محمد الحاج
منذ أن أطلق أبو اظلطيب المتنبي تنهيدته الخالدة، مغمدًا سؤاله الجارح في خاصرة الزمن: (عيدٌ بأيّة حالٍ عُدتَ يا عيد)، لم يعد قوله مجرد بيت في ديوان شعر، بل غدا مهمازًا لوجعٍ يتجدّد، وأرجوحةً من حنينٍ مشبوبٍ باللوعة، تأوي إليها القلوب المغتربة كلما أطلّ العيد من نوافذ الغربة.
في المنفى، لا يأتي العيد كما نعرفه، لا يدخل من أبواب البيوت المشرعة، بل يتسلّل خافتًا كطيفٍ مرتبك، كطائرٍ مهيضٍ أضناه التحليق في سماواتٍ غريبة. يحمل في عينيه غبار المسافات، وفي صوته رجعَ وطن مزّقته الحروب، وفي قلبه أنين الأرض التي لفظت أبناءها على أرصفة البُعد.
يأتي العيد ولسان الحال يهمس بمرارة: “الشمس أجمل في بلادي من سواها”، وكأنه رجع صدى بعيد يحمل صوت بدر شاكر السياب وهو يناجي بلاده:
بَينَ القُرَى المُتَهَيِّبَاتِ خُطَايَ
وَالمُدُنِ الغَرِيبَة
غَنَّيتُ تُربَتَكَ الحَبِيبَة
وَحَمَلتُهَا فَأَنَا المَسِيحُ
يَجُرُّ فِي المَنفَى صَلِيبَه
يأتي العيد هنا كصباحٍ باردٍ لم تلامسه شمس الطفولة، ولم يمرّ نسيمه على سنابل الحقول ولا عشب السهول التي أنجبتنا. يمرّ كصباح بلا ملامح، كأنه يعتذر عن فرحٍ منسي، أو مؤجّل إلى زمنٍ آخر.
في المنافي، يحلّ العيد صامتًا، بلا جلبة الصغار في الأزقة العتيقة، بلا رائحة “كعك العيد” المخبوز تحت شمس المحبة ودفء النوال. يأتي مثقلًا بحزن الغياب، ومتعبًا بوطأة الحنين؛ كصلاةٍ بلا عناق، لم تُباركه ضحكات الكبار، ولم تعمّده الأمهات بماء الدعاء.
وفي زحمة هذا الصمت، نحاول أن نعيد ترتيب الفرح كما نرتّب ذاكرةً مثقوبة، نبحث في التفاصيل الصغيرة عن وطنٍ مؤقّت؛ في فنجان قهوة، في لهجةٍ عابرة، في سلامٍ يشبه وجوهنا القديمة. نصافح العيد بيدٍ خجولة، ونُخفي في الأخرى تعب المسافة، كأننا نساوم الوقت على لحظة طمأنينة لا تكتمل.
تمضي الساعات ببطءٍ ثقيل، ويكبر في داخلنا سؤال الرجوع، كجرحٍ لا يندمل، أو وعدٍ مؤجّل على حافة الحلم. نضحك قليلًا، لا لأن الفرح حاضر، بل لأننا تعلّمنا كيف نُجيد تمثيله، كما تُجيد المدن الغريبة أن تبدو مألوفة. وفي كل عيد، نكتشف أن الغياب لا يُختصر، وأن الوطن لا يُعوّض، وأن الحنين ليس شعورًا عابرًا، بل إقامة دائمة في القلب.
نمضي، نحمل العيد معنا كأثرٍ خفيف، ونترك على الطرقات ظلالنا شاهدةً على عبورٍ لم يكتمل. ويبقى في داخلنا صوتٌ خافت، يشبه دعاء الأمهات، يقول: سيعود العيد يومًا، لا ذكرى ولا طيفًا، بل بيتًا مفتوحًا على الفرح.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، نؤجّل دموعنا إلى عتمته، حيث تعلو فينا أصوات الذين تركناهم خلفنا، كأن العيد امتحانٌ صامت للذاكرة؛ ننجح فيه كل مرة بالحنين، ونفشل في النسيان.
في الغربة، يصير العيد مرآةً تتعاكس فيها أبوابٌ تركناها مواربة، وبيوتٌ مشرعة بلا استئذان، ودروبٌ تحرس وقع خطانا، وتحمل ملامح وجوهٍ غابت عن واقع الحياة لتقيم إلى الأبد في ملكوت الذاكرة.
ومع ذلك، يظلّ العيد كائنًا عنيدًا كزهرةٍ تشقّ الصخر لتعانق الضوء، ويشعل في عتمة الروح قنديلًا خافتًا، ويهمس في أذن المنفى: “إن الأوطان وإن شطّت لا تغيب”، فهي تسكن فينا كما تسكن الحقيقة في اليقين، وكما يسكن النبض في القلب.
ويبقى العيد ياسمينةً تعرّش على سور الانتظار، ترقّبًا لفجرٍ يكحّل عيون الدروب بالوصل، وما زفرات المنفى وتناهيد اللوعة ولواعج الحنين إلا فواصل قلقة، ومدادٌ حزين لجملٍ عابرة في قصيدةٍ طويلة اسمها الوطن.
#7_أبريل_1947 #البعث_الفكرة_لم_لن_تموت #البعث_79

Leave a Reply