ثلاث سنوات على جهنم.. والمواطن وحده يدفع الثمن

صحيفة الهدف

بقلم: د.ابن عوف أحمد

في الخامس عشر من أبريل المقبل، يكتمل ثلاثة أعوام على اليوم الذي اشتعلت فيه الخرطوم، وسمع فيه السودانيون أول طلقات حرب لم يختاروها ولم يطلبوها، حرب نشبت بين جنرالين تقاسما السلطة يوماً ثم تناحرا عليها، فكان الوطن هو الذي يُحرق، والمواطن هو الذي يموت، والتاريخ هو الذي يُكتب بالدم لا بالحبر.

ثلاث سنوات مرّت، والأرقام التي يفترض أن تعكس حجم المأساة لا تعكسها إلا جزئياً، لأن الحرب نفسها أغلقت الطرق التي تُحصى منها الأرواح. باحثون من بريطانيا والسودان أكدوا أن أكثر من 61 ألف شخص لقوا حتفهم في ولاية الخرطوم وحدها خلال الأشهر الأربعة عشر الأولى من الحرب، وأن نحو 90% من الوفيات لم تُسجَّل أصلاً. وإذا كانت هذه الخرطوم وحدها في عامها الأول، فماذا يكون الحصاد الكامل بعد ثلاث سنوات من القتال الممتد من دارفور إلى كردفان إلى الجزيرة إلى الخرطوم المحترقة؟ قدّر المبعوث الأمريكي ومنظمات دولية عدد القتلى بما يقارب 150 ألفاً حتى نهاية عام 2025، مع تأكيدهم صعوبة الحصر الدقيق بسبب التعتيم الإعلامي وانهيار المرافق الصحية. أما من يعرف السودان وطبيعة حروبه وبُعد مناطقه عن المراقبة الدولية، فإنه يجزم أن الرقم الحقيقي يتجاوز ما تعلنه الأمم المتحدة بمراحل، ويصل في تقدير كثير من الباحثين والمتابعين إلى ما يتجاوز النصف مليون روح.

لكن الضحايا ليسوا الأرقام وحدها. حوّل الطرفان المتحاربان السودان إلى أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يعاني 24.6 مليون شخص من الجوع الحاد، فيما يواجه مليونا شخص المجاعة الفعلية أو خطرها الوشيك. ويبلغ عدد النازحين داخلياً وخارجياً ما يتجاوز الثلاثة عشر مليون نسمة، بما يجعل السودان صاحب أكبر أزمة نزوح في العالم أجمع. وما يُقلق أكثر من النزوح ذاته هو مآله: ملايين السودانيين الذين فرّوا من نار ووجدوا جمراً، يتحولون تدريجياً من نازحين ولاجئين إلى مهاجرين، تقطعت بهم السبل في دول الجوار والمخيمات والمجهول. وما بدأ كأزمة طارئة آخذ في التحوّل إلى تغيير ديموغرافي لا عودة منه، يُعيد رسم خريطة السودان البشرية من دون أن يُسأل عنه أحد.

في الفاشر، استولت قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025 إثر حصار طويل، ونفّذت عمليات قتل جماعي بحق الفارّين، فضلاً عن موجة عنف جنسي وحشية، في حين طالت هجمات الطرفين المرافق الصحية القليلة المتبقية. وفي الضعين والجبلين وسائر مدن دارفور، قُتل الأطباء في عياداتهم، ودُمّرت المستشفيات فوق رؤوس جرحاها. حين يُستهدف الطبيب والمستشفى، فذلك ليس خطأً عسكرياً، بل هو رسالة مقصودة: لا حياة هنا، لا نجاة، لا مستقبل. وهذا ما يُميّز هذه الحرب عن كثير من الحروب، أنها حرب على الإنسان ذاته، على وجوده وذاكرته وبقائه.

الأخطر أن هذه الحرب لم تكن يتيمة. لها ظهر ودعم وموردون وسماسرة. وقد غدا السودان ساحةً تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متضاربة، تتغذى على استمرار القتال وتخشى من توقفه. بينما انشغل العالم بحروب أخرى وأزمات أكثر جلباً للاهتمام الإعلامي، كانت السودان تنزف في الخفاء. ولم يكن غياب الأضواء بريئاً في جميع الأحوال، فثمة أطراف لها مصلحة في أن تبقى هذه الحرب بعيدة عن الرأي العام العالمي، حتى تواصل ما تحصد. وإذا كان مضيق هرمز وحرب إيران الإقليمية قد سرقا الاهتمام من مأساة السودان، فإن ذلك لا يُغيّر حقيقة أن ملايين البشر يموتون جوعاً وقتلاً في بلد كان يُلقَّب يوماً بسلة غذاء أفريقيا.

أما النسيج الاجتماعي، فقد طالته الحرب من حيث لا تراه الإحصاءات. وثّقت منظمات حقوقية سودانية ما لا يقل عن خمسين ألف مفقود، ومئات حالات العنف الجنسي التي طالت حتى الأطفال والرُّضَّع. الثقة بين الجيران، والتضامن القبلي، وذاكرة التعايش المشترك التي بنتها أجيال بطول السودان وعرضه، كل ذلك تتآكله شهوة الحرب وتُدمّره خطاباتها. حين تُستخدم الهوية القبلية والإثنية سلاحاً، فإن جرحها لا يبرأ بوقف إطلاق النار، بل يستلزم أجيالاً من الشفاء المُضني.

وفي الخامس عشر من أبريل 2026، وهو اليوم بالذات الذي تُكمل فيه الحرب عامها الثالث، تستضيف برلين النسخة الثالثة من مؤتمر دعم السلام وإعادة الإعمار في السودان. مؤتمر يحمل عنواناً جميلاً، وفيما مضى لم تُفضِ أشقاؤه إلى وقف القتال ليوم واحد. وفي الداخل السوداني، صعّدت قوى بعينها حملاتها الإعلامية والسياسية لتعطيل أي مسار سلمي، كونه يهدد نفوذها ومصالحها المرتبطة باستمرار الحرب. كأن ثمة من يجد في الحرب ضرورةً وجودية، ويرى في السلام تهديداً وجودياً. وهذا وحده يكشف طبيعة ما يجري: ليست حرباً بالمعنى العسكري النظيف، بل هي حرب مصالح ونفوذ وثروة، تتغذى على جثث المواطنين وتتكاثر على أنقاض المدن.

في هذا كله، يبقى المواطن السوداني وحيداً في مواجهة آلة الحرب وشهوتها. لا يُسأل حين تندلع، ولا يُستشار حين تتوقف، ولا يُعوَّض حين ينتهي كل شيء. شاعرنا حميد الذي كتب قبل عقود قصيدته الخالدة عن الحرب كأنه كان يرى هذه الأيام:

درب مـن دم مـاب يـودي حرِب سُبّه حرب حرام

تـشـيـل وتـشـيـل مـابِ تـدِّي عُـقـب آخــرتا إنهزام

بطـانـة الـشـيـطان قـديمِة وبعد دا منو العرشو دام

إذا الإنسان ما ليهُ قيمِة عـلي إيش خلَّفُو سام وحام

تـعـالـوا الـدم مـا هـو مــويـةِ ولا ها ترايي المسام

ما أصدق حميد وما أبصره. درب من دم لا يُودي إلى شيء، سوى إلى مزيد من الدم. حروب لا تُعطي في نهاية المطاف سوى الهزيمة للجميع، والكرّاكة تحفر حفيرتها وتنام في الركام، والدبابة تصرخ بشخير الموت الزؤام. أما الإنسان السوداني الذي لم تُقدَّر له قيمة في حسابات الحرب وسماسرتها، فلا يزال واقفاً بين الركام يسأل لماذا، ولا يجد جواباً. في الخامس عشر من أبريل، يوم الذكرى الثالثة لهذه الحرب اللعينة، لا يبقى أمام كل من يملك صوتاً أو قلماً أو ضميراً إلا أن يقول بصوت عالٍ: يكفي. يكفي ضحايا بلا إحصاء، ومهاجرين بلا وطن، وأطباء يُقتلون في عياداتهم، وأطفال يولدون في المخيمات ولا يعرفون بلداً اسمه السودان. نتمنى أن تكون هذه آخر أيام هذه الحرب، وأن يبزغ فجر لم يعد يحمل صوت القذائف، بل يحمل فقط صوت شعب أراد يوماً أن يعيش.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.