رشاد أبو شاور
“لم أسمعك تتحدّث عنه هكذا من قبل؟ لم يكن قد مات بعد!”
من حوار بين شكسبير وعشيقته في فيلم (شكسبير عاشقًا)، وكان الحوار بينهما يدور حول رحيل الشاعر والمسرحي المعاصر لشكسبير (كريستوفر مارلو)، الذي قرأنا له في العربيّة مسرحيتين هما: (اليهودي المالطي)، و(الدكتور فاوست).
أكتب عن الشاعر الكبير محمّد الفيتوري، وهو عندي من الروّاد، وإن حضر بعدهم بقليل، فهو كصوت مجدّد وحداثي، أغنى حركة الشعر العربي، وأضاف لها منذ مجموعته الأولى (أغاني إفريقيا)، التي ضمّت قصائد كتبها في الأربعينات من القرن العشرين. نحن أصدقاءه اعتدنا أن نناديه بأبي ربيع، ولا أدري إن كان له ابن يحمل هذا الاسم، إذ لم يخطر ببالي أن أسأله عن أسماء أفراد أسرته، وزيجاته، وخصوصياته التي تعنيه وحده.
أوّل مجموعة شعريّة اقتنيتها من أعماله كانت (عاشق من إفريقيا) التي صدرت عن دار الآداب. أذكر أنني توجهت إلى مكتبة في شارع خالد بن الوليد بدمشق، وكان ثمن النسخة 250 قرشًا لبنانيًّا، وعندما قلت لصاحبة المكتبة: وإذا كنت عاشقًا؟ ابتسمت وحسمت من السعر 25 قرشًا إكرامًا للعشق. كنت طالبًا في المرحلة الثانويّة، وشراء كتاب بليرتين وربع كان تضحية، ومع ذلك فالشعر كان يستحق هذه التضحية.
مضت سنوات وتعرّفت بهذا الشاعر الكبير الذي حبّبني بشعره الناقد رجاء النقّاش، والناقد محمود أمين العالم الذي قدّم لمجموعته الأولى (أغاني إفريقيا) بقراءة ابتدأها بجملة تعلي من شأن تجربة الفيتوري الشعريّة: هي رحلة شعرية من طراز فريد.
النقّاش عاتب الفيتوري على صمته، وحبسه لنفسه في حالة شعور بالاضطهاد كونه أسود اللون، مذكّرًا إيّاه بوسامته، وعروبته، وأنه غير مضطهد في بلاده العربيّة، ملحًّا عليه أن يخرج من حالة مفتعلة، وأن يعود ليكتب الشعر الجميل الذي وعدت به بداياته المبشّرة بولادة شاعر كبير ننتظر إبداعاته كقرّاء عرب.
قرأت أن الفيتوري بكى وهو يقرأ المقالة، وبعد البكاء والدموع أطلّ الفيتوري على قرّائه وجمهوره ـ كان يعيش في القاهرة آنذاك ـ بمجموعته (عاشق من إفريقيا) التي حظيت بالترحيب، وكانت خطوة واسعة في مسيرة الفيتوري الشعريّة.
فتنني الفيتوري في مجموعته الشعريّة (معزوفة لدرويش متجوّل)، ففي هذه المجموعة قرأت الصوفيّة شعرًا، والشاعر ولد. كما في سيرته ـ لقبيلة عربيّة متجوّلة بين السودان وليبيا، وجدّه عُرف في السودان كأحد الصوفيين، والفيتوري عاش منذ طفولته المبكّرة الأجواء الصوفيّة، حلقات الدروشة والإنشاد والموالد، وحفظ القرآن الكريم مبكّرًا، ومن مطلع الطفولة تعلّق بالشعر العربي، وتوقّف عند عنترة بفحولته وشوقه للحريّة، وتجاوزه لقهر اللون بالشعر والفروسية.
الفيتوري منشد من طراز نادر، فهو على المنبر، وأعيد الوصف لصاحبه فهو ليس لي وإن بهرني، فهد إفريقي متحفّز. بصوت أجش عميق عريض، وبتحفّز، وهو مربوع القامة، وبنظرات تخترق الجمهور، تحلّق في فضاء المكان، يهيمن، يحلّق، تعلو قامته، يأخذ الجمهور ويدور به في حالة الحضور.
“أصبح الصبح فلا السجن ولا السجّان باق”
تلك كانت واحدة من ألمع قصائده الأولى، نشيد حريّة، وحثّ على افتدائها، ووعيد للطغاة، وبها شدا صوت الفنان التقدمي السوداني محمد وردي، وطبقت الآفاق من صوت العرب، وإذاعة القاهرة، أيام العز والكفاح.
ما زلت أنشد كلما عنّ ببالي الحب، الحب برومانسيته، بعذوبته، بحلاوته، بشفافيته، بأناقته، بوجدانيته، بروحانيته:
في حضرة من أهوي عبثت بي الأشواق
حدّقت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
وزحمت براياتي وطبولي الآفاق
عشقي يفني عشقي وفنائي استغراق
مملوكك لكنّي سلطان العشّاق
هذا مقطع الختام، ذروة (معزوفة لدرويش متجوّل)، وأنا كما شأني دائمًا أختم: الله الله الله، الله يا مولانا يا أبا ربيع، كأنني في الحضرة، وعندي أن هذا شعر لا يموت، ولا يُنسى، ولا أجدني مطالبًا بالتفسير، فهذا شعر ينعش الروح، وتنتشي به النفس، وهو شعر حب من (جوّا) لا شعر وصف للمحبوبة، لتقاطيع وجهها، لغصنها الميّاس، أو دلالها..
الفيتوري الشفّاف يصرخ أحيانًا مباشرةً:
الموت للخيانة ولتسقط الرجعيّة الجبانة
وهو نفسه الذي بصوفيّة وشجن ورغبة بتبشير ينشد:
الجماهير أفاقت من كراها
أتراها يزحم الأفق نداها؟
خصوصية صوت هذا الشاعر جعلته بلا تلاميذ، فهو سوداني (أسود)، وفي مرحلة من حياته، البداية بخاصة، توقّف عند اللون، ربّما متأثرًا بحركة (الزنوجة) التي بشّر بها الشاعر الإفريقي السنغالي ليوبولد سنغور.
أحد الذين شجّعوه على الخروج من هذه الحالة الناقد رجاء النقّاش، فهو أسود وسيم، وهو عربي، وهو لا يعاني من العنصرية في وطنه العربي الكبير، وبعض ألمع وأعظم أبطال العرب وفرسانهم وشعرائهم من سود البشرة: عنترة، أبو زيد الهلالي، الشنفرى..
محمد الفيتوري عمل في الصحافة المصرية في الحقبة الناصرية، وهو كما يروي في سيرته عن تجربته الشعريّة، وفي حوارات أُجريت معه، عمل مع السادات عندما كان رئيسًا لتحرير صحيفة (الجمهورية)، وكان السادات نصف سوداني، أمّه سودانية، وهو الذي انتدبه لتمثيل مصر شعريًّا في أعياد السودان.
الفيتوري منذ بضع سنوات غائب عن المشهد الشعري والأدبي العربي. وهو يعيش في المغرب، في العاصمة الرباط، وقد تزوّج قبل سنوات من سيّدة مغربيّة. الفيتوري مريض إلى حد الصمت بعد أن تعرّض “لجلطة” أقعدته، وشلّت حركته، وألزمته الاعتكاف، وهو الذي كان يتنقّل في بلاد العرب “على قلق كأن الريح تحته”..
في بلادنا نتفطّن إلى افتقاد المبدعين بعد رحيلهم، نبدي الحسرة ـ كأنما على أنفسنا، والمصير الذي ينتظرنا ـ ونتفجّع نادبين بعد فوات الأوان..
عندما اتصلت بهاتف الفيتوري في الرباط ردّ عليّ صوت زوجته بلهجتها المغربيّة المحبّبة، واعتذرت لأنه نائم، وأبلغتني أنها ستنقل له تحياتي وسؤالي عنه.
الفيتوري شاعر كبير، يستحق التكريم، والسؤال عنه، والكتابة عن عطائه الشعري الغني. ليس للفيتوري “بطانة”، ولا خلفه جهاز ترويج.
أتمنّى لهذا الشاعر الكبير، الصديق أبو ربيع، أن يعود بكامل صوته مواصلًا إنشاده، وأن تكون تجربة المرض والصمت والألم والاحتجاب القسري تجربة تغني شعره وإبداعه، بالتأمّل في معنى هذه الحياة، هو الصوفي بحق الذي سأنشد له مع كثيرين، دائمًا:
غنّيت بلا وجه
ورقصت بلا ساق
مملوكك لكنّي سلطان العشّاق

Leave a Reply