الإبادة الثقافية في غزة: القضاء على الذاكرة وتدمير الهوية

صحيفة الهدف

 المحرر الثقافي
تجاوزت الحرب التي اندلعت في قطاع غزة في أكتوبر 2023 حدود المواجهة العسكرية لتطال التراث الثقافي الفلسطيني، في محاولة واضحة لمحو أثر تاريخي يمتد لقرون. هذه الممارسات لم تكن مجرد خسائر جانبية، بل تشير البيانات والتحليلات إلى أنها جزء من عملية ممنهجة لتدمير التراث الثقافي المادي وغير المادي في القطاع، مستهدفة المباني التاريخية، المساجد والكنائس، المكتبات والمتاحف، إلى جانب المواقع الأثرية التي تحمل ذاكرة الأجيال السابقة.
من الأمثلة البارزة، متحف القرارة الثقافي بمجموعاته الأثرية المحلية، الذي دُمّر بشكل شبه كامل، ما أسهم في فقدان مباشر لمظاهر الحياة الثقافية الفلسطينية. كما تعرض الأرشيف المركزي لمدينة غزة للتدمير، وهو يضم وثائق تمتد لأكثر من مئة وخمسين عامًا من تاريخ المدينة، ما جعل استعادة جزء كبير من الذاكرة التاريخية شبه مستحيلة. دمر الاحتلال الإسرائيلي عشرات المكتبات خلال الحرب، إذ تعرضت مكتبة المسجد العمري الكبير للقصف والحرق، وفقد معظم مخطوطاتها التاريخية النادرة البالغ عددها 230، ولم يبق منها سوى 38 مخطوطة. كما قصفت “مكتبة غزة للثقافة والنور” التابعة للكنيسة المعمدانية، التي كانت تضم نحو 20 ألف كتاب، ما يعكس حجم الخسائر الثقافية الهائل التي طالت المجتمع الفلسطيني.
تشمل الخسائر أيضًا المواقع الدينية والمباني التاريخية في الأحياء القديمة مثل الزيتون والشجاعية والدرج، حيث تم تدمير أكثر من 195 مبنى تاريخيًا، إضافة إلى مواقع أثرية هامة ككنيسة القديس هيلاريون وقلعة برقوق ومباني القرن الثالث عشر والرابع عشر، ما أدى إلى فقدان كبير للمعالم التي شكلت هوية المدينة عبر القرون. إن التراث الثقافي المادي وغير المادي يشكل الرابط بين الأجيال وهويتها الجماعية، فهو يحفظ التاريخ ويجسد العادات والتقاليد، وفقدان هذه المواقع لا يمحو المباني فحسب، بل يمس جوهر الهوية الثقافية للمجتمع الفلسطيني ويعيق قدرة الأجيال القادمة على الاتصال بماضيهم وفهمه.
ورغم وجود اتفاقيات دولية واضحة لحماية التراث في النزاعات المسلحة، مثل اتفاقية لاهاي، فإن متابعة هذه القوانين في غزة كانت محدودة، كما أن الغياب النسبي للتركيز الدولي على هذه الخسائر أعاق الاعتراف بما يمكن وصفه بجرائم ضد التراث الثقافي. وما يحدث في غزة ليس حادثًا معزولًا؛ فالتدمير الممنهج للتراث حدث في نزاعات عالمية أخرى مثل سوريا وأوكرانيا، إلا أن السياق الفلسطيني يتداخل مع تاريخ طويل من محاولات القضاء على الذاكرة الثقافية منذ النكبة عام 1948، ما يضع القضية ضمن أبعاد إنسانية وسياسية وقانونية أوسع. وتشمل الانعكاسات طويلة الأمد فقدان الأرشيفات الوطنية، وفقدان وثائق النشأة الاجتماعية والسياسية، وتدمير المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية، ما يزيد من هشاشة الهوية الثقافية ويعيق التعليم والتوثيق التاريخي للأجيال القادمة.
باختصار، الإبادة الثقافية في غزة لا تعني فقط خسارة ممتلكات مادية، بل فقدان ذاكرة جماعية وتراث إنساني متواصل منذ آلاف السنين، مع تأثيرات عميقة على الهوية والتعليم والحياة الثقافية المستقبلية للسكان المحليين وعلاقتهم بتاريخهم. تظل هذه الأضرار جرحًا عميقًا للهوية الفلسطينية، تتطلب إعادة تقييم دولي جاد وتفعيل الحماية القانونية للتراث والثقافة في مناطق النزاع.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.