يوسف الغوث
قبل أن تصبح (الملوحة) مجرد طبق على المائدة، كانت أسطورةً على ضفاف النيل، تُحكى في الأسواق والأحياء، وتنتقل من جيل إلى جيل كحكايةٍ نيلية خالدة. جذورها تمتد إلى مملكة نبتة قبل ثمانية قرون، حيث كان السمك المملّح وسيلةً للحفظ وأسلوبًا للعيش في موسم الفيضان والجفاف على حدّ سواء. ولم يكن هيرودوت ليخطيء حين شهد أن المصريين القدماء اتخذوا السمك المملّح طعامًا في أعيادهم، إذ استمرت هذه العادة تتأصّل في ثقافة الطعام في السودان، لتتحوّل إلى طقس طهي متوارث، يحمل في طياته صبر الأجداد وحِكمة الطبيعة.
الملوحة ليست مجرد سمكة مملّحة، بل قصّة صبر وكيمياء بديعة. تبدأ العملية بفرد الأسماك تحت شمس السودان الحارقة، حيث تتفاعل حرارة الشمس مع ملح البحر الخشن، فتجفّ الأسماك تدريجيًا وتبدأ بتحويل بروتيناتها إلى نكهات مركّزة. ثم تُرصّ في براميل فخارية، يُختم عليها بالطين بعناية، لتعيش ثلاثة أشهر في عزلة تامة، تتحوّل خلالها إلى ما يُعرف في الشمالية بـ”التركين”. تلك الفترة الطويلة تمنحها عمقًا نكهويًا لا يضاهيه طهي سريع، وغالبًا ما تكون قاتمة الرائحة، عنيفة النكهة، وغنية بما يُعرف بـالأومامي، أي طعم اللذة المركّز الذي يجمع بين الملح والدهون والنكهات الطبيعية.
وعندما يحين وقت الطهي، تبدأ الملوحة رحلتها الثانية: تُنقع الأسماك لساعات قليلة لإزالة الملح الزائد، ثم تُصفّى جيدًا قبل أن تُقلى برفق مع البصل المفروم حتى يذبل ويصبح ذهبي اللون، ويُضاف إليه الثوم والبهارات العطرة مثل الشمار والكزبرة والكمون، مع لمسة من الشطّة الخضراء وعصير الليمون ليكتمل المزيج. في المرحلة الأخيرة، تُثخّن الصلصة قليلًا لتصبح الملوحة متماسكة، جاهزة لملاقاة رفيقها الأبدي: القراصة أو خبز الذرة الرفيعة، الذي يُخبز على الصاج، ويُغمس مع الدكوة والبصل الطازج والشطّة والليمون، في تجربة طعام تكاد تكون شعيرة في كل بيت سوداني.
وليس هذا كل شيء، فبعد انتهاء وجبة الملوحة، غالبًا ما يُقدّم صحن من البلح أو التمر، ليخلق توازنًا رائعًا بين ملوحة السمك وحلاوة التمر، كأن النيل والبساتين يلتقيان على اللسان، ويُذكّران المتذوّق بعلاقة الأرض والماء والإنسان.
ورغم أن البعض قد يرى الملوحة أكلة قاسية، فهي في الحقيقة ذاكرة متخمّرة مع الزمن. إنها حضور النوبة في المدن، وامتداد حضاري في المطبخ السوداني، ووعاء ثقافي يحفظ هوية الإنسان السوداني على امتداد قرون. الذي يشتهيها لا يبحث عن وجبة فحسب، بل يؤرشف ثقافة وهوية وسلسلة بشرية تاريخية لم تنقطع. فالملوحة ليست مجرد طعام، بل طقس وطقوس وجدانية، تُذكّر بالجدّ والأجداد والنيل الذي يجري صامتًا بين الخرطوم وأبو حمد.
وفي هذا الطقس تكمن روح “مصرع الضغط” كما يصفها أهل المطبخ السوداني ساخرين، لكن الانتماء للجذور ألذّ من كل الحسابات الصحية. فالملوحة، بكل ملوحتها وتركينها القوي، حكاية النيل الخالدة، تُروى كل يوم في قدور السودان، كيمياء النيل الذي تفاعل مع فيزياء السودان، ونسخة صغيرة من حضارة عريقة مستمرة، تتنفس في كل بيت، وتربط بين الحاضر والماضي، بين الشمس والتراب، وبين الإنسان والمياه.
وبهذه الطريقة، تصبح الملوحة والتركين ليسا مجرد أكلة، بل تجربة متكاملة: حكاية التاريخ، طقوس المطبخ، وصبر الأجداد، وكل ذلك ينتهي على المائدة بين القراصة والدكوة والبلح، لتصبح كل وجبة ملوحة احتفالًا بالنيل، والحضارة، والانتماء للجذور السودانية.

Leave a Reply