لم أبدأ بالغزل، بل أطلقت صرختي في وجه المستعمرين والغزاة..
جدتي التي (اختُطفت) كشفت لي آلام الإنسان الإفريقي..
(زهرة) هي التي وضعت البذرة النارية في روحي وأشعلتني..
اكتشفت لاحقًا أن النميري لم يسحب مني جنسيتي السودانية..
رغم انتقادي للصادق المهدي، لكنه كان يقرأني بكثير من الرضا..
الحياة الأدبية المعاصرة مجموعة من (الشلليات) القائمة على المصالح الشخصية..
لكل مبدع جماعته النقدية التي تدافع عنه وتمجّد له.. وليس عندي ما أمنحه كي يكتبوا عني..
تجربتي الشعرية والحياتية لم تكتمل بعد، ومن يكتبون سيرتهم الذاتية كأنما سيغادرون الحياة..
حوار: خالد عبد اللطيف
لم أكن أدري أن الصدفة وحدها هي التي ستجمعني به ثانية بعد أن قابلته لأول مرة منذ سنوات بعيدة مضت.. تلك المقابلة الأولى التي تركت لدي انطباعًا قويًا لا يقل عن تأثير قصيدته في مخيلتي المكتظة بالقصائد والوجوه والأمكنة والأزمنة.. هو انطباع أشبه بأقواس قزح من حيث بهجتها وتناقضها في آنٍ واحد..
فهو شخص مبهم، كونه رغم ما انصرم طويلًا من سنوات عمره ما يزال شابًا في روحه، يغامر في فضائه الواسع عبر اشتغاله النشط بقصيدته التي لم تعرف الشيخوخة إليها طريقًا.. فمكثت نضرة متوهجة تتشظى بالأسئلة الوجودية الصعبة كما أراد لها..
أما التناقض فليس بسبب رؤيته الفلسفية للحياة والشعر، بقدر ما هو تناقض ألوان قوس قزح نفسه، بما يشي من تنوّع وثراء في التجربة الشعرية وتعدّد أصواتها ومناخاتها.. أو مثل الوجه الآخر للقمر، حيث تكون السماء ملبدة بغيومها، فحينها تستدعي المتاهة فصولها، وتتضخم حيرة الشاعر وهو يواجه مآلاته المستعصية، متجاوزًا الفخاخ التي من حوله، متشبثًا برؤاه الحالمة وحقه التاريخي المشروع في أن يقول كلمته ضمن سياقه الوجودي المربك، غير عابئ بالوصول إلى اليقين المطلق، فهذا ليس من مهامه.. فقط يكفيه إثارة أسئلة الشعر التي هي أسئلة الحياة.. فقط ينتهي دوره عند حدود القصيدة التي هي حدود كونية تتسع لجميع الموجود والغائب والذي ربما سيأتي..
(قوس قزح) هذا، بانفعالاته التي تحملها خارطة وجهه، وأحزانه التي تحنو بها عيناه، وأفراحه التي تعيده طفلًا مرحًا كلما طوّقته سنوات العمر.. هو الشاعر الذي، رغم شهرته الواسعة ورغم ذيوع اسمه، فإن قراءه قد لا يعرفون عنه الكثير، بل أحيانًا يخلطون في أصله ونسبه إن كان سودانيًا أم مصريًا أم ليبيًا..
وهو الذي أبصرت عيناه مطلع أول شمس في السودان، حيث وُلد وكان الانتماء.. وبمقدار ما أدهشت قصيدته قارئها، بمقدار ما كانت ترسم له في مخيلته صورة ضبابية له، كأنما أراد التخفي خلف أشعاره دون أن يعلو صوت الراوي ولو لمرة واحدة، في حين أن كل مفردة كتبها تشير إليه..
إنه الشاعر السوداني محمد الفيتوري، الذي منحتني الصدفة فرصة التقائه ثانية في الدوحة، إبان تدشين مهرجانها الثقافي الثاني، والذي كان الفيتوري أحد ضيوفه الشعراء ممن أضاءوا المهرجان بأمسية شعرية ما زال دويها الساحر يملأ الآفاق حتى هذه اللحظة، من خلال البث المتكرّر لقصائد هذه الأمسية عبر الفضائيات التي قلما تستضيفه متحدثًا، بينما تطلق سراح قصائده هو والشعراء الآخرون حين يعزّ عليها القصيد، وتحاول إقناع محبي الشعر أنها محتفية بالشعر أكثر من احتفائها بالفيديو كليب..
لقائي به مجددًا لم يفاجئني بانطباع مختلف، بل عزّز من الانطباع الأول.. فما زال الفيتوري كقوس قزح ببهجته وتناقضه.. ما زال يثير الأسئلة المفرحة والمحزنة معًا، وينثر الدهشة من فم القصيدة، ولا يخفي ريبته من مشهد ثقافي عربي يفتقد إلى المنطق في تقييم الشعراء والاحتفاء بأدوارهم التاريخية في حركة الإبداع..
كثيرة هي الهموم التي طرحها الفيتوري، التي قد تختلف أحيانًا عن هموم سائر الشعراء، حيث الرجل ما زال، رغم انتهاء حقبة الألم الإفريقي وانقضاء عهود الاستعمار الغاشمة، يشكو وطأة الماضي التاريخي والجرح الذي لا يبدو أنه سيندمل.. كأنما يعيد سبب تخلف القارة السمراء ومعاناتها إلى سياقها التاريخي، ويشير بأصبع الاتهام إلى أن المستعمر ما زالت آثاره باقية على الأرض وصوره جاثمة على الصدور..
ويستمر الحوار معه لأكثر من جلسة ولأكثر من يوم، وتتحوّل أحاديث الصباح والمساء بيننا إلى هوامش حوارية مطوّلة يمكن إضافتها للمتن، لكن يضيق الحيز الصحفي كعادته عن احتواء كل هذه الحصيلة الكبيرة التي تكوّنت عبر أسبوع كامل من الالتقاء اليومي بالفيتوري في سياق “المحاورة” أو خارجها.. ولربما مستقبلًا يمكن توثيق التفاصيل في كتاب لو قدّر له أن يرى النور، أو عبر سيرته الذاتية التي يقول الفيتوري عنها إنه لن يغامر بكتابتها إلا إذا ضمن خروجها بالشكل الذي يطمح إليه..
ومضات قليلة إذن تجد طريقها إلى النشر الآن من حوارية مكثّفة ومطوّلة، في محاولة لرسم صورة مقرّبة للشاعر والإنسان محمد الفيتوري الذي يعتبره النقاد من أهم الشعراء الكبار الذين ما زالوا على قيد الحياة، يقبضون على جمرة الشعر ويراهنون على فرس القصيدة..
من أنت أيها الفيتوري؟!
– أنا الذي وُلد في السودان وتربيت وتفتحت عيوني في مدينة الإسكندرية المصرية.. فيها تعلّمت وحفظت القرآن، كأي طفل ينتمي إلى أسرة مهاجرة في مصر.. ومع ذلك عندما بدأت كتاباتي الشعرية لم أبدأها كما يبدأها أي شاعر، بل بدأتها بالحنين إلى إفريقيا، بالبكاء على ما كان في الماضي “العبودية”، والصراخ في وجه المستعمرين والغزاة والقتلة الذين يومًا ما داسوا على هذه الأرض الطيبة..
الأرضُ الإفريقية.. واستُعبدَ أحرارُها.. كانت صرخاتٌ غيرُ عاديةٍ في الشعر العربي.. حيث خرجت عن قوالب الغزل، وتحوّلت من التَّغنّي بالحبيبة إلى الصراخ في وجه الغزاة:
إفريقيا استيقظي
وصرختُ أنا زنجي
وأبي زنجي
وجدّي وأمّي زنجية
كان هذا هو صوتي.. صوتُ ذلك اليافع.. لأن عمري لم يكن قد تجاوز حينذاك الثانية عشرة تقريبًا.. كنتُ قد حفظتُ القرآن الكريم، وقرأتُ الكثير من الشعر العربي من مكتبة أبي.. وتلقيتُ أُسس الثقافة العربية القديمة التي كنا نتعلمها في المعهد الديني بالجامع الأزهر.. كنتُ قد قرأتُ السيرة النبوية.. وبدأتُ أخرج من قوقعتي وأحتكّ بالآخرين.. كطفلٍ صغيرٍ يشعر بعقدة النقص لأنه أسود في مجموعةٍ عربية.. أنا الذي لم أصرخ وأبكي على ذاتي، ولم ألتفت إلى الحصار من حولي، أو أبكي على غربتي.. لكنني هتفتُ وصرختُ وبكيتُ باسم الإنسان الإفريقي الذي أردتُ أن ينفض عنه الغبار ويتطلع إلى العالم بعيونٍ ملأى بالتحدي والإصرار.
ويبوح
أنت أسير معادلة السواد والبياض إذن؟
– نعم.. السواد والبياض هو أسى مرحلة البدايات.. فعندما كنتُ طفلًا، وذلك في الأربعينيات، كانت الإسكندرية مدينة البيروقراطية المصرية.. كنتُ أتحرك في شوارعها، وأكاد أكون أنا الأسود وحدي الذي يستطيع أن يتحرك وسط قومٍ هم من اليسر والبهاء والجمال والبياض. في تلك المرحلة المضبّبة الآن في ذهني.. صرخ محمد الفيتوري الشاعر بعنفوان الإنسان الإفريقي وتمرّده وسخطه على ما كان، ورغبته في أن يشكّل هذا الواقع على نحوٍ أفضل.. هل كان لتلك المرأة العجوز “جدّتي” فضلٌ في هذا الصراخ؟.. نحن من عائلةٍ ميسورة، أبواي مهاجران.. تنحدر في أعصابي وشراييني دماء كثيرة.. قبائل زنجية، وقبائل عربية، وقبائل شريفة وأخرى مختلفة.. ما الذي جعل هذا الشاب ينتبه إلى هذه النقطة الحسّاسة في حياة الإنسان المعاصر؟.. هل هي حكمة جدتي العجوز التي أُسرت واختُطفت رغم انتمائها إلى إحدى أهم القبائل الإفريقية ما بين الجنوب السوداني وغربه، وتحديدًا منطقة بحر الغزال في قبيلة (القرعان)؟.. هل كانت (زهرة) جدّتي هي الصوت الذي انبثق من خلالي ليعبّر عن آلام الإنسان الإفريقي؟
كانت ابنة شيخ قبيلة كما حدّثتني.. وكان أهلها فرسانًا كما حدّثتني أيضًا.. وكانت صغيرة، عمرها تسع سنوات.. وخرجت لتأتي بالماء من البئر مع قريناتها.. وفجأة وجدت شخصًا أسمته بـ(الجلّابي).. قالت لي: جاء أحد (الجلّابة)، ثم خطفني وأردفني وراء ظهره، ثم أهداني إلى جدّك.. قلت لها: من هو جدّي؟!.. قالت لي: جدّك السيد علي بن سعيد بن يعقوب الشريف. كان تاجر رقيق.. وكان ذلك هو حديثها. عندها شعرتُ وكأني أقف على صراطٍ ما بين الحريّة والعبودية.. هذه الجدّة مستعبدة.. هذا الجد تاجر رقيق.. وأنا طفلٌ صغير لا يعرف معنى العبودية ولا معنى الحريّة.. أعتقد أن هذه السيدة هي التي بذرت هذه البذرة، التي لا أقول إنها سوداء، وإنما البذرة النارية في روحي.. البذرة التي أشعلتني.
ويَسْمُو
من الذين شحنوا ذاكرتك؟
– كبرتُ ووجدتُ نفسي أتطلّع إلى نفسي.. وكنتُ قد قرأتُ لشاعرٍ انتميتُ إليه روحيًا وعاطفيًا، هو عنترة بن شداد.. قرأتُ سيرته. كان أسود. كانت أمه جارية. كان جدّه شداد من شرفاء العرب وفرسانها. لم يعترف أبوه ببنوّته، لكن فروسيته فرضت على أبيه أن يعترف به.. وأصبح عنترة بن شداد رجل تاريخٍ ونضال. وقد تأثّرتُ به واتخذته نموذجًا في بداية حياتي.. وكنتُ آنذاك أبحث أيضًا عن الشعراء السود.. فقرأتُ الإمام العبد، وهو شاعر مصري كان أسود.. كما قرأتُ سُحيم عبد بني الحسحاس.. وقراءات أخرى متنوّعة لشعراء المعلّقات والعصور العباسية والأموية والموشحات، وكل هذا التراث العميق والمؤثر في حياتنا كمثقفين.
ويستطرد
عد إلى الذاكرة مجدّدًا؟!
– استمرت كتاباتي.. وفي عام 1955 طبعتُ ديواني الأول (أغاني إفريقيا). وتواصلت كتاباتي، ثم توقفت فترة وجيزة، لأني بعد تخرجي من كلية دار العلوم عملتُ بالصحافة المصرية.. كجريدة (الأخبار)، ومجلة (آخر ساعة)، وجريدة (الجمهورية)، وكان فيها رئيسٌ للدار وقتها هو أنور السادات، فكان المدير العام لدار تحرير (الجمهورية)، وكان يتعاطف معي للوننا، ربما لأن أمه أيضًا كانت سودانية. فانتدبني من بين جميع زملائي للذهاب إلى السودان، وذلك لحضور حفلات استقلال السودان، وكان ذلك عام 1956. وسافرتُ بالفعل، ووجدتني أغوص من جديد في أرض السودان الطيبة التي أنتمي إليها، وينتمي إليها آبائي وأجدادي.. وهناك وجدتني ما بين عمالقة السودان الذين رفعوا على أكتافهم ورؤوسهم العالية سقوف الزمن.. كنتُ قريبًا جدًا ما بين الإمام عبد الرحمن المهدي، والسيد إسماعيل الأزهري، ومحمد أحمد محجوب، وعبد الله خليل، وحسن محجوب، ومبارك زروق، وحمّاد توفيق، والكوكبة الأخرى التي صنعت مجد السودان واستقلاله.. بقيت فترة بينهم، ثم طلب مني عبد الله خليل، رئيس وزراء السودان الأسبق، أن أعود مرة أخرى إلى السودان بعد الانتهاء من المهمّة التي وفدتُ لها.. قال لي: نحن بحاجة إليك.. فوعدته بذلك.. وسافرت إلى القاهرة، وبقيت فترة في جريدة (الجمهورية)، ثم قرّرتُ العودة إلى السودان.. وعُيّنتُ سكرتير تحرير لجريدة (النيل) اليومية الناطقة باسم حزب الأمة.. وكان رئيس التحرير زين العابدين حسين الشريف. إلى أن قامت ثورة الرئيس إبراهيم عبود مطلع الستينيات..
في ذلك الوقت عاد أيضًا من دراسته في الخارج، وزارني في مكتبي بجريدة (النيل)، وتوطّدت العلاقة بيننا حتى الآن. وكان وزير الإعلام آنذاك، طلعت فريد، قد طلب مني أن أكون رئيس تحرير مجلة (هنا أم درمان)، فتولّيت رئاسة تحريرها لمدة أربع سنوات. وكان يعمل معنا محمود مدني، وعوض وشي، ومحمود وصفي، ومحمد عبد الرؤوف عربي، وأبو بكر صديق الشريف.
وكان مدير الاستعلامات “الإعلام حاليًا” قد أخطرني، بعد نشر مقالٍ لي، أنه خارج السياسة التي يريدها، وقام بفصلي من (هنا أم درمان)، وبقيت بلا عمل مدة طويلة، هائمًا في شوارع الخرطوم وأم درمان. فقرّرت العودة إلى مصر، وعملت في إذاعة (ركن السودان)، وفي تلك الفترة كنت قد كتبت ديواني الثاني (عاشق من إفريقيا)، ثم الثالث (اذكريني يا إفريقيا)، ثم أكملت المسرحية التي بدأتها في السودان وعنوانها (سولارا)، وهي مطبوعة. وتزامن ذلك مع زواجي من الممثلة آسيا، أم ابني إيهاب، والتي تعرّفتُ عليها طالبة، ثم بدأت مشوار التمثيل.
ويحلّق
بعيدًا عن إفريقيا، أين ذهبت؟!
– انتهت مرحلة كتاباتي المتخصّصة عن إفريقيا، ووجدتني باحثًا عن مصدر نبع جديد، كي لا أعود ثانية إلى نفس المياه التي ركدت في روحي. فبدأت أهتم بالجانب الصوفي، والجانب السياسي الثوري، خاصة عندما بدأ انهيار حكومة إبراهيم عبود، ومجيء الحكومة الوطنية في السودان، والصدام الذي حدث بين رئيسها وبين الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، ثم الانقسام الذي حصل في حزب الأمة. فانضممت إلى جناح الصادق المهدي، وعندما أصبح رئيسًا للوزراء اختلفنا بعض الشيء حول بعض المواقف، وكتبت قصيدتي المشهورة (سقوط دبشليم)، وكنت أقصد بدبشليم الصادق المهدي، أما (بيديه) فكنت أنا. ذلك أن العلاقة بيننا كانت وثيقة جدًا، وكنت أؤمن به كمناضل ورجل مستقبل. ورغم انتقادي للصادق في هذه القصيدة، لكنه كان في منتهى الرقي، وكان يقرأها بكثير من الرضا. مثلًا، كنت أقول له:
اكتب عن عصرك
عصر الغضب الميت
عصر الضحك المقهور
عصرك يا مولاي
حيث تركض الخيول في القماقم
وتسكن الغرباء في العمائم
حيث يهب فجأة من ظلمة العصور
الديناصور
وكنت أعني بالديناصور الصادق المهدي نفسه. وكنت أقول له أيضًا: سألتني يا دبشليم، يا أيها الملك الحكيم، عن السقوط ذات مرة، فإن تكن ما زلت مصغيًا إليّ، ها أنا ذا أقول لك: يسقط بعضهم لأنه يرى ولا يرى، ويسقط البعض لأنه يسير القهقرى، وشر أنواع السقوط مرضًا هو السقوط في الرضا.
ثم اضطررت من جديد أن أبقى فترة في القاهرة، وتغرّبت بعد أن قامت ثورة جعفر النميري، وحدثت مذبحة عبد الخالق محجوب والشفيع، وهي المرحلة التي كتبت فيها قصيدة (قلبي إلى الوطن)، والتي أهديتها إلى عبد الخالق محجوب ورفاقه. وللتاريخ أقول: لم أؤذَ من أي حاكم سوداني، بل على العكس، كانوا يقدّرون مواقفي. وأذكر عندما قُدّمتُ إلى محكمة ووقفت أمامهم، لأنهم يريدون أن يقاضوني على هذه القصيدة، فقلت لهم: ماذا تريدون؟! قالوا لي: أنت هاجمت الرئيس. قلت لهم: لم أهاجم أحدًا، ولم أذكر في القصيدة رئيسًا، إنما تكلمت عن مرحلة، عن الكبار الذين حاكموني في هذا العصر. والحقيقة أنهم تركوني وشأني، وطلبوا مني فقط عدم ذكر اسم الرئيس نميري، مع البقاء في بيتي أربعين يومًا. وهنا قرّرت السفر إلى القاهرة، ومن ثم بيروت، وعملت فيها كاتبًا بمجلة (الأسبوع العربي)، وكان رئيس تحريرها ياسر هواري. وفي هذه الفترة كتبت ديواني (أقوال شاهد إثبات)، و(ابتسمي حتى تمر الخيل)، و(معزوفة لدرويش متجول)، وهي غير الدواوين الأخرى، كان يغلب عليها الاتجاه الصوفي.
ويتذكّر
هل حقًا أُسقطت عنك الجنسية السودانية؟!
– امتدت بي سنوات الغربة والتشتّت، لكن ثمّة مسألة مهمة جدًا لا بد أن أذكرها للتاريخ. فعندما أُبعدت في ذلك الوقت، أُسقطت عني الجنسية السودانية، وأنا سوداني بالميلاد، وهذا ممنوع قانونًا. ولذلك هاجمت جعفر النميري، وقلت إنه أسقط عني الجنسية. ولكن الذي حدث أنني، منذ شهر فقط من هذا الحوار، كنت في السودان، وعلمت من زوجتي (آسيا) المقيمة هناك أن النميري يريد أن يقابلني لينفي لي ما أشيع عن أنه هو الذي أسقط عني الجنسية، وأنه لم يفعل ذلك. ولم أذهب إليه، لكن اعتبرته بريئًا، وفي حل من هذه المسألة.
وأعود لأقول: عندما سمعت عن إسقاط جنسيتي، اتجهت إلى ليبيا، وتعرّفت على القائد معمر القذافي، الذي قال لي: أنا أعلم أن لك جذورًا في هذا البلد، حيث أجدادك ينتمون إلى ليبيا، فلماذا لا تأخذ الجنسية الليبية؟ فقلت له: أنا أحمل الجنسية السودانية. فقال لي: أنا عربي، وهذه الجنسيات جوازات مرور لا قيمة لها، خذ الجنسية الليبية واحتفظ بجنسيتك السودانية. وهكذا أصبح لديّ الجنسيّتان.
ويجترح
هل ستؤرّخ لسيرتك الذاتية، أم لم يحن الأوان بعد؟
– يسألونني دائمًا: لماذا لا تكتب سيرتك الذاتية؟ فأقول لهم: أشعر أولًا أنني ما زلت أتعلّم، وتجربتي الشعرية والحياتية لم تكتمل بعد. ومن يكتبون سيرتهم الذاتية، كأنما هم سيغادرون الحياة. ومن السير الذاتية القليلة التي أعجبت بها ما كتبه بابلو نيرودا، فهكذا تكون كتابة السيرة الذاتية، بهذا الشكل الشعري أو لا تكون. وهناك أيضًا عبد الرحمن بدوي، الذي كتب سيرته ضمن واقعه. وأنا أريد أن أكتب مزجًا بين الاثنين، الشعري والواقعي، بعيدًا عن أي زيف، بل من خلال وقائع حقيقية. فأنا تعرّفت على الرؤساء والسياسيين والقامات الإبداعية الكبيرة، وهذا جعل تجربتي ثرية جدًا، وتحتاج كتابتها إلى جهد ووقت. وأعتقد أنه لو أتيحت لي الفرصة أن أجلس وأكتب، سأكتب الكثير والمهم أيضًا.
ويشكو
كيف تنظر إلى المشهد الثقافي العربي الآن؟
– أنا لست في موقف الدفاع عن النفس، فأنا والآخرون يعرفون أن الحياة الأدبية المعاصرة هي مجموعة من “الشلليات” القائمة على المصالح الشخصية. فهناك من النقاد من لا يكتب عنك إلا إن كنت صديقه، ولكل مبدع جماعته النقدية التي تدافع عنه وتمجّده له. فما زالوا يختلفون حول أول من بدأ كتابة الشعر الحديث كتابة حقيقية، ومن الذين أسهموا، ولا أقول وضعوا، أساس القصيدة الحديثة. حيث لا يمكن لناقد نزيه أن يقول إن نازك الملائكة، ولا السياب، ولا البياتي، ولا بلند الحيدري هم الذين فعلوا ذلك، رغم أنهم كتبوا في أواخر الأربعينيات. ففي مصر كتب قبل هؤلاء محمود حسن إسماعيل قصيدة النثر، وقبله هناك شاعر يتجاهلونه جميعًا اسمه حسين عفيف، وكتب حوالي سبعة دواوين شعر، ما يُعرف بقصيدة النثر. وإذا كانت نازك الملائكة هي التي كتبت قصيدتها الأولى (الكوليرا) سنة 1947، فأنا أقول إنني عندما قرأتها آنذاك وقفت منها موقف المعارض. وفي نفس العام قرأت قصيدة عنوانها (إصرار)، وهي اسم الديوان، وكانت القصيدة عبارة عن هجوم على الملك فاروق، وكان صاحبها شاعرًا هو سكرتير الحزب الشيوعي المصري، كمال عبد الحليم، وديوانه (إصرار) كان قد هوجم هجومًا شديدًا من الدولة نفسها وسُجن. هذا الديوان، أقول من وجهة نظري، إنه يتميّز بأن بعض قصائده كُتبت بالطريقة الكلاسيكية، ولكن أغلبها بالطريقة الحديثة “التفعيلية”. وأتساءل الآن: لماذا تُجوهل هذا الرجل؟ لماذا تُجوهل حسين عفيف، الذي وضع الأساس الحقيقي للقصيدة المعاصرة، وليس قصيدة التفعيلة فقط؟ هنا لا يمكن إغفال التأثير الإعلامي وضعفه، ورغبته في إرضاء نزوات الناس مهما خالفت الحقائق والمنطق، والبكاء على الأشياء التي لا تفيد حركة الوعي الإنساني.
ويبرهن
ما الجديد الذي أحدثه الفيتوري في القصيدة؟
– لقد كتبت في بداية الخمسينيات، وقصيدتي (أحلام إفريقيا) في ديواني (أغاني إفريقيا) عام 1955، مكتوبة بطريقة التفعيلة التي خرجت فيها عن القواعد الكلاسيكية القديمة. لكن، ومع ذلك، إذا أهملنا هذا الجانب الشكلي، فهناك أيضًا الجانب الموضوعي. أنا الشاعر العربي الوحيد الذي كتب عن إفريقيا حتى هذه اللحظة، أربعة دواوين شعرية كاملة عن مأساة الإنسان الأسود ونضاله نحو الحريّة، وتاريخه الذي دُمّر يومًا ما بالعبودية، وعن تطلعاته المستقبلية. أنا الشاعر العربي الوحيد الذي كتب عن نكروما، وبن بلّة، ولوممبا، و(مانديلا)، ومع ذلك يُهمل هؤلاء النقاد هذا الجانب، ولا يعيرونه اهتمامًا. وهذا لا يعنيني، لأنني أعرف أن كلامهم أجوف، ولن يبقى في التاريخ، ولكن ستبقى الحقيقة في النهاية. ولأنني لست صاحب شلّة، ولا مال، ولا نفوذ أعطيه للآخرين ليكتبوا عني، فلست بحاجة لهم على الإطلاق. ويكفيني أنه كُتب في شعري ما لا يقل عن عشرين رسالة دكتوراه، ما بين المغرب والسودان ومصر وليبيا ولبنان، وكتب عني الكثير من النقاد الأصلاء، كالدكتور منين موسى وغريد الشيخ، وتُرجم شعري إلى مختلف اللغات: الروسية، والألمانية، والإنجليزية، والفرنسية، والكردية، وفي الصحافة الغربية. أما الحالة الأدبية والشعرية في الوطن العربي، فتحكمها العلاقات الشخصية وغياب التقاليد النقدية. فأنا عاصرت آخر النقاد، وعاصرت محمد مندور، ومحمد الشوباشي، وعباس محمود العقاد، وزكي مبارك. انتهى هذا الجيل، وأتى جيل ليس له علاقة بالنقد الحقيقي، وإنما بالصداقات والمنافع الشخصية.
ويتساءل
ثمة سؤال يشغلك دائمًا، ما هو؟
– أتساءل دائمًا: لماذا، بالفعل، الحياة الثقافية السودانية تكاد تكون محصورة في نطاقها الضيق فقط؟ فهناك أسماء بارزة سطعت في العالم العربي قديمًا وحديثًا، مثل محمد أحمد محجوب، ود.أحمد عبد الحليم، اللذين كتبا أول رواية في تاريخ الأدب، هي رواية (دنيا) التي كتباها معًا. وهناك أسماء اشتهرت في مجال الفن، مثل خليل فرح، وسرور، وسيد خليفة، ووردي، والكابلي، وفي الأدب الطيب صالح، والفيتوري، ومحيي الدين فارس. ولكن هذه أسماء محدودة، لكنها تمثّل كطاقة ضوئية باهرة تنبعث من هذه المنطقة (السودان) نحو العالم، تكاد تكون أمامها سدود، بدليل أن الوجه الحقيقي للفن السوداني العربي الإفريقي لم يستطع أن يتسرّب إلى وجدان ولا فكر الإنسان العربي. فالأغنية السودانية غريبة عن أذنه، رغم أنها تمثّل مزيجًا فريدًا للرؤية الإفريقية والأخرى الإسلامية العربية.

Leave a Reply