د توتا صلاح مبارك
يمثّل التداخل بين الفن والسياسة أحد أبرز تجليات الثقافة العربية الحديثة، حيث لا تقف الكلمة عند حدود الجمال، ولا ينحصر اللحن في دائرة الطرب، بل يتجاوزان معًا نحو الفعل والتأثير. وفي هذا الأفق، تتقدّم تجربة الشاعر أحمد فؤاد نجم والفنانة عزة بلبع بوصفها نموذجًا مكثّفًا لثنائية نادرة، تزاوج بين الإبداع الفني والالتزام الوطني، وتحوّل القصيدة إلى صوت احتجاج، والأغنية إلى أداة مقاومة حيّة.
لم يكن نجم شاعرًا تقليديًا يكتب من برج اللغة العالي، بل كان منحازًا، منذ البداية، إلى الشارع، إلى الناس، إلى نبض الطبقات الكادحة. اختار العامية المصرية أداة تعبير، لا بوصفها تبسيطًا، بل بوصفها تعميقًا للصلة مع الوجدان الشعبي. جاءت لغته مباشرة، لكنها مشحونة بكثافة بلاغية وسخرية لاذعة، تكشف التناقضات الاجتماعية والسياسية دون مواربة. ومن خلال نصوص مثل “همّا مين وإحنا مين”، و”شيد قصورك”، و”مصر يا أمّة يا بهية”، استطاع أن يرسّخ موقعه كشاعر منحاز للعدالة، حتى استحق بجدارة لقب “شاعر الغلابة”.
في المقابل، لم يكن صوت عزة بلبع مجرد وسيط ناقل لهذه النصوص، بل كان امتدادًا عضويًا لها. امتلكت صوتًا صادقًا، حادّ النبرة حين يلزم، وعميق التأثير حين يتطلب المعنى ذلك. من خلال أدائها، خرجت كلمات نجم من حيز القراءة إلى فضاء التجربة الحيّة، فصارت الأغنية مساحة تواصل مباشر مع الجمهور. في أعمال مثل “يا فلسطينية”، و”بقرة حاحا”، و”إحنا مين وهمّ مين”، لم تكن بلبع تؤدي نصًا فحسب، بل كانت تعيد إنتاجه صوتيًا، وتمنحه طاقة وجدانية تضاعف أثره.
تكمن فرادة هذه الثنائية في ذلك التلاحم بين الكلمة والصوت؛ حيث يكتسب الشعر بعدًا إضافيًا بالغناء، ويتحوّل إلى خطاب جماعي قادر على الحشد والتأثير. ولم يكن اختيار العامية في هذا السياق تفصيلًا عابرًا، بل كان قرارًا جماليًا وسياسيًا في آن، يعكس وعيًا عميقًا بطبيعة المتلقي، ويجعل النصوص أكثر قربًا من الناس، وأكثر قدرة على التعبير عن واقعهم وتحريك وعيهم.
لقد أسهمت تجربة نجم وبلبع في ترسيخ نموذج للفن الملتزم، الذي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى تغييره. فنٌّ يرى في الإبداع مسؤولية، وفي الكلمة موقفًا، وفي الصوت أداة مواجهة. ومن هنا، لم يكن أثرهما عابرًا، بل ظلّ حاضرًا في الذاكرة الثقافية العربية، بوصفه شاهدًا على قدرة الفن على تجاوز حدوده الجمالية، ليصبح فاعلًا في تشكيل الوعي، وصياغة تطلعات الشعوب نحو الحرية والعدالة.

Leave a Reply