرض له العراق، إنما تعرض له بسبب كونه شكل حاملة ورافعة للمشروع القومي الذي ربط بين التحرر الاجتماعي والقومي وبين الوحدة كخيار استراتيجي للبعث. وهذا خيار ظل على مدى التاريخ العربي وحده متجسداً ومحارباً من كل من يطمع بثروات الأمة ويناصبها العداء. وهذا الخيار الذي حوصر في مصر العربية وضرب، أعيد استحضاره في التعامل مع العراق لكن بشراسة أشد لأن تجربة العراق النوعية كانت أكثر تقدماً من التجربة المصرية إبان الحقبة الناصرية.
الثالث: الكاريزما القيادية للرئيس صدام حسين:
إذا كان العراق قد وضع في رأس الاستهداف المعادي بالنظر لموقعه الاستراتيجي واختزانه ثروات هائلة في باطن أرضه، وإذا كان البعث كحزب ثوري دائماً ضمن دائرة الاستهداف المعادي الذي تنوعت أشكاله، من التخريب الداخلي إلى العدوان الخارجي، فإن الرئيس صدام حسين لم يكن بمنأى عن هذا الاستهداف، لا لجهة موقعه في قيادة العراق، ولا لجهة موقعه القيادي في البنية التنظيمية للحزب.
إن التركيز على شخصية صدام حسين و”شيطنتها” في وسائل الإعلام المعادية، فلإدراك من القوى المعادية بأهمية الدور الذي كان يؤديه الرفيق صدام حسين في قيادة الدولة والحزب، وهو الذي تميز بمعطيات شخصية لم تتوفر لغيره من الذين شغلوا مواقع قيادية في هرمية الدولة والحزب. فهو إضافة إلى امتلاكه الرواية الاستشرافية، كان يختزن في ذاته وعياً عقائدياً لفلسفة الثورة العربية، وفكراً سياسياً مشدوداً إلى ثوابت المواقف المبدئية، كما فهماً للحقيقة التاريخية للأمة العربية وطبيعة التركيب المجتمعي في العراق بكل تناقضاته، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته، وهذه كلها من السمات الأساسية لتكوين الشخصية القيادية التي تمنح حاملها كاريزما خاصة تجعل منها شخصية جاذبة تنشد إليها الجماهير لحاجتها لمن يحقق لها امتلاء نفسياً في الاجتماع السياسي الذي تعيشه الشعوب.
هذه المواصفات التي اجتمعت في شخصية صدام حسين جعلته عرضة للاستهداف الأمني والإعلامي والمعنوي من قبل دوائر استعمارية وصهيونية وصفوية ورجعية عربية. فهو كان عراقياً بمفهوم المواطنة الحقيقية التي ترتقي فوق المناطقية والطائفية والعشائرية، وكان فلسطينياً بمفهوم الموقع الذي تحتله القضية الفلسطينية في سلم قضايا النضال العربي، وكان قومياً عربياً بمفهوم التكوين التاريخي للأمة والرسالة الحضارية التي تحملها للإنسانية، وكان تحررياً عالمياً بمفهوم الالتزام بحق الشعوب في مقاومة مستعمريها وناهبي ثرواتها، وحقها في تقرير مصيرها، وكان بعثياً بمفهوم الفكر الثوري الداعي إلى تحقيق وحدة الأمة العربية وتحررها وتقدمها في كل مجالات الحياة.
إن الجماهير العربية في العراق وعلى مساحة الوطن العربي انجذبت إلى شخصية صدام حسين، لأنه جسد بنظرها مشهدية البطل الحقيقي الذي عايشته على أرض الواقع، والشعوب في تركيبها الجمعي السيكولوجي بحاجة إلى قائد تجد نفسها من خلاله، فإن لم تجده في الواقع المعاش تبحث عنه في الأسطورة.
إن الجماهير انتشقت إلى شخصية صدام حسين لأن كل مواطن عراقي وعربي وجد في صدام حسين بعضاً من نفسه، وهذا ما أضفى عليه شخصية القائد الوطني العراقي والقائد القومي العربي الذي اختصر في شخصيته كل عناصر القضية الوطنية العراقية والقضية القومية العربية. وإذا كانت مسيرته النضالية غنية بالمحطات النضالية التي عكس من خلالها معطى شخصيته القيادية، إلا أنه بالمشهدية التي أطل من خلالها على جماهير العراق والأمة العربية والإنسانية صبيحة عيد الأضحى المبارك، يوم واجه الجلادين الأميركيين والفرس الصفويين والعملاء المحليين، باستنفاد سلاح الموقف المبدئي، بأنه قائد من طراز خاص نذر حياته لخدمة شعبه وأمته ولم تغب عن ذهنه المعلومة أن يحول أقسى اللحظات حراجة في حياة الإنسان إلى جولة من جولات المنازلة مع أعداء العراق والأمة بإطلاقه شعار، “عاش العراق، عاشت فلسطين حرة عربية، عاشت الأمة العربية”. إن هذه المشهدية لن يستطيع رسم لوحتها السياسية بكل أبعادها النضالية إلا شخص من نوعية صدام حسين. لهذا كان استهدافه ورفاقه في قيادة الحزب والدولة الوطنية، من ضمن عملية الاستهداف العام للعراق كموقع وطني وحامي للبوابة الشرقية للوطن العربي والحزب كحزب قومي ثوري يحمل مشروعاً قومياً نهضوياً، وللعروبة كهوية قومية تعرّف بها أمة العرب.
إن دوائر القوى المعادية وخاصة الأميركية منها، التي حاولت أن تشوه الصورة التي حفظتها الجماهير العربية في ذاكرتها لصدام حسين القائد ذي الشخصية الكاريزمية، من خلال التصوير المهين أثناء وقوعه في الأسر، استطاع قائد العراق أن يسقطها في جولات المنازلة على الأرض بفعل المقاومة الوطنية التي أطلقها وكانت أسرع مقاومة في تاريخ الشعوب المقاومة للاحتلال، وبفعل تحويل محاكمته المفتعلة لأسئلتها الدستورية والقانونية والشرعية، إلى محاكمة للاحتلال وعملائه.
إن المقاومة الوطنية العراقية كانت خياراً استراتيجياً اختطته قيادة العراق وعلى رأسها القائد صدام حسين، سبيلاً لتحرير العراق من الاحتلال، وقدمت نفسها بأنها ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ نظراً للظروف التي أحاطت بها. هذه المقاومة التي اتخذ الرئيس القائد صدام حسين قرار إطلاقها وتوجيه مسارها في أشهرها الأولى، لم تنطفئ جذوتها بل استمرت بفعالياتها في ظل قيادة الرفيق المناضل عزة إبراهيم، رفيق شهيد الحج الأكبر في قيادة تجربة الحكم الوطني، إلى أن استطاعت أن تفرض على المحتل الأميركي الانسحاب تحت وقع الضربات التي كانت تلحقها بقواته. وإذا كان الحزب قد دفع تضحيات جسيمة من خبرة قياديه وكوادره ومناضليه وفاق عدد شهدائه 150 ألف شهيد، وهو ثمن وإن كان باهظاً إلا أنه يهون تجاه الهدف الأسمى وهو تحرير العراق من الاحتلال.
لقد أوقعت المقاومة الوطنية بالمحتل خسائر بشرية لم يكن يتوقعها إذ بلغ عدد قتلاه وباعترافاته أكثر من خمسة آلاف قتيل، وعدد الجرحى والذين باتوا خارج الخدمة العسكرية نتيجة الصدمات النفسية التي أصابتهم بأكثر من 75 ألفاً من تشكيلات القوات المسلحة النظامية والعاملين بإمرتها. وهذا ما جعل المحتل الأميركي يطوي صفحة احتلاله المباشر لينتقل إلى فتح صفة ثانية من الاحتلال عبر تمكين النظام الإيراني من العبور إلى الداخل العراقي وممارسة دور المحتل من الباطن والتغلغل في كل مفاصل الحياة العراقية.
وعن حقيقة العلاقة الأميركية – الإيرانية حيال العراق، يقول وزير خارجية أميركا السابق ومهندس اتفاقيات فك الارتباط بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية هنري كيسنجر في حديث صحفي: “نحن من شجع التغلغل الإيراني في العراق ونعمل إعلامياً على تضخيمه أضعافاً مضاعفة، من أجل إرباك الدول العربية وتركيا ودفعها لكي تتصارع على أرض العراق وأيضاً إرباك العراقيين ودفعهم للتكتل بنها لحماية أنفسهم من الخطر الإيراني”. ويعلن كيسنجر بأن العراق هو رقم أساسي في الاستراتيجية الأمريكية، لا بل نقطة ارتكاز مركزية في هذه الاستراتيجية تجاه الشرق الأوسط والعالم. كما أن الهدف الحقيقي من الحرب على العراق عام 2003، هو السيطرة الروحية التاريخية على العراق لضمان السيطرة الفعلية على الشرق الأوسط كله وبالتالي العالم، وهذا يتطلب السيطرة على المنطقة العربية بقصد تفكيكها وإلغاء هويتها الثقافية القومية وأن يأخذ مخطط التفكيك من العراق منطلقاً ونقطة بداية للتنفيذ.
إن ما أفصح عنه كيسنجر حول أبعاد الاستراتيجية الأمريكية حيال العراق سبق أن أعلن مثيل له العام 1996 عندما قدمت مجموعة من المحافظين الجدد في الإدارة الأميركية ورقة إلى نتنياهو، رئيس وزراء العدو الصهيوني آنذاك تتضمن رؤيتهم لمستقبل الدولة العربية في إطار مستقبل عام لمجال عربي ضمن دائرة جغرافية أكثر اتساعاً هي دائرة الشرق الأوسط الجديد.
إن الورقة التي حملت عنوان A Clean Break: A New Strategy for Securing the Realm أو ما يمكن ترجمته بـ”اختراق نظيف: استراتيجية جديدة لتأمين العالم”. وقد أسهم في كتابة هذه الورقة ثلاثة من كبار المتعصبين في دعم الصهيونية ومشروعها في فلسطين والمنطقة العربية. وهم ريتشارد بيرل، ودوغلاس فيث، وبول وولفويتز. وتضمنت الورقة خارطة جديدة للشرق الأوسط تكون قابلة للتنفيذ بعد القيام بغزو العراق وتحطيمه وتقسيمه ونزع قوته العسكرية وتمزيق شعبه، وبعد ذلك تسهل عملية إسقاط البلدان العربية الأخرى بالتتابع. وهو ما يعبرون عنه بفكرة “الدومينو السياسي لبلدان المنطقة”. وفي أيلول 2000، عاد هذا الفريق نفسه إلى صياغة وثيقة أكثر تطرفاً تحت عنوان: “إعادة بناء دفاعات أميركا”، التي قدمت إلى جورج بوش الابن إبان حملته الانتخابية، وتضمنت تحديثاً شديداً عن “بيرل هاربور جديد” لكن هذه المرة “الفاعل الإسلامي”. وهو ما حدث بعد عام واحد في 11 أيلول 2001 والذي على إثره انطلقت الحرب على أفغانستان والعراق. والمثير للنظر أنه أثناء المداولات بين أعضاء الفريق المحيط بالرئيس الأميركي آنذاك حول الهدف الذي يجب ضربه، سارع وولفويتز إلى الرد بسرعة، إنه العراق، علماً أن “القاعدة” التي تتخذ من أفغانستان مركزاً لإدارة نشاطها نسبت أو تُسبب إليها تنفيذ العملية.
في حزيران 2006، نشرت مجلة القوات المسلحة الأميركية تقريراً كتبته “الرف بيترز” وهو كولونيل سابق في الجيش الأميركي وجاء في التقرير: “إن الحدود المرسومة للدول في قوس شمال أفريقيا والشرق الأوسط ليست ثابتة على الإطلاق. ومن هنا لا يجب التجاوب مع الحجة القائلة إن هذه الحدود لهذه الدول لا يجب تغييرها، ذلك أن حدود الشرق الأوسط تسبب مشكل وظيفياً داخل هذه الدول نفسها، وبين الدول بعضها البعض، خاصة من خلال الممارسات ضد الأقليات القومية والدينية والإثنية، أو بسبب التطرف الديني أو المذهبي أو القومي. ولذلك يجب إنهاء هذا الأمر”. وينتهي التقرير إلى اقتراح تفكيك دول العراق والسعودية ومصر وسوريا وليبيا والسودان.
إن الاستشهاد على هذه الوثائق، هو للتدليل على أن العراق كان ضمن دائرة الاستهداف المركزي للاستراتيجية الأميركية. وأن تولي الإدارة الأميركية هذه الأهمية للعراق وتربط عملية إعادة تشكيل نظام إقليمي في الشرق الأوسط يحاكي المصالح الأميركية والصهيونية انطلاقاً مما يخطط للعراق عبر احتلاله وتفكيك بنيته الوطنية، فهذا يعني أن قضية العراق هي من القضايا المركزية التي يتمحور حولها صراع المشروعين المتضادين:
– المشروع الاستعماري بكل شبكة تحالفاته ومرتكزاته الميدانية.
– والمشروع القومي الذي شكلت المقاومة الوطنية العراقية نقطة الانطلاق لمواجهة المشروع الاستعماري انطلاقاً من العراق.
ومن لا يضع قضية العراق في مصاف القضايا المركزية للأمة، إنما يتعامى أو يتجاهل عن قصد أو عن قصور في الفهم والإدراك السياسيين لأبعاد الاستهداف المعادي للأمة العربية والذي تلعب فيه أميركا دور القيادة الاستراتيجية لهذا المشروع الذي يجد مرتكزاته الإقليمية في “إسرائيل” في قلب الداخل القومي وإيران وتركيا من مداخله وإثيوبيا من بوابة الأمن المائي.
إن “شرق أوسطية” المنطقة لا تستقيم من المنظور الاستراتيجي الأمريكي إلا بالتلاقي والتقاطع الإيجابي مع المنظورين الصهيوني والفارسي الصفوي، وعلى أساس مبدأين متلازمين من حيث النتائج: الأول، جمعي يشمل البلدان العربية والكيان الصهيوني في تمدداته بعد التطبيع، وبلدان الجوار الإقليمي من إيران وتركيا، بحيث يتيح هذا الجمع لقيام خليط هوياتي تنتفي معه خصوصية الشخصية القومية العربية بكل إرثها التاريخي، والإسلام أساس فيه، باعتباره أبرز المكونات التاريخية للأمة العربية. والثاني، تجزئي – تفكيكي، يقوم على إنتاج كيانات قطرية جديدة في إطار من الفرز الإثني والطائفي والقومي والجهوي والقبلي والعشائري. كل ذلك في إطار فيدرالية من الأقاليم والمناطق الفرعية من حيث المصالح تبقى حالة الصراع والاحتراب مفتوحة على المستقبل.
من هنا فإن دلالة من بين الدلالات الكثيرة للحرب على العراق واحتلاله، إنما تبرز بالهجومية الأميركية لتصفية مواقع القوة في الوطن العربي، وهو ما كان يجسده العراق في ظل حكمه الوطني والذي شكل رافعة لمشروع نهضوي تجاوزت إنجازاته حدود ساحة العراق الوطنية إلى رحاب الوطن العربي الكبير.
للتأثر من هزائم تاريخية ألحقها العرب بإمبراطوريات متاخمة.

Leave a Reply