ليس ما يُعرض على اللايف: السودان بين انحدار المحتوى الرقمي وثبات القيم الأصيلة

صحيفة الهدف

 أمجد السيد

في السنوات الأخيرة ومع الطفرة الكبيرة في استخدام منصات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها TikTok برزت ظاهرة مقلقة داخل ما يُعرف بـ”المنصة السودانية”، حيث تحوّلت بعض المساحات إلى ساحات للشتائم، القذف، الإساءة، وترويج محتوى لا يشبه أخلاق المجتمع السوداني ولا يعكس تاريخه.

ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته باعتباره تعبيراً حقيقياً عن المجتمع السوداني، بل هو انحراف محدود تم تضخيمه بفعل خوارزميات تبحث عن الإثارة لا عن القيم. فالسودان الذي عرفه العالم ليس هذا الذي يُعرض في بثوث مباشرة مليئة بالابتذال، وإنما هو السودان الذي حمل سمعة طيبة عبر عقود في الخليج وأوروبا وأفريقيا بفضل أخلاق أبنائه وانضباطهم واحترامهم للآخر.

لقد ظل السودانيون أينما حلّوا نموذجاً في السلوك القويم حتى أصبحت السمعة السودانية رأس مال معنوياً حقيقياً. هذه الصورة لم تُبنَ في يومٍ أو عام بل عبر أجيال من المعلمين، الأطباء، العمال، والمبدعين الذين جسّدوا القيم في أفعالهم اليومية لا في ادعاءاتهم.

لكن في المقابل نجد اليوم من يختزل هذا التاريخ في لحظات بث مباشر يقدّم فيها أسوأ ما يمكن تقديمه؛ إساءات متبادلة، كشف للحياة الخاصة، وانحدار لغوي وأخلاقي غير مسبوق. الأخطر من ذلك أن بعض من يُفترض أنهم يمثلون الوسط الفني انخرطوا في هذا المسار، متخلين عن دورهم التنويري ومحوّلين أنفسهم إلى أدوات للفضيحة بدلاً من أن يكونوا حراساً للذوق العام.

وهنا لا بد من التوقف عند المقارنة المؤلمة بين ما كان عليه الفن السوداني وما آل إليه بعض من يدّعون الانتماء إليه اليوم. فمن زمن أغاني الحقيبة مروراً بروّاد الغناء السوداني الكبار، كان الفن رسالة وقيمة وتهذيباً للوجدان. كان الفنان يُقاس بما يقدمه من إبداع لا بما يثيره من جدل رخيص. أما اليوم فقد اختلطت المفاهيم لدى البعض فصار “الترند” بديلاً عن القيمة، و”اللايف” بديلاً عن المسرح، والفضيحة طريقاً للشهرة.

إننا ونحن ننتقد هذه الظواهر لا ندين المجتمع السوداني بل ندافع عنه، لا نعمم الخطأ بل نضعه في حجمه الطبيعي، فهؤلاء لا يمثلون السودان ولا أهله ولا تاريخه؛ إنهم حالات فردية وجدت في الفضاء الرقمي بيئة خصبة للانتشار، لكنها تظل معزولة عن الوجدان الحقيقي للشعب السوداني.

المعركة اليوم ليست فقط مع محتوى هابط بل مع محاولة تشويه صورة أمة كاملة. وهنا تقع المسؤولية على الجميع؛ على الأسر في التربية، على المثقفين في التوعية، على الإعلام في التصحيح، وعلى الدولة في وضع أطر قانونية تردع الإساءة وتحمي المجتمع. كما أن على الجمهور نفسه أن يدرك خطورة المشاهدة الصامتة، فكل متابعة لمحتوى هابط هي دعم له، وكل مشاركة هي مساهمة في انتشاره. المعركة تبدأ من زر “تجاهل” ومن وعي يرفض أن يُستدرج إلى مستنقع الإسفاف.

ختاماً نقولها بوضوح: السودان أكبر من أن تختصره شاشة، وأعمق من أن تمثله فئة تبحث عن الشهرة بأي ثمن. السودان الذي نعرفه وننتمي إليه هو سودان القيم، والحياء، والاحترام، لا سودان “اللايفات” الملوثة. وما بين هذا وذاك يبقى الرهان على وعي شعبٍ لم تُفسده العواصف ولن تغيّره منصات.

#الهدف_أخبار #السودان #القيم_السودانية #المحتوى_الرقمي #أخلاق_السودانيين #تيك_توك #الفن_السوداني #سمعة_السودان #الوعي_المجتمعي #السودان_أصل_القيم

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.