منى عبد الرحيم
الأديب الشامل محمد نجيب هو أحد مبدعي بلادي، الذين ملكوا أدواتهم الإبداعية التي أبصرت النضج في رؤيتها المرتبطة بالنهوض بالوطن، والانحياز إلى منظومته الثقافية الإبداعية. وهو من الذين أغنوا المشهد الأدبي والإعلامي والثقافي بإنتاجهم الرائع، وغرسوا قيمًا جمالية في سيرتنا أدبيًا ووطنيًا، حيث أثروا الثقافة وزرعوا الحب في أرض السودان الطيبة.
والأديب العبقري محمد نجيب من الشعراء الذين لهم آفاق رحبة من الفكر والخيال الخصب، وهو الشاعر المرهف الحس، الرقيق، الذي يرسم أحلام الغد. وهو من واسعي الثقافة الذين يستشعرون روابط ووشائج لا يراها الآخرون.
وهو من الرعيل المثقّف الواعي الذي يعزّ عليه أن يعيش أسير الظلم، فانطلق باحثًا عن الحرية والاكتفاء، كأحد هؤلاء المجدّدين الذين أتاحوا للشعر الانفتاح على التجارب الريادية، وأضافوا إلى تاريخ الحياة الحديثة أنماطًا من الأحاسيس الرفيعة التي تعنى بتجارب الإنسان في حياته.
وهذه الإصدارة التي أهداها لمتذوقي شعره، اختار لها عنوان (قصائد مخيفة)، تدعو القارئ إلى التشوّق لقراءتها، والتوصّل لأهدافها، والتبحّر في معانيها، وفك طلاسمها.
يحتوي ديوان (قصائد مخيفة) على أشعار ناتجة عن تجارب الشاعر ورحلته عبر الزمان والمكان، في مراحل مهمة من حياته، حيث يتشابك التاريخ السياسي والاجتماعي مع صراعات الفرد الداخلية. وهنا يصبح البحث عن الهوية والانتماء والكرامة وتأكيد الذات هو المنقذ.
والهجرة ليست مجرد رحلة عادية أو هروب، بل هي قضية إنسانية ناتجة عن ظروف قاهرة، قد تكون أحد الحلول المهمّة للمصاعب التي يعاني منها الفرد. وقد ترجم لنا الشاعر إحساسه تجاه ذلك في قصائد فلسفية وجودية، بواقعية ورمزية دلاليًا، محاولًا تحقيق أهدافها وما يترتب عنها، فخلق لنا مزاوجة بين الصور المحسوسة المرئية والمعنوية. فجاءت القصائد مشبّعة بعصارة التجربة، بما فيها من تسلسل الأفكار والرؤى التي تدعونا للتأمل في المعاني. والقصائد عنده تخاطب وجدان المتلقي بما فيها من صدق وجماليات، فيجد فيها القارئ خير جليس وونيس.
لأنها المرآة التي تعكس نفسه وشخصيته، وتمنحه رؤية جديدة ونظرة ثاقبة، وتدفعه لأن يصغي لصوته ويشارك بإحساسه. فالعلاقة بين الشاعر والمتلقي هي علاقة تكاملية، إذ تتخذ أسلوب التنوير والاستكشاف، لذلك يتحوّل المتلقي عند نجيب إلى شريك أساسي في الإبداع.
ونجيب شاعر يتنفس الشعر ويعشقه، وهو لا يفتعل الشعر، إذ إن الإبداع ينبجس من روحه ويدلف إليه بجنون نيرانه المتقدة. يقول:
الشعر في قلبي حرائق
لم أزل أحمل روحي فوق رأسي.. لم أزل
فالقضايا الوجودية والفكرية والفلسفية والعاطفية عنده جمعت بين الوطن والحبيبة.
وإنتاج نجيب الغزير نجده مؤسّسًا على إثارة الصورة الشعرية ذات المدى العاطفي والصدى الوجداني، إذ تعتمد القصائد على تنقية الصورة المشهدية المتحركة في تكثيف رؤيته الشعرية.
ونجيب شاعر عاطفي يمجد المرأة، يقيّمها ويخاطب وجدانها ويوصل من خلالها رأيه، فنجد في أشعاره العواطف الجياشة وجماليات الصورة الحسّية الأيقونية العاطفية والوصفية الحركية والخطابية والمجسّمة، وكل المواصفات التي تكون قريبة من بصيرة المتلقي.
لقد أفرد نجيب في أشعاره مساحة كبيرة للأنثى برمزية متقنة، فنجد ذلك في العديد من قصائده، وعناوينها، مثال ذلك: أغنية حب، حبيبتي، زينب، أسئلة، نوبية، قشّة الماء، خفقة، قصّة ليست قصيرة، مجاملة، من أناشيد مريم، قصّة حب، لوحة زرقاء، ضحكة ثالثة، طفولة، أنت الوطن.
بدأ نجيب إصداراته بأول قصيدة بعنوان (أغنية حب)، والتي مزج فيها ما بين مآسي الجراح ومرارة النزيف والشوق الغرامي في مآلاته وصياغاته. يقول:
أحبك حتى التلاشي
وحتى أحس بأني أراك ولست أراك
لماذا تكونين أنت الحبيبة
أنت الغريبة..
إن الأسلوب الذي اختاره لصياغة أفكاره جاء على نحو بسيط وسهل، يخلو من التكلّف والتعقيد، لأنه كان يختار أجمل المفردات وأسهلها للتعبير عن المقولة التي يريد توصيلها، دون محاولة للاستعلاء أو نتوء أو ترهلات.
يقول:
حبيبتي، وإن تبسمت،
تلوّنت شوارع الحياة بالضياء،
وأزهر المدى،
وطافت الكواكب الهناك في معارج السماء،
وحلّقت نوارس القصيدة
في وجه الغناء.
وفي قصيدة أخرى يقول:
لماذا أحبك حتى التلاشي
وحتى أحس بأني أراك
ولست أراك
أحس غيابك
إن ما أتاني هواك
ألقى حضورك حيث يغيب هواك
لماذا تكونين أنت الحبيبة.. أنت الغريبة
وقد صوّر لنا نجيب حالة الوطن وإحساسه بالأمان باجترار الذكريات، وفي الوقت نفسه إحساسه بالتوتر والقلق، حيث إنه كان يعيش في وطنه بأمان، ثم حدث التغيير المفاجئ.
يقول في قصيدة (وعد الغد المجهض):
كنا عائلة،
كانت الروح تنادينا
لأشواق الحياة،
نحن حقل إنسان تآلف في نشيد
بين إيقاع الرؤى والأمنيات.
ويقول:
كان لي وطن في دمي،
كان ظلًّا نسائمًا ظليلًا،
يا وطن،
نحن أمّة تحيا
وتحرسنا المحبة.
ويقول:
حين غادرت النجوم سماء بيتي
لم أجد قمرًا ولا وطنًا،
لم أجد زينب، فاكهة النهار،
كنا تائهين، ضائعين
في أسنة الرصاص،
كأني وبلادي صرنا بلا وطن.
كيف أستعيد دمي وأنهض من فوق هذا الخراب؟
فأنا الغريق بموج حلمك لا أرى
إلا إياك، يا شاطئ ويا أنهاري.
كيف بلادي تصارع جوع الذئاب، الوحوش، الخراب
في الأرض وفي كل السراب؟
كنا في ظل رماد الهاوية
نقبض الريح، نغني للرمال
الله يا وطني
الذي يبحث في ظل المتاهات
وفي الصمت الكسيح.
إن عالم الغربة والانتماء أحد الأبعاد الجوهرية لتجربة الشاعر، الذي عانى فيها؛ فالغربة تتغلغل في وجدانه، كاشفة الصراع بينه وبين هويته. ولعل في وجدان كل فرد منا جراحات نتيجة فقد الكثير، الناتج عن تشابك الحروب والأزمات الإنسانية، التي نتجت عنها، كشاهد على التوتر، فقد أثّر ذلك على الأديب نجيب.
وصارت تنمو في فكره مساحات من التأمل واجترار الذكريات الحزينة، فأخذ يكتب قصائد مؤثرة نابعه من معاناة الغربة، كالقصائد التي كتبها في آخر محطاته في القاهرة، والتي كانت مؤثرة في المتلقي، بصنع حروفه وهمس كلماته الحزينة التي صنعت دروبًا، وحفرت في دواخلنا مسارات عميقة من الأمل.
كان نجيب يحاول دومًا حل اللغز الذي يحفزه على الرحيل. يقول:
كل الخطى تشكو، وكل ظلالها متشابكة.
وقصائده الأخيرة في الغربة تحمل لمسات انفعالية، تمثّل الألم، وتصور العزلة والمعاناة، التي يتراءى فيها طيفه الداخلي، وبحثه عن الذات والاغتراب، عبر لغة الشعور والحس العميق ومجرى المشاعر الفياضة.
يقول:
أبحث عن وجهي
خلف المرآة،
أبحث عن وجه الحرية
عن وطني أراه،
فتعود أحزاني
تتدلى من شعر الألحان.
ويواصل في البحث عن ذاته، فيقول:
لكني أبحث عن حرف آخر،
عن أمي وهي تطاردني بحثًا عني،
كأني وكل بلادي صرنا بلا وطن،
كيف أستعيد دمي وأنهض من فوق هذا الخراب؟
أما القضايا الوجودية والفلسفية والفكرية والعاطفية فهي قضايا تتميز بها قصائد محمد نجيب. يقول:
هذه الظلال التي تغيب
تغرب،
لماذا لا نرى في الليل ظلًا؟
أما من الناحية الدرامية في أشعاره، فنجد القصائد قد تشبّعت بالدراما التي جعلت النصوص مكتملة الرسم في صياغتها الشعرية؛ فنجد فيها الفكرة، والحدث، والعقدة، والحل، والصورة الحسّية والعاطفية والوصفية والسردية، والحرية والمجسّمة، وكل المواصفات ذات الحس الواقعي القريب من بصيرة المتلقي ورؤاه الوجودية.
تتجسد الدراما بصورة واضحة في العديد من القصائد، مثل: قصّة قصيرة، ضحكة ثالثة، الأكذوبة، صرخة عابرة، أنت المطر. وفي هذه القصائد أتقن أدواته الفنية، كالرؤية الدرامية بما فيها من انكسارات مشهدية، ومونتاج شعري، ومشاهد الإضاءة، والإيقاعات البصرية، والتشكيلات اللغوية، والاستهلالات النصية، وكان يخلق مزاوجة بين الصور المحسوسة المرئية والمعنوية، مما يمنح القصائد صورة دينامية تجذب القارئ جماليًا، كما نجد جماليات الخواتيم التي تعزز هذا الأثر.
أخيرًا، إن الأديب محمد نجيب كان دائمًا يملؤه التفاؤل والأمل، وكان يحلم بالجمال ويتطلع لغد أفضل. يقول في آخر قصائده:
غدًا ستصمت هذه الحرب،
غدًا أستسقي لأحلام الحياة،
في الغد الآتي سنحصد ما تداعى من هواجس،
سوف نكتب سيرة أخرى ونولد من جديد،
سنعود يا وطني،
نلملم ما تبعثر من ترابك،
سوف نبني فيك أحلام الزمان،
ونعود للوطن الفصيح.
إن الأديب محمد نجيب عبقري سوداني سطّر اسمه بأحرف من نور.
تحصّل على نسختك، واستمتع بهذه القصائد.. الحصيفة.

Leave a Reply