حين يصغي القلب إلى الغيم.. تأملات في قصيدة (أقبل نوفمبر) للشاعرة نيالاو حسن آيول

صحيفة الهدف

ناظم ناصر القريشي

نوفمبر ككينونة شعرية
يهبّ نوفمبر في هذه القصيدة لا كفصل، بل ككائن له سمع وبصر وحلم. ليس شهرًا عابرًا في تقويم الفصول، بل وعيًا بطيئًا يتدلّى بين الخريف والشتاء، كفكرة تتردّد في رأس الطبيعة قبل أن تنام. منذ السطر الأول، “سلام يا نوفمبر.. يا صمت الأرض حين تنصت للخريف”، يتحوّل الطقس إلى كائن يصغي.
الصمت هنا ليس فراغًا، بل موسيقى منخفضة التردّد، تُسمع في الحفيف، في انسحاب الضوء من الأوراق، وفي تنفّس الأرض حين تتأمّل ما تساقط منها. إنه سكون حيّ تتردّد فيه النغمة الأولى للقصيدة.
التوازن التشكيلي للذات: دفء الداخل ورمادية الخارج
تكتب الذات نفسها من الداخل: “هذه أنا، وتلك الكتب، وفنجان الشاي، وغيوم نوفمبر”..
المشهد يبدو بسيطًا، لكنه يخفي تناسقًا تشكيليًا بين العناصر: الكتب “الذاكرة الفكرية”، الفنجان “الدفء الحسّي”، الغيوم “الانفعال البصري”، و”الفراغ الجميل بين التعب واستراحة الروح” هو المسافة البيضاء التي توازن اللوحة. إنه فراغ الجمال ذاته، المساحة التي تتنفّس فيها الروح.
طقس الغفران: القهوة والظلّ والذاكرة
في وسط القصيدة، تظهر لحظة تكاد تكون معجزة في بساطتها:
“نراقب الغيم خلال النافذة يمر ببطء، ونبتسم! كأننا نغفر للعالم كل شيء.”
لا جُرح يُذكر، ولا خصومة تُستدعى، ومع ذلك يولد الغفران تلقائيًا، كهدية لا كواجب. الابتسامة هنا ليست رد فعل، بل حالة وعي. إنها اعتراف خفي بأن العالم، في لحظة كهذه، لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى نظرة طويلة تعيد ترتيب العلاقة بين الداخل والخارج.
والأكثر إثارة أن الغفران يُمارَس داخل فنجان القهوة:
“كل رشفة تعيد وجهكَ إلى النافذة، كظل يمر ثم يختفي.”
فلسفة البطء:الفصل الذي لا يحدث تمامًا
تبلغ القصيدة ذروتها في الخاتمة:
“نوفمبر لا يشبه غيره/ ولا يحدث تمامًا/ بل يتدلى بين الخريف والشتاء”..
هنا يتكثّف المفهوم الفلسفي للشهر:ليس حدثًا بل حالة معلّقة، مثل حلم لم يكتمل. إنه فصل التفكير، لا الزمن؛ مسافة بين موت الورقة وولادة الثلج. القصيدة في جوهرها تأمل في البطء، وفي قدرة الأشياء الصغيرة، فنجان، نافذة، غيمة، على إعادة ترتيب الداخل كما يُعيد الخريف ترتيب الألوان.
الإنصات كلغة:كتابة الضوء وهو ينطفئ
تتراجع اللغة خطوة إلى الوراء لتفسح المجال لإيقاع المشاهدة. كل شيء في النص متوازن بين الحضور والغياب:الوجه الذي يمر في النافذة، الظل الذي لا يكتمل، الفصل الذي لا يحدث تمامًا.
كأن القصيدة نفسها في حالة نوم يقظ، تحلم ولا تقول إنها تحلم، تتذكّر دون أن تُصرّح بما تتذكّره. إنها قصيدة تُصغي أكثر مما تتكّلم، ولهذا تُشبه نوفمبر تمامًا:هادئ، خفيف، لكنه يترك في النفس أثرًا أبعد من الكلام.
لغة نوفمبر المتحركة: بين السيولة والانزياح
اللغة تتحوّل إلى كائن حيّ يتنفّس هواء نوفمبر. الكلمات لا تستقر في معانيها المعجمية، بل تنزاح كالغيوم في سماء الذاكرة. الأرض “تنصت”، القلب “يعبر”، الغيوم “تمر”، والفكرة “تتدلّى”، كل فعل يخلق مسارًا جديدًا للدلالة، كل حركة تفتح بابًا من أبواب الوعي.
هذه اللغة المتحركة تشبه الماء في حالته الحُلُمية:لا هو سائل ولا صلب، بل في حالة سيولة دائمة. إنها “الوعي المائي” للنص، حيث تذوب الحدود بين الحواس:الحس البصري يتحول إلى صوت، والصوت إلى شعور، والشعور إلى ظل لغوي يمر ثم يختفي.
الشفرة الإبداعية تكمن في هذا التداخل العضوي بين اللفظ والمعنى، بين الصوت والإحساس. الشاعرة لا تختار الكلمات لدقتها، بل لذبذبتها النفسية، لما تتركه من أثر في فضاء النص كما تترك القهوة بخارها في هواء الغرفة.
تعددية الحواس:

العين التي تسمع، والأذن التي ترى في هذا المستوى من الإدراك، تنصهر الحواس في بعضها كما لو أن القصيدة تعيد خلق الجسد على صورتها. العين تُصغي، والأذن تُبصر، واللمس يتحوّل إلى وعي لغوي نابض.
يتجلّى “نوفمبر” كفضاء حسّي متعدد الطبقات، تتحوّل فيه المعاني إلى أنفاس، والأنفاس إلى ضوء يسري في اللغة. عند هذه النقطة، تتقاطع الفنون، التشكيل والموسيقى والسينما، داخل الجملة الشعرية نفسها، فتحدث القصيدة كحدث بصري، سمعي، تنفّسي واحد.
القراءة التشكيلية والموسيقية والسينمائية
القصيدة تتشكّل كلوحة بضوء مائل، تتسرّب فيها الألوان كبخار الشاي في الهواء. كل عنصر، الكتب، الفنجان، الغيوم، النافذة، يبرز بضربة ريشة واحدة، مشكّلًا تكوينًا أفقيًا تتوازن فيه الأشياء في صمت.
“الفراغ الجميل بين التعب واستراحة الروح” هو البياض التشكيلي الذي يمنح اللوحة مساحة للتنفس، فيتنقّل النظر بين دفء الداخل ورمادية الخارج، بين حرارة الشاي وبرودة الغيم. كل لون هنا نصف ظل، وكل ظل نصف معنى.
ليس نوفمبر في القصيدة إيقاعًا صريحًا، بل صمت موزون. حين تمر الغيوم ببطء، تخلق ارتجافة لحنية في مقام بين الفرح والحزن. القهوة موتيف موسيقي يتكرّر ويتبدّل مع كل رشفة، مشكّلًا سمفونية تتردّد فيها الغيوم والنظرات كأنغام طويلة على وتر الصمت.
في البحث عن الزمن المفقود للكتابة
قد يكون الوقت هو القصيدة:ليس ساعة في التقويم، بل لحظة توقفت فيها الأشياء عن الهروب، وبدأت تتنفس ببطء يشبه الغيم. القصيدة لا تُقاس بالساعات، بل بالضوء الذي يسمح للصمت أن يُرى، الضوء الخافت الذي يلامس زجاج النافذة دون أن يُضيء، كأنه يخاف أن يُوقظ ما هو نائم في الذاكرة.
القصيدة ولدت من عمق تلك الساعة التي لا تُسمّى:بين الظهيرة والغروب، حين يبدأ العالم في التهدئة، وينفتح الفنجان على وجه لا يعود، بل يمر كظل ثم يختفي. رغم أن القصيدة ليست في الورق، بل في الهواء بين كوب القهوة وعينيها، وفي صمت لا يُقال، لكنه يُحسّ، كأن الزمن نفسه توقّف ليسمع.
نوفمبر كجسد لغوي
القصيدة تعيد تعريف العلاقة بين الشعر والوعي. ليست نصًا عن شهر، بل عن الإنسان حين يصغي إلى الغيم في داخله. كل فصل، كل رشفة، كل ظل، هو شكل من أشكال الحياة داخل اللغة. إنها قراءة تنتمي إلى منهج الحياة، حيث تتفاعل اللغة مع الجسد، والوعي مع الإحساس، ويصبح الشعر شكلًا من أشكال التنفس المعنوي.
النص الشعري الأصلي:
أقبل نوفمبر
نيالاو حسن آيول
أقبل نوفمبر.. سلام يا نوفمبر
يا صمت الأرض حين تنصت للخريف
ويا سكون القلب حين يعبر البرد عتبة الحلم
هذه أنا
وتلك الكتب
وفنجان الشاي
وغيوم نوفمبر
والفراغ الجميل بين التعب واستراحة الروح من ماضيها القريب
نراقب الغيم خلال النافذة يمر ببطء،
ونبتسم!
كأننا نغفر للعالم كل شيء
في فنجان قهوة،
كل رشفة تعيد وجهكَ إلى النافذة،
كظل يمر ثم يختفي
نوفمبر لا يشبه غيره
ولا يحدث تمامًا
بل يتدلّى بين الخريف والشتاء
كفكرة نائمة في رأس المواسم والفصول.

نيالاو حسن أيول
شاعرة من جنوب السودان، من مواليد مدينة ملكال بولاية أعالي النيل بجمهورية جنوب السودان، وهي عاصمة ولاية أعالي النيل وتقع على ضفاف النيل الأبيض مباشرة قبل التقائه بنهر السوباط. تخصّصت في علم النفس. تقيم وتعمل في أمريكا الشمالية.
صدر لها: (قرابين نيكانق)، مجموعة شعرية، ومجموعة أخرى تحت الطبع.
-كاتب من العراق

#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.