اليوم العالمي للمسرح: الحكاية التي لا تنتهي

صحيفة الهدف

سمية الطيب

اكتسب هذا اليوم عالميته من كونه عالمًا ينبض بالحياة، وفيه تتشكل كل الفنون بأنواعها؛ فالمسرح زمكانية الحياة، حيث يلتقي الزمان بالمكان ليشكّلا تجربة إنسانية حيّة تتجدد في كل عرض. فلنرفع القبعات لهذا اليوم التاريخي، (27 مارس)، الذي نحتفل به في كل عام، ونستحضر فيه قيمة الفن المسرحي بوصفه مرآةً للمجتمع وذاكرةً حيّةً للإنسانية.
ففي عام (1961م) أطلق المعهد الدولي للمسرح الاحتفال بفن المسرح، لأهميته في حياة المجتمعاتف والشعوب، وأيضًا لتعزيز التبادل الثقافي بين الدول، وتسليط الضوء على دور المسرح في التعبير عن القضايا الإنسانية والاجتماعية. ومنذ ذلك الحين، أصبح المسرح جسرًا حضاريًا تتلاقى عبره الثقافات، وتتحاور من خلاله الشعوب بلغات الفن والإبداع.
وعبر التاريخ الإنساني، لعب المسرح دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الجمعي؛ فقد كان وسيلةً للتعليم والتنوير، ومنبرًا للنقد الاجتماعي والسياسي، ومجالًا لاستكشاف الأسئلة الكبرى حول الوجود والهوية والعدالة. فهو لا يقتصر على الترفيه، بل يتجاوز ذلك ليكون أداةً للتغيير، قادرًا على تحريك المشاعر، وإثارة التفكير، وفتح آفاق جديدة أمام الإنسان.
وفي السياق العربي، ارتبط المسرح بحركة النهضة الثقافية، وأسهم في طرح قضايا الحرية والعدالة والهوية، كما عكس التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها المجتمعات العربية. وقد استطاع المسرح العربي أن يمزج بين التراث والحداثة، مستلهمًا الحكايات الشعبية، والأساطير، والتاريخ، ليقدم أعمالًا تعبّر عن الواقع وتطمح إلى تغييره.
أما في السودان، فقد شكّل المسرح مساحةً حيويةً للتعبير الثقافي والاجتماعي، حيث تميز بثرائه المستمد من التنوع الثقافي واللغوي. وقد أسهم المسرح السوداني في توثيق الحياة اليومية، ونقل هموم الناس وآمالهم، كما كان منبرًا للنقاش حول قضايا الهوية والانتماء والوحدة الوطنية. وبرزت فيه تجارب مبدعة جمعت بين البساطة والعمق، وبين الحس الشعبي والرؤية الفكرية.
وفي كل عام، يكتب أحد كبار المسرحيين في العالم رسالةً تُقرأ على المسارح حول العالم، لتعكس رؤيةً فنيةً وإنسانيةً حول دور المسرح. ويتم الاحتفال بعروض مسرحية خاصة، وندوات وورش، إلى جانب تكريم بعض الفنانين والمبدعين في هذا المجال، كما تُقدَّم الأنشطة الثقافية والتعليمية في المدارس والجامعات والأندية، مما يعزز حضور المسرح في حياة الأجيال الجديدة.
فالمسرح ليس مجرد عرض على خشبة وصالة، بل هو مرسل ورسالة ومتلقٍ، وهو ساحة للتفكير والتعبير، ومساحة لتحقيق الأحلام. إنه فن قادر على إعادة تشكيل الوعي، وبناء جسور التفاهم بين البشر، بل ويمكنه تغيير نظرة أمة ونظامها الفكري والسياسي. وكما قيل: “أعطني مسرحًا أعطِك أمة”.

رسالة اليوم العالمي للمسرح: ٢٧ مارس ٢٠٢٦
بقلم: وليم دافو، ممثلٌ، صانعُ مسرح
الولايات المتحدة الأمريكية
قدَّمتني السينما إلى العالم، لكن جذوري كانت، منذ البداية، مغروسةً بعمقٍ في المسرح.
كنتُ عضوًا في فرقة مجموعة ووستر بين عامَي ١٩٧٧ و٢٠٠٣، حيث صنعنا وقدَّمنا أعمالًا أصلية في The Performing Garage في نيويورك، وقدمناها في مسارح حول العالم. كما عملتُ مع ريتشارد فورمان، وروبرت ويلسون، وروميو كاستيلوتشي.
أشغل اليوم منصب المدير الفني لـ The Venice Theatre Biennale (بينالي المسرح في فينيسيا). هذا الموقع، وإلى جانب ما يشهده العالم من أحداث ورغبتي في العودة إلى العمل المسرحي، أسهمت جميعها في ترسيخ إيماني بالقوة الإيجابية الفريدة للمسرح وأهميته.
في بداياتي المتواضعة مع ووستر غروب، وهي فرقةٌ مسرحية مقرُّها نيويورك، كُنّا في كثيرٍ من الأحيان نعرض أمام جمهورٍ قليلٍ جدًّا، وكانت القاعدة تنصّ على أنّه إذا كانَ عدد المؤدين أكبر من عدد الحاضرين يُمكن إلغاء العرض، لكننا لم نفعل ذلك يومًا. كثيرون في الفرقة لم يكونوا متدرّبين مسرحيًا، بل أتوا من تخصصات مختلفة اجتمعت في فعل المسرح، لذلك لم تكن عبارة “العرض يجب أن يستمرّ” شعارنا الأساسي، ومع ذلك كنا نشعر بالتزام واضح تجاه لقائنا مع الجمهور.
كُنّا نتدرّب خلال النهار، وفي المساء نعرض ما نعمل عليه بوصفه “عملاً قيد التطوير”، أحيانًا كُنّا نمضي سنوات على عرضٍ واحد، ونؤمّن استمراريتنا من خلال جولات لعروضٍ سابقة.
كان العمل الطويل على القطعة نفسها يُرهقني أحيانًا، وكنت أجد البروفات صعبة، لكن عروض “العمل قيد التطوير” كانت دائمًا مثيرةً للاهتمام، حتى بدا الجمهور القليل وكأنّه حكمٌ قاسٍ على مستوى الاهتمام بما نقدّمه. هذا الأمر جعلني أدرك أنّ وجود الجمهور، مهما كان عددُه، هو ما يمنح المسرح معناه وحياته.
كما تقول اللافتة في صالة القمار: “عليك أن تكون حاضرًا لتفوز”، فإن التجربة المشتركة في الزمن الحقيقي لفعل إبداعي قد تكون مضبوطة ومصمَّمة، لكنها تظل مختلفة في كل مرة، وهي إحدى أبرز نقاط قوة المسرح.
اجتماعيًا وسياسيًا، لم يكن المسرح يومًا أكثر أهميةً وحيويةً لفهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، أما ما نراه جميعًا ونتفادى تسميته فهو التقنيات الجديدة ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعدّنا بالتواصل، لكنّها في الواقع تُسهِم في تفكيك العلاقات بين الناس وعزلهم عن بعضهم البعض.
أستخدم الحاسوب يوميًا رغم أنني لا أملك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد بحثت عن نفسي كممثل على “Google”، وغالبًا ما استعنت بالذكاء الاصطناعي للحصول على معلومات، لكن من الصعب تجاهل أنّ التواصل الإنساني بات مهدّدًا بأن يُستبدل بعلاقات مع الأجهزة.
بعض التقنيات يمكن أن تخدمنا، لكن عدم معرفة من يوجد على الطرف الآخر من دائرة التواصل يطرح إشكاليات عميقة، ويُسهم في أزمة تتعلق بالحقيقة والواقع.
الإنترنت قادر على طرح الأسئلة، لكنه نادرًا ما يخلق ذلك الإحساس بالدهشة التي يولّدها المسرح، دهشة قائمة على الانتباه والمشاركة وتكوين جماعة مؤقتة من الحاضرين في دائرة فعل واستحابه.
بوصفِي ممثلًا وصانعَ مسرح، ما زلت أؤمن بقوة المسرح في عالم يزداد انقسامًا وسيطرةً وعنفًا. يتمثّل التحدي أمامنا نحن صنّاع المسرح بألاّ نسمح باختزاله، لا كمجرد نشاط تجاري قائم على الترفيه عبر الإلهاء، ولا كمؤسسة جامدة تحفظ التقاليد فحسب، بل أن نُعزّز قدرته على ربط الناس والمجتمعات والثقافات، وطرح الأسئلة حول الوجهة التي نتّجه إليها.
المسرح الحقيقي يتعلّق بتحدّي طرق تفكيرنا، وبدعوتنا إلى تخيّل ما نطمح إليه.
نحن كائنات اجتماعية، ومهيّؤون بيولوجيًا للتفاعل مع العالم. كل حاسة هي بوابة للقاء، ومن خلال هذا اللقاء نصل إلى فهم أعمق لمن نكون.
من خلال الحكاية، والجماليات، واللغة، والحركة، والسينوغرافيا، يستطيع المسرح بوصفه فنًّا شاملاً أن يجعلنا نرى ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون عليه عالمنا.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.