شمسون الجبّار

صحيفة الهدف

د.الشيخ فرح

وقف عبد القادر أمام إسماعيل صاحب أكبر ورشة صيانة عربات الديزل بالمدينة، منكّسًا رأسه وكأنّه أمام شيخه.
– عايز أتعلّم الميكانيكا يا عمّ إسماعيل.
نظر إسماعيل إلى جسمه العريض وعضلاته المفتولة ويديه الكبيرتين، وأراد أن يرفض الطلب، ولكن حين نظر إلى وجهه الطفولي سكت برهةً وقال:
– ما عايز صبي ميكانيكي في الوقت الحالي، لكن محتاج إلى صبي يقوم بخدمة الورشة والأسطوات والمراسيل.
لم يكن لدى عبد القادر خيارًا غير الموافقة.
بدأ العمل بتنظيف الورشة ورصّ المفاتيح وتفريغ الزيوت الراجعة في برميل الزيت في طرف الورشة. وتواصلت جهوده إلى مكتب الورشة ونوافذه الزجاجية التي لم تُلمّع منذ تركيبها.
عمل طول النهار دون أن يتوقف، فبدت الورشة أجمل وجهًا وأكثر بريقًا، فقد تخلّصت عضلات عبد القادر القوية من بقايا الإسبيرات وبقع الزيت الداكنة والأتربة المتراكمة منذ عشرات السنين، فغدت الورشة فاتنة كبنت العشرين.
ما أن تبدأ فترة راحة الميكانيكية حتى يأتي عبد القادر بصحن الفول والرغيف إليهم، ويجلس بعيدًا عنهم حتى يفرغوا من الأكل، فيحمل الصحن وبقايا الطعام. كان لا يتكلم إلا إذا سألته، ولا يشارك المعلمين في نقاش الكرة ولا في السياسة، ولا يضحك حين يضحكون.
كان يقف أمام العم إسماعيل كالتلميذ، ويتابعه بشغف عندما ينزّل الماكينة بالجنازير بمعاونة اثنين من المعلّمين، وعندما يفك الماكينة برويّة كالجراح الحاذق الذي يفتح بطن المريض ويعيدها كما كانت بعد أن ينتهي.
يدخل عبد القادر الحفرة مع معلّم الجيربوكس، ويتابع كيف يتم فك الجير وكيف تُرصّ التروس داخل علبة الجير واحدة تلو الأخرى.
مرت السنة الأولى وفهم كثيرًا من أسرار الميكانيكا. أتت سيارة متسوبيشي كبيرة الحجم للورشة، وكانت تحتاج إلى توضيب كامل للماكينة. وقف المعلم إسماعيل وقال لصاحب السيارة: نحتاج إلى سبعة أيام لتعمير الماكينة.
وقف عبد القادر ينظر إلى السيارة الكبيرة، وإسماعيل يحاول فك صواميل الماكينة الصدئة لكنها استعصت عليه، فتركها وذهب إلى مكتبه ليشرب الشاي. أخذ عبد القادر عدّة المفاتيح وبدأ في فك الماكينة، ولم تقف أي من صواميلها المستعصية أمامه، ولم تمر دقائق حتى انفصلت الماكينة عن باقي السيارة.
ربط الماكينة بالجنازير وبدأ في إنزالها لوحده، وإسماعيل ينظر من زجاج نافذة المكتب مذهولًا من هذه القوة الخارقة.
ذهب عبد القادر ذات يوم لجلب فول الفطور فقطّع الجرجير والطماطم والبصل، ثم أضاف الجبن الأبيض والفول السوداني، ثم وقف أمام قدرة الفول، ولكن عبد الله الفوّال تجاهله تمامًا واشتغل بزبائن آخرين.
وقف عبد القادر ثم بدأ يطرق بقرش على الصحن الذي يحمله لينبّه عبد الله أن وقوفه طال، لكن كان عبد الله متجهًا بكل جسمه إلى الزبون الآخر الذي يرتدي البدلة السوداء.
صاح عبد القادر:
– يا زول.
قالها وهو يعض على شفته السفلى ويضغط بإبهامه على القرش بين السبابة والوسطى، فانثنى القرش، فرماه عبد القادر على البلاط، فوقع دون أن يُحدث صوتًا وكأنه مات بين يديه.
انتبه الزبائن لهذه القوة الخارقة. جحظت عينا عبد الله الفوّال، وأمسك بالصحن من عبد القادر بسرعة، وبدأ في صب الفول دون أن يسأل عبد القادر عن عدد طلبات الفول التي يريدها، ودون أن يحسب عدد غرفات الكمشة، حتى صاح عبد القادر بصوته الغاضب:
– خلاص كفاية.
ناول الفوّال الصحن المملوء حتى حافته بالفول دون أن يأخذ من عبد القادر نقود الفول. رمى عبد القادر ثمن الفول المعتاد على الطاولة وخرج غاضبًا.
أما ذروة انعتاق شرارة قوته الخارقة فقد تجلّت يوم أن كان عائدًا للورشة وهو يحمل الفطور، حين رأى الميكانيكية يطاردون لصًا أخذ أحد الإسبيرات من الورشة وركض خارجًا لا يلوي على شيء.
كان الصبية والميكانيكية من الورش المجاورة يركضون خلف اللص، وهو يحمي وجهه بكلتا يديه من الحجارة والأجسام المعدنية من كل الأشكال التي يقذفها عليه المطاردون.
لم ينتبه اللص إلى عبد القادر وهو يضع صحن الفول وكيس الرغيف على الأرض وينتظره مستعدًا. وصل اللص إلى عبد القادر وكان ملتفتًا ناحية المطاردين، فعاجله عبد القادر بضربة بكف يده اليمنى على وجهه مباشرة، فطار اللص وهوى إلى الأرض وارتطم رأسه بقوة بالأرض الصلبة.
فقد اللص وعيه وتجمّع الناس حوله، وحملوه وهو بين الحياة والموت إلى المستشفى القريب.
أُدخل اللص إلى غرفة العناية المركّزة تحت حراسة الشرطة، ولبث فيها ثلاثة أيام بلياليها لا يعي ما حوله، حتى فتح عينه اليسرى بصعوبة في اليوم الرابع، فالعين اليمنى كانت مغطاة بضمادة كبيرة.
خطا الشرطي نحوه وهو يحمل أوراقه، وقال له بصوته الجهوري:
– اسمك وعنوانك؟
رد اللص بصوت ضعيف:
– خلّيني من اسمي وعنواني بالله، ورّيني الضربني بالكوريك دا منو؟

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.