محمود الجيلي وبرنامج (ريحة البن): اتساع التجربة وعمق اللحظة الإنسانية

صحيفة الهدف

منى عبد الرحيم

يقدّم برنامج (ريحة البن)، الذي يُبث عبر قناة (النيل الأزرق) الفضائية، تجربة ثقافية تقوم على استضافة الشعراء في فضاء يستلهم ملامح الجلسة السودانية، حيث تتداخل الكلمة مع الطقس التراثي والموسيقى، في صيغة تتيح للنص الشعري أن يُستقبل بوصفه تجربة حية. غير أن تماسك هذه التجربة لا يعود إلى الفكرة وحدها، بل إلى الدور الذي يضطلع به مقدّمه، الشاعر محمود الجيلي، في إدارة هذا الفضاء وتوجيهه.
من أبرز ملامح البرنامج اتساع دائرة الاستضافة، إذ استضاف عددًا كبيرًا من الشعراء من أجيال وتجارب مختلفة، ما أتاح تمثيلًا متنوعًا للمشهد الشعري. هذا التنوع لم يقتصر على الأسماء، بل شمل الموضوعات والأساليب، وصولًا إلى مجالات نوعية مثل أدب الطفل. وقد كنتُ ضمن المشاركين في حلقة خُصصت لأدب الأطفال، وهو ما يعكس وعي البرنامج بأهمية هذا اللون الأدبي، وإدراجه ضمن الحراك الشعري العام، لا بوصفه هامشًا عليه.
هذا الاتساع في الاستضافة يكشف عن إدراك لدور المنبر الثقافي في الربط بين الأصوات المختلفة، وإتاحة الفرصة لتجاورها داخل فضاء واحد، بما يثري التجربة ويمنحها بعدًا تواصليًا. وهنا يبرز دور محمود الجيلي، ليس فقط كمقدّم، بل كمنسّق لهذا التنوع، يضبط إيقاعه، ويوجّه حركته داخل الحلقة، دون أن يفرض حضورًا يطغى على الضيوف. وفي هذا الإطار، يبرز تقديره لهذه التجارب، إذ يتعامل مع الشعراء بوصفهم نتاج مسارات معرفية وجمالية متراكمة، لا حالات عابرة؛ فهؤلاء الشعراء جديرون بالاهتمام والاحترام والتبجيل، إذ لم يأتوا من فراغ، واستضافتهم من قبل شاعر يمتلك أدواته الإبداعية، وبلغت تجربته درجة من النضج المرتبط برؤية تنهض على الانحياز إلى منظومة القيم الجمالية، على المستويين الحياتي والإبداعي، تمثّل إضافة نوعية للبرنامج ولطبيعة الحوار داخله.
ويحرص محمود الجيلي على تقدير الشعراء الشباب، ويؤمن بأن مهمّة المثقف تتجاوز التعبير عن الثقافة المجتمعية إلى الاستنهاض بروح المجتمع نحو تحقيق الكمال، وإظهار إبداعات الأفراد كفعل محرك لكل أجزاء الجسد الاجتماعي. إنّ اهتمامه بهذا الجانب يجعل البرنامج حاضنًا للإبداع ومصدرًا للإلهام، ويتيح للشعراء التعبير عن ذواتهم، واختبار أدواتهم الإبداعية، واستكشاف تجاربهم المرتبطة بالقيم الجمالية والاجتماعية، بما يحقق نوعًا من النضج الفني والفكري داخل الحلقة.
ويُعتبر برنامج (ريحة البن) نموذجًا ناجحًا في دمج التراث الشعري مع التجربة الحية، إذ نجح في خلق فضاء حواري يمكّن الشعراء من التعبير عن أنفسهم بحرية وعمق. كما ساهم البرنامج في تعزيز حضور الشعراء الشباب ومنحهم منصة لعرض تجاربهم وأفكارهم، بما يثري المشهد الأدبي السوداني. دور محمود الجيلي كان جوهريًا في تحقيق هذا النجاح، إذ لم يقتصر على تقديم البرنامج، بل شمل تنسيق الحوار، وضبط إيقاع الحلقات، وتقدير كل تجربة فردية داخل السياق العام. كما نجح البرنامج في توسيع مدارك المتلقي، من خلال الجمع بين الكلمة والموسيقى والجو التراثي، ما أتاح فهمًا أعمق للنصوص الشعرية. وبذلك، يصبح (ريحة البن) تجربة ثقافية متكاملة، تؤكد على قدرة المنصات الإعلامية في دعم الإبداع، ونقل الشعر إلى جمهور واسع بطريقة مؤثرة وموضوعية.
وفي هذا السياق العام، جاءت الحلقات الأخيرة من البرنامج لتضيف بعدًا إنسانيًا أكثر كثافة، حيث اتجهت نحو ما يمكن وصفه بـ”استنطاق دموع الرجال”. هذه الحلقات لم تُلغِ ما سبقها، بل عمّقت مسار البرنامج، عبر التركيز على ثيمة الغياب بتجلّياتها المختلفة: غياب فرضته الحرب، وآخر ارتبط بالهجرة، وثالث يتصل بالاغتراب النفسي. وقد انعكست هذه الثيمة في النصوص، التي حملت طابعًا تأمليًا، وقدّمت التجربة الفردية بوصفها مدخلًا لفهم وضع جمعي أوسع.
ما ميّز هذه المرحلة هو طبيعة الأداء، حيث ظهرت لحظات انفعال صادقة لدى بعض الشعراء أثناء الإلقاء، بلغت حدّ البكاء. هذه اللحظات لم تكن معزولة عن سياقها، بل جاءت نتيجة مباشرة لثقل التجربة التي تحملها النصوص، وهو ما منح القصائد درجة عالية من الصدق والتأثير. وفي هذا الموضع تحديدًا، يتجلّى دور الجيلي في قدرته على إدارة هذه الحالة، عبر الموازنة بين إتاحة التعبير العفوي، والحفاظ على تماسك البناء العام للحلقة.
كما أسهمت الموسيقى في تعزيز هذا البعد، إذ لم تكن مجرد خلفية، بل عنصرًا يوازي الحالة الشعورية للنص، ويعمل على تكثيفها. فقد ساعدت في إبراز الإيقاع الداخلي للقصائد، ومنحتها امتدادًا سمعيًا يعزّز من تجربة التلقي، خاصة في النصوص التي تناولت الحزن والفقد والحنين.
بهذا المعنى، لا تمثل الحلقات التي “استنطقت دموع الرجال” قطيعة مع مسار البرنامج، بل امتدادًا له في اتجاه أكثر عمقًا، حيث يتحول الشعر إلى وسيلة لقراءة الواقع الإنساني في لحظاته الأكثر هشاشة. ويظلّ نجاح هذه التجربة مرتبطًا بقدرة محمود الجيلي على استيعاب هذا التحول، وإدارته ضمن رؤية تحافظ على توازن البرنامج، وتمنحه في الوقت نفسه طاقته التعبيرية.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.