خالد فتحي
من دكان صغير في محطة الخرطوم الوسطى، انطلقت حكاية ديمتري البازار، الرجل الذي غيّر مسار الغناء في السودان، حين نقل الصوت من لحظته العابرة إلى ذاكرة تُحفظ على أسطوانات.
ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي، كان الخوف يسيطر على الفنانين بسبب شائعة متداولة تزعم أن التسجيل يسلب المغني صوته إلى الأبد.
لكن البازار اختار طريقًا معاكسًا، فدفع بالأصوات السودانية نحو استوديوهات القاهرة.
ولم يكن مجرد تاجر أو وسيط، بل شخصية محورية في لحظة التحوّل، إذ كان يقف في دكانه محاطًا بفونوغراف يدور، حاملًا أصواتًا قادمة من القاهرة، وكأنها تفتح نافذة على مستقبل لم يكن أحد يتخيله آنذاك.
طفولة متعدّدة الثقافات
وُلد ديمتري عام 1905 لأب يوناني وأم سودانية، فيما تمتد جذوره إلى خلفيات أوروبية أخرى، فحمل اسمًا يونانيًا من جهة الأب، وآخر عربيًا من جهة الأم، في انعكاس مبكر لهوية متعددة الثقافات.
وتلقى تعليمه في الخلاوي، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم ويلتحق بكلية غردون التذكارية، حيث بدأت ملامح اهتمامه بالأدب والفن تتشكل ضمن بيئة ثقافية نابضة.
ثم تحوّل متجره الصغير تدريجيًا إلى فضاء ثقافي يجمع الفنانين والشعراء والمهتمين بالغناء، ليصبح ما عُرف لاحقًا بـ(مكتبة البازار السودانية)، حيث تداخلت الكتب والمجلات مع الأسطوانات، وتقاطعت الحكايات مع الأصوات القادمة من الخارج.
كسر الخوف وبداية التوثيق
طرح ديمتري فكرة تسجيل الأغاني السودانية في مصر، وهي فكرة بدت آنذاك مغامرة محفوفة بالمخاوف، فقد كانت الشائعة المنتشرة كفيلة بردع الكثيرين، لكنها لم تثنه.
لكن رحلة التسجيل لم تكن سهلة؛ فمن قطار إلى حلفا، ثم باخرة إلى مصر، ثم قطار إلى القاهرة.
وفي عام 1928، وافق الفنان عبد الله الماحي على خوض التجربة، لتُسجَّل أولى الأسطوانات السودانية. وعاد الماحي بصوته كما كان، لتنهار بذلك الشائعة، ويبدأ عهد جديد تُحفظ فيه الأصوات وتوثَّق.
ويرى الناقد مصعب الصاوي أن ديمتري كان من “حرّاس الروح السودانية”، إذ تجاوز دوره حدود التوثيق إلى تأسيس ذاكرة فنية متكاملة، مشيرًا إلى أن مساهمته لم تكن حالة معزولة، بل امتدادًا لدور الجاليات الوافدة في تطوير صناعة الأسطوانات في المنطقة، حيث كان التوثيق جزءًا من الفعل الحضاري.
كما لم يكن البازار مجرد مموّل أو وسيط، بل لعب دورًا محوريًا في إقناع الفنانين ودعمهم ومرافقتهم في رحلات التسجيل، مع اهتمامه بأدق التفاصيل الفنية، خصوصًا أنه حافظ على توازن دقيق داخل الوسط الفني دون الانحياز لطرف، وفتح المجال أمام أصوات جديدة، معتمدًا على جودة الصوت لا الشهرة.
من أرشيف ديمتري البازار
تميّز مشروعه بنظام توثيق متكامل، حيث حملت الأسطوانات أسماء الفنانين والشعراء وتواريخ الإنتاج، إضافة إلى ألقاب فنية، ورافقتها كتيبات تعريفية تُعد اليوم شكلًا مبكرًا لما يُعرف بـ”البيانات الوصفية”.
إرث لا يزال حيًا
يُذكر أن الراحل عاش في سنواته الأخيرة في أم درمان بين أسطواناته ومجلاته، يبيع بعضها ويحافظ على بعضها الآخر، كمن يحرس ذاكرة وطن.
ورغم ذلك، لا يظهر ديمتري البازار كشخصية هامشية، بل كأحد صُنّاع الذاكرة السمعية في السودان، بوصفه رجلًا آمن مبكّرًا بأن الصوت لا يُستهلك فقط بل يُحفظ ليبقى.
#ملف_الهدف_الثقافي #ديمتري_البازار #تاريخ_الغناء_السوداني #عبدالله_الماحي #الخرطوم_الوسطى #خالد_فتحي #توثيق_إبداعي #مكتبة_البازار #أم_درمان #الفن_السوداني #أسطوانات_زمان #الهدف_الثقافي #ذاكرة_السودان

Leave a Reply