د.جمال الجاك
لم يكن ما شهده العراق من عدوانٍ واحتلالٍ مجرّد تحوّلٍ سياسيٍّ عابر، بل كان لحظةً فاصلةً أعادت تشكيل الوعي الجمعي على نحوٍ عميقٍ ومؤلم. ففي ظلّ الخراب المادي والانكسار النفسي، وجد الإنسان العراقي نفسه أمام أسئلةٍ كبرى تتعلّق بالهوية، والانتماء، والمصير. وفي قلب هذا المشهد المضطرب، لم يقف الأدبُ والفنّ موقفَ المتفرّج، بل اندفعا إلى الواجهة بوصفهما وسيلتين للمقاومة والتعبير، وفضاءين لإعادة بناء المعنى في زمن التفكّك. لقد تحوّلت الكلمةُ إلى موقف، والقصيدةُ إلى صرخة، والروايةُ إلى شهادة، واللوحةُ إلى ذاكرة، والكاريكاتير إلى سلاحٍ ساخرٍ يفضح ويقاوم. ومن هنا، تبلورت ملامحُ أدبٍ وفنّ مقاومةٍ عراقيّ، حمل على عاتقه مهمة توثيق الألم، واستنهاض الأمل، ومواجهة واقع الاحتلال بلغةٍ لا تنكسر.
ويُعدّ أدبُ وفنّ المقاومة في العراق ظاهرةً استثنائية، ليس فقط لغزارة إنتاجه، بل لقدرته على الصمود أمام عقودٍ من الحروب والحصار. لم تكن القصيدةُ أو اللوحةُ مجرد تعبيرٍ جماليّ، بل تحوّلت إلى “فعلٍ نضاليّ” يوثّق الذاكرةَ الجمعية ويواجه محاولات المحو والتدجين.
الكلمةُ كخندق: الشعرُ والسرد
لطالما كان الشعرُ العراقي “ديوانَ المقاومة”. في مراحل مختلفة، لجأ الشعراء إلى استدعاء الشخصيات التاريخية والرموز الأسطورية (مثل تموز وعشتار) للتعبير عن رفض الظلم والتطلّع إلى البعث والحرية.
أدبُ المنفى: أسّس المثقفون العراقيون في الخارج منصّاتٍ أدبية رفعت صوت المعارضة، حيث تحوّلت الغربةُ إلى موضوعٍ مقاومٍ بحدّ ذاته، يرفض الانكسار ويتمسّك بالهوية الوطنية.
الواقعيةُ الجديدة: بعد عام 2003، انتقلت المقاومةُ الأدبية لتواجه الإرهاب والطائفية والفساد. ظهرت رواياتٌ تعالج “مرحلة ما بعد الصدمة” وتحاول ترميم الهوية العراقية الممزّقة.
برز شعراء “الخارج” الذين استمروا في رثاء الحقبة الماضية أو نقد الوضع الجديد بحدّة:
عبد الرزاق عبد الواحد: شاعر القادسية، غادر العراق بعد 2003 وعاش في عمّان وباريس، واستمر في كتابة الشعر الذي يحنّ إلى المرحلة السابقة حتى وفاته، وظلّ أيقونةً للمثقفين المرتبطين بالنظام الوطني في عهد صدام.
أديب ناصر: شاعر عراقي نشط في عمّان بعد 2003، وعُرف بقصائده التي تتبنّى الخط القومي وترفض الوجود الأمريكي.
سامي مهدي: شاعر وناقد مهم، شغل مناصب ثقافية رفيعة قبل 2003، وبقي في بغداد وواصل نشاطه الأدبي والبحثي، مع تركيزٍ أكبر على الجوانب الفنية والتاريخية للأدب.
اللوحةُ والمنحوتة: بصريّةُ الصمود
لم يقلّ الفنّ التشكيلي شراسةً عن الكلمة، بل امتاز بقدرته على الوصول إلى الشارع ومخاطبة الوجدان دون الحاجة إلى ترجمة.
نصبُ الحرية كأيقونة: يظلّ عمل جواد سليم في ساحة التحرير النموذج الأبرز لفنّ المقاومة؛ حيث يختزل نضال الشعب العراقي عبر العصور في ملحمةٍ بصريةٍ من البرونز، تؤكد أن التحرّر قدرُ العراقيين.
إسماعيل فتّاح الترك (توفي عام 2004): رغم كونه صاحب نصب الشهيد، ظلّ أثره وتلاميذه حاضرين في النشاط الفني بعد 2003.
شدّاد عبد القهّار: فنان تشكيلي نشط في الأردن بعد 2003، عبّرت لوحاته عن مأساة الحرب والشتات العراقي.
فاخر محمد: واصل نشاطه الفني والأكاديمي داخل العراق، محافظًا على حضوره في المشهد التشكيلي المعاصر رغم التحولات السياسية.
الجداريات والغرافيتي: في الحراك الشعبي الحديث، تحوّلت الجدران إلى ساحاتٍ للتظاهر البصري. رسم الشباب وجوه الشهداء، ورموز السلام، والخرائط التي تطالب باستعادة الوطن، مما جعل الفن أداةً يوميةً في أيدي الجماهير.
التجريدُ الاحتجاجي: استخدم الفنانون الألوان الحادّة والخطوط المتشابكة للتعبير عن الفوضى والدمار، محوّلين القماش إلى صرخةٍ صامتة ضد القتل والتهجير.
السينما والمسرح: مواجهة “الوحش” وجهًا لوجه
في المسرح، برز “مسرح المقاومة” الذي يستغل التفاعل المباشر مع الجمهور.
المسرح الفقير: الاعتماد على جسد الممثّل والفكرة القوية لمواجهة نقص الإمكانيات المادية والحظر، حيث تُمرَّر الرسائل السياسية والاجتماعية بذكاءٍ وتورية.
السينما المستقلة: رغم الصعوبات الإنتاجية، ركّزت الأفلام العراقية القصيرة والوثائقية على قصص الصمود الفردي، محوِّلةً معاناة الإنسان العادي إلى ملحمةٍ نضاليةٍ عالمية.
برز في المسرح والسينما:
محسن العلي: فنان ومخرج مسرحي، غادر إلى عمّان ثم القاهرة، وأسّس مؤسساتٍ إنتاجية فنية كبرى، وأسهم في لمّ شمل الفنانين العراقيين في الخارج.
بهجت الجبوري: فنان قدير غادر العراق، واستمر في تقديم أعمالٍ فنية “سينما ودراما” من الخارج، مع حضورٍ إعلامي عبّر فيه عن مواقفه السياسية تجاه ما بعد 2003.
صلاح القصب: مخرج مسرحي ومنظّر “صاحب مسرح الصورة”، واصل عمله الأكاديمي والمسرحي داخل العراق.
في الإعلام والصحافة الثقافية
نوري المرادي: كاتب وإعلامي عُرف بظهوره المستمر في الفضائيات، مدافعًا عن “المقاومة”، ومنتقدًا للعملية السياسية من منظور قومي/ بعثي.
إن الإبداعَ العراقي لم يكن يومًا ترفًا، بل كان دائمًا “ضرورة بقاء”. حين تصمت المدافع، تظلّ القصيدةُ واللوحة شاهدتين على أن الشعوب لا تُهزم، ما دامت تمتلك القدرة على التعبير عن ألمها وأملها.
وما يزال أدبُ وفنّ المقاومة العراقية يؤكّد استمرارية دوره في حفظ الذاكرة الجماعية من النسيان، وفي تشكيل وعيٍ يرفض الخضوع، وفي إبقاء جذوة الأمل متّقدة رغم كلّ شيء. وهكذا، يثبت الإبداع مرةً أُخرى أنه ليس مجرد انعكاسٍ للواقع، بل قوةٌ قادرةٌ على تغييره، أو على الأقل، على منعه من الانتصار الكامل.

Leave a Reply