امرأة المعبد

صحيفة الهدف

زينب السيّد

استيقظت من غيبوبة الذاكرة، بعد أرق الذهول الذي دام معي زمنًا طويلًا. كنت وحيدة، محاطة بجموع أشباح مقنعة، تتقدم خلفي أو تبتعد عني، لا أعرف من أنا وسط هذا السرب الصامت. مضيت في الطريق، غير آبهة، لا أدري إلى أين سيقودني الدرب، لكنني كنت أعلم يقينًا أنني سأخرج من تفاصيل المدن الأثمة، وأن روحي ستظل تبحث عن براءة لم يعرفها العالم بعد.
الناس في الطريق يتهامزون ويتلامزون بي، يثرثرون عني، ويشيرون إلي بالإبهام أكثر مما يشير الصائمون لهلال رمضان منذ فرض الصيام. لكنني مضيت، غير آبهة، وأنا أشعر بالظلام يزحف تدريجيًا على النهار، حتى أوشك الليل على بلع آخر خيوط الضوء.
انقطع بي الدرب أمام شجرة ضخمة، قائمة في منتصف الطريق، كأنها حارسة القدر. لم يكن لديّ وجهة، ولا خريطة للعبور، ولا دليل، إلا حدسي ويقيني ومعرفتي الضحلة بأسرار الطبيعة. بوصلتي كان حدسي، يربط ضوء نجمة بأخرى، ليكتشف معالم الطريق؛ ومن مسار الرياح أعرف الجهات، ومن أوراق الأشجار وريش العصافير أستشعر تقلبات المواسم والفصول.
فلما رأيت عصفورين يغازلان بعضهما ويقفزان جهة اليسار، شعرت أن العصفورة مثلي تمامًا؛ الفرق الوحيد بيننا أنني كنت وحيدة. توجهت لليسار، مستندة إلى غرابة الطبيعة، وإلى حكمة الغراب الذي رأى قابيل يقتل هابيل، وتاب من فعله، تاركًا الأرض ممتلئة بألف قابيل آخرين.. وأنا، أنا الهابيلة وحدي.
ومضيت في الطريق، غير آبهة، أعلم يقينًا أن الوجهة، وإن كانت مجهولة، هي الوجهة الصحيحة، وأن الخيارات الخاطئة هي من تقود في النهاية إلى الخيارات الصحيحة، حسب قوانين الاحتمال. أحيانًا أسير على خطوات ثابتة، وأحيانًا بلا خُطى، حتى قادني الدرب إلى ربوة.. ربوة خضراء، ساحرة، جاذبة، خلابة.
خلعت نعلي عند أول وطأة على العشب الطري، الذي بدا لي وكأنه نما من فلقة البذرة الأولى. شعرت بندى يتسلّل بين أصابعي، يلتصق بكفيّ، نعومة العشب تبعث على الدهشة والرهبة. الأشجار خضراء مثمرة، ورود وزهيرات في بداية عمرها الوجودي، لم تعرف بعد رهق التحوّل أو تسلسل الخطيئة. الطيور والعصافير تغرد بحرية لم تعرف البقاء، وكأن الربوة تنتمي إلى سلالة التكوين الأولى، حيث لم يعرف الوجود بعد خطيئة.
تقدّمت نحو ينبوع وسط الربوة، ماءه صافٍ وشفاف، يصدر صوت هدير متناغم مع أغاريد الطيور وحفيف الأوراق، ورائحته تمتزج بالدعاش الندي وأريج الورد والثمار الناضجة. وقفت أمام صورتي المنعكسة على الماء كمن يطل على مرآة للمرة الأولى. راودتني رغبة أن أذوب في الماء، فخلعت ثيابي ووضعتها تحت شجيرة، وأرتميت فيه كحجر سقط من الجنة، خرجت منه لؤلؤة تتقطر منها حبيبات الماء.
مددت يدي لألتقط الرداء، لكن صوت هدهدة طيفية أخبرني بأن بعض الفراخ قد تدثرت بردائي، فتركت الرداء، واتجهت إلى ظلال الأشجار، خلف الضوء، خلف الرؤية، لأحتشم بالعتمة، وأرى ما يدور وراء ستائر الحقيقة.
وعند موقت الفناء، أبصرت في البعيد معبدًا قديمًا. على جدرانه نحّات يصوغ تمثال امرأة ترتدي كل تفاصيلي، كأنها أنا. وفي ساحة المعبد، راهبة وعابدة انتحلتا ملامحي، وخلف المعبد حانة صغيرة، غانية تتزين بضحكتي وسمات وجهي الخجول. وفي أخر الممر الضيق بين المعبد والحانة، تجسدت وجهي ككهلة وطفلة، فأذهلت مما رأيت. أغمضت عينيّ، وأبصرت نفسي في عيون كل أهل الأرض؛ كانت وجوههم وجهي، عيونهم عيناي، أصواتهم صوتي، لغاتهم لغتي، سماتهم سمتي.
كنت في الدير راهبة، أسموني بمريم. في المحراب، عابدة، كنوني بعائشة. في الحانة غانية، لقبوني بعاهرة. في القرية، أبي اسماني زينب. كنت امرأة، وفِي عيون أهل الأرض، كنت غانية وراهبة، عابدة وعاهرة، كهلة وطفلة، وفي رأي داروين قردة، وفي غابر التاريخ، إلهة وعبدة.
أنا.. امرأة المعبد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.