في صُحبةِ التِّجاني والشّابي: الجَمالُ والقَلَقُ والأسى

صحيفة الهدف

د.عبد الرحيم عبد الحليم محمد

يُعدُّ كلٌّ من التِّجاني يوسف بشير وأبي القاسم الشّابي من أبرز الأصوات الشعرية في النهضة العربية الحديثة، وقد جمعتهما أقدارٌ متشابهة من حيث العمر القصير، والرؤية الشعرية المتوقِّدة، والاحتراق الداخلي الذي انعكس بوضوح في نصوصهما. فقد وُلد التِّجاني يوسف بشير عام 1912 في السودان، في بيئة دينية محافظة مبكِّرة التأثير، ونشأ ميّالًا إلى التأمُّل والقراءة والتطلُّع إلى آفاق روحية وجمالية رحبة. غير أن حياته لم تطُل، إذ توفِّي عام 1937 وهو في نحو الخامسة والعشرين، بعد معاناة مع المرض والعزلة، تاركًا ديوانًا فريدًا هو (إشراقة) الذي يكشف عن روحٍ متوثِّبة ووعيٍ جمالي مبكِّر.
أمّا أبو القاسم الشّابي فقد وُلد عام 1909 في تونس، ونشأ في أسرة علمية كان لوالده القاضي أثرٌ واضح في تكوينه، وأظهر منذ صغره موهبةً شعرية لافتة وثقافة واسعة، لكنه هو الآخر لم يُعمِّر طويلًا، إذ توفِّي عام 1934 في سن الخامسة والعشرين تقريبًا بعد صراع مع المرض، وقد خلّف ديوان (أغاني الحياة) الذي أصبح من أهم دواوين الشعر العربي الحديث.
وإذا تأمّلنا تجربتيهما نجد أن قِصَر العمر عندهما لم يكن نقصًا، بل كان مصدر كثافة ووهج، فكأن كليهما عاش عمرًا مكثّفًا في زمنٍ قصير. وقد انعكس ذلك في نبرة التحدِّي والإحساس بالرسالة، كما في قول الشّابي: “إذا الشَّعبُ يومًا أراد الحياةَ فلا بدَّ أن يستجيبَ القدر”، وفي قول التِّجاني: “أنا إن قدَّر الإلهُ مماتي لا ترى الشرقَ يرفعُ الرأسَ بعدي”، حيث يظهر الشعور العميق بأن الحياة ينبغي أن تكون مشبعة بالمعنى، حتى وإن قصُرت.
كما يجمع بينهما انتماؤهما إلى النزعة الرومانسية التي تتجلّى في التمرُّد على الواقع والسعي إلى عالمٍ أسمى، غير أن تمرُّد الشّابي يتجه غالبًا نحو الواقع الاجتماعي والسياسي داعيًا إلى الحرية والانبعاث، كما في قوله: “ومن لا يُحبُّ صعودَ الجبال يعِش أبدَ الدهرِ بين الحُفَر”، بينما يأخذ التمرُّد عند التِّجاني طابعًا روحيًا صوفيًا يتجاوز الواقع إلى عوالم الجمال المطلق، كما في قوله: “وطني أنت نشوةُ النفس، أنت غايةُ القلب، أنت روحُ الوجود”.
وتبرز الطبيعة في شعرهما بوصفها كائنًا حيًّا نابضًا يشارك الإنسان وجدانه؛ فهي عند الشّابي فضاء للحلم والثورة، وعند التِّجاني مجال للإشراق والصفاء. يقول الشّابي مخاطبًا الطبيعة بروحٍ حالمة: “يا خُلدُ، يا جنّةَ الأحلام، يا أملي”، بينما يقول التِّجاني في رؤيته المشبعة بالنور: “كم تظلُّ الرؤى به شارعاتٍ في ينابيعَ من جلالٍ نديّ”.
ويظهر كذلك الحس الصوفي والبحث عن المطلق جليًّا في شعرهما، وإن كان أوضح عند التِّجاني الذي يغوص في أعماق التجربة الروحية، كما في قوله: “إلهي، أنت للجمال جمالٌ، بك أهوى، وبالجمال أهيم”، في حين يقترب الشّابي من هذا الأفق عبر تأمُّل فلسفي للحياة والوجود، كما في قوله: “وسكنت في قلبي أحلامُه كأنها في الوجود سرُّ الحياة”.
ولا يغيب عن تجربتيهما الشعور بالغربة والاغتراب، إذ يحسّ كلٌّ منهما بانفصال عن محيطه وزمانه؛ فيقول الشّابي: “غريبٌ أنا في الحياة، وفي نفسي، وفي الناس، في الزمان”، ويقول التِّجاني: “أنا في العالم الغريب غريبٌ بين أهلي كأنني لستُ منهم”، وهو اغترابٌ يُغذِّي الإبداع ويُعمِّق الإحساس الداخلي بالألم.
وهكذا فإن التشابه بين التِّجاني يوسف بشير وأبي القاسم الشّابي ليس مجرّد تقاطع في السيرة، بل هو تعبير عن روح جيل عربي عاش القلق والتحوُّل، فعبَّر عنه بلغةٍ مشتعلة تجمع بين الحلم والألم. وإذا كان الشّابي قد أصبح رمزًا للإرادة والحياة، فإن التِّجاني ظلَّ رمزًا للإشراق الروحي والتجربة الوجدانية العميقة، وفي هذا التوازي يظل كلاهما حيًّا في ذاكرة الشعر العربي.
قدرٌ جميل ساقني إلى ركنٍ تونسيٍّ قصيٍّ أثناء فعاليات معرض القاهرة للكتاب، ومن عجبٍ أن القائمين على ذلك الركن أفادوني بأن هناك ركنًا للحكومة التونسية، إلا أنه، وبأمرهم، لا يحتوي على ذكرٍ للشاعر العظيم أبي القاسم الشّابي. في ذلك الركن القصيّ، حصلتُ على كتاب (أبو القاسم الشّابي- صفحات من كتاب الخلود.. القصائد النثرية) إعداد الكاتب سوف عبيد، الصادر عن وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون.
لقد منَّ الله عليَّ بهذا الكتاب، لأنه شكَّل منحًى جديدًا في مروري عبر محطاتٍ عديدة في صُحبة التِّجاني يوسف بشير، شاعرنا السوداني الفذ، على ضوء المقدمة التي سلفت هنا، وكجزءٍ رأيتُه ملائمًا في رفقة شاعرنا. كما أن كتاب (صفحات الخلود) عرّفني أن للشّابي قصائد نثرية، مثلما أن للتِّجاني أعمالًا نثرية، كما هو معلوم وكما سنرى، وتلك أعمالٌ يُشمّ عبرها عبير الشعر.
وهنا نورد قول سوف عبيد في المؤلف المذكور (2009): “وقد تبيَّن لنا، كما أن العطر يُشمّ، ولا يخلو من بعد المقارنة والتمعُّن والاستئناس بأسلوب الشّابي، وبهديٍ من ألفة مناخات القصيد النثري قراءةً ودراسةً وإنشاءً.. أن هذا القسم قد اشتمل على ثلاث عشرة قصيدةً نثرية تمثِّل القسم الأكبر منه”.
وفي تقديري أيضًا، مثَّل نثر التِّجاني يوسف بشير امتدادًا عضويًا لروحه الشعرية، بحيث لا يمكن الفصل بين التجربتين إلا من حيث الشكل الظاهري، بينما يظل الجوهر واحدًا نابضًا بنفس الحساسية الجمالية والقلق الوجودي الذي يميِّز عالمه الإبداعي. فمن يقرأ مقالاته ورسائله لا يجد نفسه أمام كاتب نثرٍ تقريري، بل أمام شاعر يكتب خارج الوزن، مستبقيًا كل أدواته من خيالٍ وصورةٍ وإيقاعٍ داخلي ورؤيةٍ متجاوزة للواقع المباشر.
إذ تتكثَّف في نثره الصور كما تتكثَّف في شعره، فيتحوَّل المعنى إلى مشهد، والعبارة إلى لوحة حيّة. فهو حين يتحدّث عن النفس أو الوجود لا يكتفي بالتحديد الذهني، بل يجعل الروح نورًا متدفِّقًا أو قبسًا باحثًا عن أفقه، وهو تعبيرٌ يوازي في طاقته التصويرية أبياته التي تمتلئ بالإشراق والضياء.
ولا يقف الأمر عند حدود الصورة، بل يمتد إلى الإيقاع الذي يتخفَّى داخل الجملة النثرية، حيث تتوازن التراكيب وتتردَّد الأصوات في نسقٍ قريب من الإنشاد، كأن اللغة تنزع بطبيعتها إلى الغناء حتى وهي في ثوب النثر، وهو ما يجعل القارئ يشعر بانسيابٍ موسيقي خافت يذكِّره مباشرةً بنبرته في قصائده.
وتتعمّق هذه الصلة بين النثر والشعر في البعد الرؤيوي الذي يحكم كتابته كلها، إذ يميل إلى تأمُّل الوجود بوصفه سرًّا لا يُستنفد، وإلى النظر في الذات باعتبارها كيانًا يسعى إلى تجاوز حدوده والاتصال بالمطلق. وهي نزعةٌ تُقرِّبه من أفق التصوّف الذي نجده عند ابن الفارض وجلال الدين الرومي، حيث تصبح اللغة أداة كشف لا مجرّد وسيلة تواصل.
كما تتوحّد الموضوعات الكبرى في نصوصه كلها، فلا يكاد القارئ يفرّق بين هواجس الشاعر وهواجس الكاتب، فهو دائم الانشغال بفكرة الغربة، والبحث عن معنى الوجود، والإحساس المأساوي بالجمال، حيث يبدو الإنسان عنده كائنًا ممزّقًا بين توقه إلى المطلق وقيود الواقع.
وهكذا يمكن القول إن نثر التِّجاني يوسف بشير ليس خروجًا عن الشعر، بل هو تحوُّل في شكله فقط، أما روحه فباقية فيه بكل توهُّجها، وكأن الشاعر حين ترك الوزن لم يترك الشعر، بل أطلقه في فضاءٍ أوسع، حيث تتنفّس اللغة بحرية أكبر دون أن تفقد موسيقاها الداخلية ولا قدرتها على الإيحاء والكشف.

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.